داخل كل عائلة حكايات تتكرر في الزيارات والجلسات.
قصة حدثت في سفر قديم، موقف طريف في طفولة أحد الأبناء، خلاف صغير صار مضحكًا بعد سنوات، أو ذكرى عن بيت لم يعد موجودًا.
الغريب أن الحكاية نفسها لا تُروى بالطريقة نفسها.
كل شخص يملك نسخة مختلفة، يضيف تفصيلًا، يحذف آخر، يبدّل ترتيب الأحداث، أو يمنح الموقف معنى جديدًا.
قد يبدأ أحدهم بالقول: " هل تذكرون ذلك اليوم؟ "، فيرد آخر فورًا: " لم يحدث الأمر هكذا".
هنا لا تكون المشكلة في الذاكرة وحدها، فقد يكون الجميع صادقين، لكن كل واحد يتذكر من موقع مختلف.
من كان طفلًا يرى القصة بعين الدهشة، ومن كان أبًا أو أمًا يتذكر التعب والمسؤولية، ومن كان ضيفًا يعلّق في ذاكرته تفصيل عابر.
هكذا تتحول الحكاية العائلية إلى مرآة صغيرة: لا تكشف ما حدث فقط، وإنما تكشف كيف عاشه كل فرد.
الذاكرة ليست تسجيلًا كاملًانحب أن نتعامل مع الذاكرة كأنها أرشيف ثابت، لكنها لا تعمل بهذه الطريقة.
هي تعيد بناء الماضي في كل مرة نستدعيه فيها.
لذلك قد تتغيّر الحكاية مع السنوات، لا لأنها كاذبة، وإنما لأنها تُروى من جديد بحسب العمر والمزاج والمعرفة اللاحقة.
والطفل الذي ضحك يومها قد يكبر ويفهم أن الموقف كان صعبًا على والديه.
الأم التي تذكرت الفوضى قد تسمع بعد سنوات كيف بدت تلك الفوضى ممتعة للأبناء.
حتى المكان نفسه يتغير في الحكاية، فيكبر أو يصغر بحسب الشوق إليه.
لهذا تنشأ داخل العائلات جمل مألوفة: " أنت لا تتذكر جيدًا"، " لا، أنا كنت هناك"، " أنت نسيت الجزء الأهم".
هذه الجمل ليست خلافًا حقيقيًا دائمًا، إنها طريقة العائلة في التفاوض على ذاكرتها.
لماذا نحب تصحيح التفاصيل؟وتصحيح الحكايات داخل العائلة يبدو أحيانًا مضحكًا.
قد يتجادل الناس حول لون سيارة، اسم شارع، عمر طفل، أو ترتيب حدثين صغيرين.
ومع أن التفاصيل تبدو هامشية، إلا أنها تمنح أصحابها شعورًا بأن الذاكرة لا تزال حية.
وحين يصحح شخص تفصيلًا، فهو لا يدافع عن معلومة فقط.
إنه يدافع عن مكانه داخل القصة.
يقول ضمنيًا: " كنت هناك أيضًا".
لذلك تحمل بعض التصحيحات رغبة في الاعتراف، لا في الانتصار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك