في زحام الحياة، يركض الإنسان خلف ما ينقصه وينسى ما يملكه، يلتفت إلى الأبواب المغلقة ويغفل عن آلاف الأبواب المفتوحة، يشكو من تأخر أمنية وينسى أنه يعيش وسط نعم لو فقد واحدة منها لتمنى أن ينفق عمره كله من أجل استعادتها.
كم من إنسان يستيقظ كل صباح على قدميه، يرى بعينيه، يسمع بأذنيه، يتنفس دون أجهزة، ويأكل ويشرب ويتحرك بحرية، ثم يظن أنه محروم من النعم! بينما هناك من يتمنى فقط أن يخطو خطوة واحدة دون ألم، أو يرى وجه أحبائه، أو يلتقط نفسًا طبيعيًا دون معاناة.
نعم الله لا تُقاس بالأموال وحدها، فالصحة نعمة، والأمان نعمة، والأسرة نعمة، والأبناء نعمة، وراحة البال نعمة، والستر نعمة، بل إن مجرد الاستيقاظ من النوم نعمة عظيمة لا يشعر بقيمتها إلا من فقد عزيزًا نام ليلة ولم يستيقظ بعدها.
المشكلة ليست في قلة النعم، بل في اعتيادها.
فالإنسان حين يعتاد النعمة يتوقف عن رؤيتها، وكأنها أصبحت حقًا مكتسبًا وليست فضلًا من الله.
لذلك نجد البعض يمتلك ما يتمناه الملايين، ومع ذلك يعيش في دائرة دائمة من السخط والشكوى، لأنه ينظر إلى ما ينقصه لا إلى ما أُعطيه.
ومن أعظم النعم التي لا ينتبه إليها كثيرون نعمة الستر.
كم من إنسان يعيش بين الناس مكرمًا محترمًا، وقد ستر الله عليه عيوبًا وأخطاء لو ظهرت لتغيرت نظرة الجميع إليه.
إنها نعمة عظيمة تستحق الشكر في كل لحظة.
كما أن نعمة الطمأنينة أصبحت من أغلى النعم في زمن كثرت فيه الضغوط والهموم.
فكم من صاحب مال لا ينام، وكم من صاحب منصب لا يعرف الراحة، بينما هناك من يملك قلبًا مطمئنًا فيعيش سعيدًا بما قسمه الله له.
إن الشكر الحقيقي لا يكون بالكلمات فقط، بل بالنظر إلى النعم بعين الامتنان، واستخدامها فيما يرضي الله، ومساعدة المحتاجين، والرحمة بالضعفاء، وعدم التكبر على الخلق.
فالنعم تدوم بالشكر وتزول بالجحود.
وفي النهاية، لو جلس كل واحد منا دقائق معدودة يعد نعم الله عليه، لاكتشف أنه أغنى بكثير مما يعتقد، وأن ما يملكه اليوم كان في يوم من الأيام مجرد أمنية يتمناها.
فلنحمد الله على ما أعطى، ولنرضَ بما قسم، ولنتذكر دائمًا أن أعظم النعم هي تلك التي نعيش بها كل يوم حتى اعتدنا وجودها، فنسينا شكر واهبها.
" وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك