سلط تقرير نشرته شبكة «إي يو ريبورتر» الأوروبية الضوء على أزمة الوقود المتفاقمة في ليبيا على الرغم من زيادة الإنتاج النفطي، وهو ما تجلى خلال الأيام الماضية في اصطفاف المواطنين بطوابير أمام محطات الوقود، والانتظار بالساعات.
وأشارت الشبكة الأوروبية إلى أن أزمة النقص الأخيرة تكتسب أهمية خاصة، لأنها وقعت في وقت تشهد فيه البلاد مستويات قوية من إنتاج النفط وإيرادات كبيرة من الصادرات.
وبحسب بيانات المؤسسة الوطنية للنفط، تراوحت إمدادات البنزين خلال فترة العيد بين 9 و11 مليون لتر يوميا.
وتواصل ليبيا إنتاج النفط وتصديره، وتحقيق مليارات الدولارات من العائدات، ومع ذلك لا يزال الحصول على الوقود أمرا صعبا.
تحديات تتجاوز القدرات المحليةرأى التقرير الأوروبي أن هذه المفارقة تمثل ما وصفه بـ«تحدٍ يتجاوز حدود ليبيا»، وهو أن إنتاج النفط لا يضمن تلقائيا أمن إمدادات الوقود.
- العمامي يوضح سبب أزمة الوقود في الجنوب والاحتياجات اليومية (فيديو)- مستودع سبها النفطي يواصل استقبال إمدادات الوقود لدعم المنطقة الجنوبية- «البريقة»: لا بنزين في مستودع طبرق.
وهذا حجم الوقود بالمدنفليبيا تمتلك احتياطيات وفيرة من النفط الخام، لكنها تفتقر إلى قدرات تكرير كافية لتحويل كميات كافية من الخام إلى البنزين والديزل اللازمين للمستهلكين والقطاع الصناعي.
ونتيجة ذلك، تعتمد البلاد بشكل هيكلي على استيراد المنتجات النفطية المكررة.
لذا مهما ارتفع إنتاج النفط الخام، فإن ليبيا لا تزال بحاجة إلى استيراد كميات كبيرة من الوقود المكرر، لتلبية الطلب المحلي.
وتحمل هذه المعادلة أعباء مالية كبيرة، حيث حققت ليبيا نحو أربعة مليارات دولار من إيرادات النفط خلال مايو، بينما أنفقت خلال الفترة نفسها ما يقرب من مليار دولار على استيراد الوقود.
وبذلك خُصص ربع الدخل النفطي تقريبا لشراء منتجات لا تستطيع ليبيا إنتاجها بكميات كافية محليا.
ولا تتوقف التحديات عند هذا الحد، إذ يتعين بعد ذلك نقل الوقود من الموانئ ومرافق التخزين إلى محطات الخدمة في مختلف أنحاء البلاد.
ويمكن لأي تأخير أو اختناقات أو أوجه قصور داخل شبكة التوزيع أن تؤدي سريعاً إلى حدوث نقص في الإمدادات، حتى عندما تكون واردات الوقود عند مستويات مرتفعة نسبياً.
تفسر هذه الحقائق، بحسب التقرير، سبب عدم نجاح زيادة إنتاج النفط وحدها في حل الأزمة.
كما تفسر أيضا الأهمية الكبيرة التي لعبها برنامج «مبادلة النفط».
فخلال السنوات الماضية، أشار التقرير الأوروبي إلى تركيز جزء كبير من النقاش حول البرنامج على مزاعم سوء استخدامه من قِبل بعض الأطراف.
وعلى الرغم من أهمية الرقابة والمساءلة في أي آلية تجارية واسعة النطاق، فإن التركيز حصرا على هذه المخاوف قد يحجب حقيقة أكثر أهمية، وهي أن البرنامج نجح في تحقيق أهدافه.
وأوضح تقرير «إي يو ريبورتر»: «اعترفت آلية مبادلة النفط بالهيكل الأساسي لقطاع الطاقة الليبي.
وبدلا من انتظار استثمارات طويلة الأجل في التكرير لمعالجة مشكلة ملحة، وفرت حلا عمليا يتيح مبادلة النفط الخام بالمنتجات المكررة التي تحتاجها ليبيا بصورة عاجلة».
وأضاف: «كانت النتيجة مباشرة وفعالة، إذ دخل الوقود إلى البلاد بكميات كبيرة، واستمرت محطات الخدمة في العمل، وواصلت القطاعات الصناعية نشاطها، وعملت شبكات النقل بصورة طبيعية، وتمكن المستهلكون من الحصول على البنزين والديزل بشكل أكبر».
وبالنسبة لبلد يعاني قيودا مزمنة في قدرات التكرير، شكّل البرنامج جسرا يربط بين إنتاج النفط واستهلاك الوقود.
لكن منذ انتهاء البرنامج عام 2025، أصبحت أزمات النقص أكثر حدة بصورة متزايدة.
وتمثل أحداث عيد الأضحى أوضح دليل حتى الآن على الفجوة التي ظهرت بعد توقفه.
ومهما كانت الانتقادات التي وُجهت إلى الآلية، فإن التراجع في توافر الوقود منذ إنهائها أصبح أمرا يصعب تجاهله.
في سياق متصل، يؤكد التقرير أن أزمة الوقود في ليبيا تمس أمن الطاقة في أوروبا، إذ تقدم تجربة ليبيا دروسا مهمة حول أمن الطاقة، والمرونة، وأهمية ترتيبات الإمداد المرنة.
فخلال السنوات الأخيرة، بذل الاتحاد الأوروبي جهودا كبيرة لتعزيز مرونة قطاع الطاقة بعد الاضطرابات التي شهدتها الأسواق العالمية.
وأدرك صناع القرار الأوروبيون بصورة متزايدة أن أمن الطاقة لا يعتمد فقط على القدرة الإنتاجية، بل يتوقف أيضا على الخدمات اللوجستية والتكرير وشبكات النقل، والقدرة على تأمين الإمدادات في ظل ظروف السوق المتغيرة.
إلى ذلك، قال التقرير: «يفترض أن يكون هذا المفهوم مألوفا لصناع القرار الأوروبيين، إذ باتت مرونة الطاقة داخل الاتحاد الأوروبي تعتمد بشكل متزايد على التنويع والمرونة، والقدرة على التكيف مع واقع الأسواق.
وغالبا ما تكون أنجح أنظمة الطاقة ليست تلك التي تمتلك أكبر الموارد، بل تلك القادرة على إيصال الطاقة بكفاءة من مصادر الإمداد إلى مواقع الطلب».
وأضاف: «من ثم، فإن الدرس المستفاد من أزمة العيد يتجاوز مجرد الجدل حول طوابير الوقود، ليتمثل في ضرورة تقييم السياسات التي حققت نتائج فعلية، وتلك التي لم تحققها».
وتابع: «برنامج (مبادلة النفط) لم يكن مجرد ترتيب موقت، بل كان أحد الآليات القليلة التي نجحت في معالجة العجز الهيكلي في الوقود داخل ليبيا، وضمان وصول المنتجات المكررة إلى السوق المحلية بالكميات المطلوبة.
وتشير أزمات النقص المتفاقمة منذ إلغائه إلى أن إسهامه في أمن الوقود الليبي كان أكبر بكثير مما أقر به كثير من المراقبين في ذلك الوقت».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك