تضيق صالة التحرير بضجيجها، وتتسارع دقات العقارب لتلاحق الأخبار، لكن عقرب الساعات توقف فجأة في" اليوم السابع"، ولم يعد هناك من يحرر الخبر، فقد صار هو الخبر نفسه.
برحيل صادم ومباغت، ترجل الفارس النبيل الزميل أحمد عادل، مهندس" الديسك" وميزان الكلمات، عن صهوة الحياة، تاركاً خلفه فراغاً لا تملؤه الحروف، وحزناً يمتد بطول الوطن وعرضه في قلوب كل من عرفوه.
كان أحمد، كما عرفناه دائماً، كائناً نورانياً ضل طريقه إلى الأرض، بشوش الوجه، محباً للحياة، هادئاً كليالي الريف الصافية، ومتزناً كقصيدة شعرية ضبطت قوافيها بعناية.
لم يكن مجرد زميل يصحح صياغة الكلمات، بل كان يصحح بابتسامته الدائمة، التي لم تفارق وجهه يوماً، عثرات الأيام وغمام الروح.
امتلك مهنية واحترافية جعلت من قلمه مشرط جراح ماهر، يداوي النص دون أن يجرح المعنى، ويمنح الحروف هيبة ورونقاً.
خارج حدود المكاتب والشاشات الصامتة، كان للوقوف معه له طعم آخر، طعم الحياة في أصفى تجلياتها، كنت أعشق الوقوف معه، حيث نتقاسم ضحكات تنبع من شغاف القلب، ضحكات تهزم تعب المهنة وتخفف من وطأة الحياة.
كان حديثه عذباً، ينساب كالنهر، خفيفاً على الروح كالنسمة العابرة، كم جلسنا نخطط لمباراة كرة قدم نحضرها سوياً، نشجع ونهتف برفقة الزميلين محمد أشرف ومحمد عبد الرؤوف، وكم رتبنا لجلسة صافية على المقهى، نحتسي فيها كوباً من الشاي الدافئ، ونتبادل الحكايا الشجية برفقة أيمن عيسى وكمال محمود.
ولأن النبل لا يتجزأ، لم تكن علاقتنا مجرد" كارت عمل" أو زمالة عابرة، بل نمت لتصبح شجرة عائلية وارفة الظلال، تشابكت أغصانها لتجمع الزوجات الصديقات والزميلات، والأبناء الذين كبروا على المودة.
لا يمكن أن تسقط من ذاكرة الروح حكاوي أحمد، وطيبة قلبه التي اتسعت للكون بأسره، وصفاء سريرته التي لم تلوثها صراعات الحياة.
طوال سنوات رفقتنا، لم يضبطه أحد يوماً متلبساً بخناقة، أو طرفاً في خلاف داخل العمل، كان قلبه كبيراً يسع الجميع، وعقله وازناً يمتص كل العواصف بوعي وحكمة.
يرحل أحمد عادل في مقتبل العمر، تاركاً خلفه ثلاثة أطفال، أكبرهم" رقية" التي تخطو أولى خطواتها في المرحلة الإعدادية، لتواجه الدنيا دون السند الكبير، لكنها ستحمل إرثاً من الحب والذكرى الطيبة لا يفنى.
إن صدمة الفراق تترك جرحاً غائراً في قلب" صالة التحرير" التي اتشحت بالسواد، وخالص العزاء والمواساة لزوجته، أختنا العزيزة وزميلتنا بجريدة اليوم السابع إيناس البنا، ولشقيقه حسام عادل، ولكل أفراد أسرته ومحبيه.
إن العظماء لا يموتون، بل يغيرون عناوينهم فقط، وأحمد كان عظيماً بمحبته وفيض نبل تلمسه في قلوب الناس، فموعدنا معه، بإذن الله، في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك