على مدار الأسبوع الماضي، تأرجح مسار الصراع في لبنان بشدة بين التصعيد ومحاولات العمل السياسي والدبلوماسي.
ففي الـ30 من مايو (أيار) الماضي، اجتمعت وفود عسكرية إسرائيلية ولبنانية في البنتاغون للتحضير لجولة رابعة من المفاوضات الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء القتال بين إسرائيل و" حزب الله"، التنظيم المتمركز في لبنان والوكيل الإيراني.
لكن بعد يوم واحد فحسب، شعر الإسرائيليون واللبنانيون بإحساس قاتم بتكرار الماضي، حين رفع جنود الجيش الإسرائيلي العلم الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف (بوفور)، وهي حصن يعود إلى القرن الـ12 في جنوب لبنان، ويعد رمزاً مؤلماً للاحتلال الإسرائيلي الذي دام قرابة عقدين وانتهى عام 2000 من دون تحقيق أي مكاسب استراتيجية.
وأشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باستعادة الحصن معلناً: " لقد عدنا إلى الشقيف أقوى من أي وقت مضى".
ثم بعد يوم آخر، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه توسط في اتفاق لوقف القتال بين إسرائيل و" حزب الله".
لكن إسرائيل و" حزب الله" فسرا بيان ترمب بصورة مختلفة، ولم تتوقف المواجهات بينهما، مما يشير، وفقاً للتجربة القريبة، إلى أن هذا التأرجح الاستراتيجي الحاد سيستمر.
ففي منتصف أبريل (نيسان) الماضي، وعقب الجولة الثالثة من المفاوضات، أعلنت واشنطن تمديد وقف إطلاق النار في لبنان لمدة 45 يوماً، غير أن الصراع تكثف باطراد عقب ذلك الإعلان.
ووفقاً لمركز" ألما"، وهو مركز بحوث إسرائيلي غير ربحي، شن" حزب الله" خلال الأسبوع الذي بدأ في الـ25 من مايو الماضي 227 هجوماً ضد جنود الجيش الإسرائيلي والمدنيين الإسرائيليين باستخدام الصواريخ، والنيران المضادة للدروع، والطائرات المسيرة، مقارنة بـ161 هجوماً في الأسبوع السابق، مع اتساع الرقعة الجغرافية للاستهداف.
ونتيجة لذلك، تتعرض بلدات شمال إسرائيل لقصف مستمر أدى إلى نزوح عشرات الآلاف.
وفي غضون ذلك، يواصل الجيش الإسرائيلي توسيع ضرباته في عمق لبنان مهدداً بضرب بيروت.
ومنذ منتصف أبريل الماضي، دمر قرى كاملة، وقتل، بحسب تقديراته، ما يقارب 800 عنصر من" حزب الله" ومئات المدنيين اللبنانيين، ونشر وحدات كبيرة من فرقتين عسكريتين لإنشاء منطقة عازلة آخذة في التوسع.
ويحاول القادة الإسرائيليون الجمع بين مسارين متناقضين، عبر الانخراط في جهود دبلوماسية علنية رفيعة المستوى تزامناً مع مواصلة العمليات العسكرية، أملاً في إرضاء جبهات متعددة في آن واحد: إدارة ترمب والعواصم الأوروبية المتلهفة للدبلوماسية من جهة، والإسرائيليين القلقين على أمنهم، لا سيما سكان الشمال، إلى جانب اليمين الإسرائيلي المتطرف، الصغير نسبياً لكنه مؤثر سياسياً، والذي يطالب بالتوسع الإقليمي من جهة أخرى.
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في الخريف، فإن أي إخفاق في الرد بقوة على" حزب الله" سيعرض حكومة نتنياهو لأخطار حقيقية، بخاصة أنها وعدت الإسرائيليين بنصر كامل على إيران وميليشياتها الوكيلة، لا بالتوصل إلى تسويات.
وعلى رغم أن المضي في المسار الدبلوماسي لا ينطوي على كلفة سياسية داخلية لنتنياهو، إلا أن الالتزام الجدي به لا يمنحه هو الآخر مكاسب واضحة.
ويستوجب فهم النهج الإسرائيلي تجاه لبنان استحضار التحول الذي طرأ على العقلية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر.
فقد غدت أخطار الانتظار ومراقبة التهديدات وهي تتراكم أكبر من أن تحتمل.
ونتيجة لذلك، انتقلت إسرائيل من إعطاء الأولوية للردع إلى عقيدة أمنية تقوم على التأهب الدائم والعمل الوقائي المستمر، وتعطي الأولوية لما يسمى" الدفاع الأمامي"، عبر السيطرة على الأراضي، وإنشاء المناطق العازلة، والقبول بخوض حملات عسكرية متواصلة.
ولذا أكد نتنياهو أن السيطرة على قلعة الشقيف تمثل" مرحلة دراماتيكية في السياسة التي ننتهجها، لقد كسرنا حاجز الخوف، ونحن نبادر ونعمل على الجبهات كافة، في سوريا، وغزة، ولبنان".
غير أن هذا الاستعراض للثقة يخفي إحباطاً متزايداً.
وإذا استمرت دينامية التصعيد الحالية، فستبدد فرصة نادرة أمام إسرائيل ولبنان لتحقيق هدف استراتيجي مشترك.
فكلاهما يريد نزع سلاح" حزب الله" واستعادة سيادة لبنان.
ومنذ أن هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، أوضح" حزب الله" أكثر من أي وقت مضى أن ولاءه النهائي هو لإيران، لا للشعب اللبناني.
لكن نزع سلاح هذه الميليشيات يتطلب دبلوماسية صبورة وخطوات متدرجة.
فالدولة اللبنانية وحدها هي القادرة على نزع سلاح الحزب بصورة شرعية ومستدامة.
ولا تستطيع إسرائيل أن تستبدل الشرعية بالقوة العسكرية، لكنها تستطيع المساعدة في تهيئة الظروف التي تمكن بيروت من استعادة سيادتها.
ولهذا ينبغي أن تتحرك مفاوضات هذا الأسبوع بوتيرة أكثر إلحاحاً، وأن تهدف إلى ما هو أبعد من مجرد تمديد وقف إطلاق النار الهش واحتواء الصراع في جنوب لبنان.
وإذا لم تفض هذه المحادثات إلى نهج مختلف جذرياً وتحقق فوائد ملموسة للبنانيين والإسرائيليين على حد سواء، فإن عودة الحرب الشاملة ستكون حتمية، وستتلاشى الآمال في إضعاف" حزب الله" بصورة دائمة وتحقيق السلام.
من يزرع الريح يحصد العاصفةبدأت إسرائيل التخطيط لحملة جديدة ضد" حزب الله" في الفترة الممتدة من منتصف إلى أواخر عام 2025.
وكان وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 قد أنهى حرباً استمرت عاماً كاملاً، اندلعت عقب قيام الجماعة الشيعية المسلحة بقصف شمال إسرائيل تضامناً مع" حماس" في غزة.
لكن بعد أشهر عدة، قدرت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أن" حزب الله" استعاد جزءاً من قدراته العسكرية وبات قادراً مجدداً على تشكيل تهديد خطر لإسرائيل.
وعلى رغم أن الحكومة اللبنانية الجديدة التي تولت السلطة في فبراير 2025 اقترحت خطة طموحة لنزع سلاح الحزب، فإنها لم تكن تمتلك القدرة ولا الإرادة السياسية الكافية لإنجاز هذه المهمة الضخمة ضمن إطار زمني مقبول.
وجاءت الضغوط الأميركية والاستعدادات للحرب الأميركية - الإسرائيلية المشتركة ضد إيران لتنحي الخطط الإسرائيلية في شأن لبنان جانباً.
ولكن بعد بدء الحملة ضد إيران بفترة وجيزة، اعتقدت إسرائيل في البداية أنها استدرجت" حزب الله" إلى خرق وقف إطلاق النار عندما أطلق وابلاً من الصواريخ نحو شمال إسرائيل انتقاماً لاغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي.
بيد أنه قد يكون من الأدق القول إن إسرائيل وقعت من دون قصد في فخ.
فطوال عام 2025، استفادت البلاد مما وصفه بعض المحللين الإسرائيليين بأنه" وقف إطلاق نار مريح إلى حد الترف"، إذ احتفظت بحرية التحرك استباقياً ضد التهديدات، وأبقت موطئ قدم عسكرياً في خمس نقاط داخل لبنان، بينما امتنع" حزب الله" عن التحرك.
وكانت إسرائيل مستعدة لرد" حزب الله" على مقتل خامنئي.
ورأت في ذلك فرصة لشن هجوم أوسع، مفترضة أن مواجهة جماعة منهكة، تراجعت صلاتها بإيران وانخفض الدعم الذي تتلقاه منها، ستكون محدودة ويمكن السيطرة عليها.
لكن العكس هو ما حدث، إذ أصبحت صلات" حزب الله" بطهران أقوى، وتحول الحزب إلى تنظيم حرب عصابات منتشر ولا مركزي.
أما ضبط النفس الذي أبداه سابقاً، فقد حلت محله تكتيكات أكثر جرأة تهدف إلى إلحاق خسائر فادحة بجنود الجيش الإسرائيلي في لبنان وببلدات شمال إسرائيل.
ما من حل عسكري للمشكلة التي يمثلها" حزب الله"وعلى رغم أن الحملة العسكرية الإسرائيلية عانت إخفاقات استراتيجية وتكتيكية، وعلى رأسها ضعفها أمام تكتيكات" حزب الله" المحدثة في استخدام الطائرات المسيرة، فإنها حققت سلسلة من المكاسب.
فقد قتلت، بحسب إسرائيل، نحو 3000 مقاتل من" حزب الله"، بمن فيهم عدد من القادة البارزين، منذ مطلع مارس (آذار) الماضي.
ودمرت شبكة أنفاق تابعة للحزب تمتد لما يقارب ميل، وصادرت عشرات مخابئ الأسلحة، ودمرت قاذفات صواريخ وبنى تحتية عسكرية في منازل ومنشآت أخرى في قرى لبنانية، وسيطرت على أراض تمتد حتى ستة أميال داخل عمق جنوب لبنان وتشكل نحو خمسة في المئة من مساحة البلاد.
غير أن هذه الحملة كانت مكلفة للغاية أيضاً، إذ قتل أكثر من 3000 لبناني، بينهم مدنيون، ونزح ما يربو على 1.
5 مليون شخص، في حين أسفرت ضربات" حزب الله" عن مقتل عشرات الجنود والمدنيين الإسرائيليين وإصابة المئات، وأجبرت عشرات الآلاف من سكان شمال إسرائيل على مغادرة منازلهم، فيما يعيش من بقي منهم تحت تهديد دائم.
والحقيقة أنه لا يوجد حل عسكري للمشكلة التي يمثلها" حزب الله".
فالمنطقة العازلة قد تمنع التوغلات البرية والقذائف قصيرة المدى، لكنها غير فعالة في منع الهجمات الصاروخية أو تفكيك خلايا" حزب الله" في مناطق أبعد شمالاً.
ففي منتصف مارس، أظهرت تقارير الجيش الإسرائيلي نفسه أن معظم الصواريخ التي استهدفت شمال إسرائيل انطلقت من شمال نهر الليطاني، وهي منطقة تقع خارج النطاق الذي يمكن لإسرائيل الاحتفاظ به واقعياً من دون احتلال لبنان بالكامل.
كما أن الاحتلال طويل الأمد لجنوب لبنان ينطوي على أخطار جمة، إذ سيعرض القوات الإسرائيلية لحرب عصابات مستمرة، ويتحول إلى عبء سياسي داخلي ضخم مع توالي الخسائر البشرية، تماماً كما يثبته التاريخ.
فبين عامي 1982 و2000، أنشأت إسرائيل منطقة أمنية في لبنان أملاً في إبعاد التهديدات عن المدنيين، لكن هذا الاحتلال الممتد كبدها أرواحاً كثيرة من الجنود وقوات الاحتياط، واستنزف موارد الدولة، وفجر احتجاجات داخلية عارمة أجبرتها في النهاية على الانسحاب عام 2000 من دون تحقيق مكاسب استراتيجية، تاركة خلفها خصماً أكثر شعبية وقدرة.
النهج الذي فشل في جلب الأمن خلال الثمانينيات والتسعينيات لن ينجح اليوم، بل قد يكون أكثر ارتداداً وعكسية في وقت تبدو خلاله فرصة إضعاف" حزب الله" أو نزع سلاحه ممكنة للمرة الأولى منذ عقود.
خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراءواصلت إسرائيل نهجها الهجومي تجاه لبنان على رغم إخفاقاته، لأن هذا النهج أصبح أيضاً حجر الأساس لعقيدة أمنية جديدة وأوسع نطاقاً.
فقبل صدمة السابع من أكتوبر، استندت العقيدة الإسرائيلية إلى ثلاث ركائز: بناء ردع موثوق، وإنشاء أنظمة إنذار مبكر للهجمات، وتطوير قدرات دفاعية وعسكرية تتيح تحقيق انتصارات سريعة وحاسمة في الحرب.
ولأن إسرائيل دولة صغيرة تواجه تهديدات عدة، أبدى قادتها أيضاً تفضيلاً لترتيبات تفاوضية تطيل الفترات الفاصلة بين الحروب، بما يمنح الجيش والاقتصاد والسكان وقتاً للتعافي.
وعلى رغم أن المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية كانت ترى في" حزب الله" التهديد التقليدي الأخطر والأقرب، فإنها استخدمت استراتيجية" الهدوء مقابل الهدوء" للحفاظ على استقرار قصير الأجل، مفضلة تحمل الاستفزازات المحدودة على تنفيذ ضربات انتقامية قد تفجر حرباً على الحدود الشمالية.
ولكن في السابع من أكتوبر، انهارت هذه الركائز الأمنية الثلاث بالكامل.
وبدلاً من مساءلة أسباب الفشل وإصلاح مؤسسات الأمن القومي، اتجهت إسرائيل نحو عقيدة جديدة قائمة على المنع الاستباقي.
وهذا الموقف يرسخ دورة دائمة من الصراع.
وإلى جانب الغارات المستمرة، واستعراض القوة الجوية، والعمليات الخاصة، تؤكد العقيدة الجديدة تدابير الدفاع الأمامي، وهو تعبير ملطف عن الاستيلاء على أراض في الدول المجاورة من خلال إنشاء مناطق عازلة.
ومما لا شك فيه أن عجز لبنان عن فرض سيادته يستمر في تشكيل تهديد أمني ملموس لإسرائيل.
فعلى مدى عقود، شكلت الأراضي اللبنانية منطلقاً استخدمته أطراف خارجية لشن هجمات على الأراضي الإسرائيلية، بدءاً من منظمة التحرير الفلسطينية بين عامي 1968 و1982، وصولاً إلى" حزب الله"، وكيل إيران اليوم، بيد أن" حزب الله" حركة سياسية واجتماعية عميقة الجذور في لبنان إلى جانب كونه وكيلاً لإيران.
فهو يدير خدمات اجتماعية، ويبني شبكات نفوذ ورعاية، ويتبنى سردية المقاومة لملء الفراغ الذي تخلفه الدولة الضعيفة.
ومن ثم، فإن مواجهته لا يمكن أن تقتصر على الأدوات العسكرية فحسب.
يتعرض نتنياهو لضغوط شديدة من أجل تصعيد حملته في لبنانولم توافق إسرائيل على المحادثات مع لبنان في منتصف أبريل الماضي إلا بناءً على طلب ترمب، بعدما تجاهلت دعوات الرئيس اللبناني جوزاف عون للتفاوض في مارس الماضي.
ومع بدء المحادثات في أبريل الماضي، حاولت إسرائيل إرسال إشارات توحي بانفتاحها على السلام بالتوازي مع تطبيق عقيدتها الجديدة، إذ صرح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بأن بلاده" ليست لديها أطماع إقليمية في لبنان".
غير أن مسؤولين إسرائيليين بارزين آخرين تبنوا نبرة توسعية واضحة.
ففي الـ26 من مايو الماضي، كتب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير: " يتعين علينا قطع الكهرباء [عن لبنان]، وإغلاق المفتاح، وإفهامهم بوضوح: إذا وجد الإرهاب، فستتحملون العواقب"، محذراً من أنه إذا لم تفرض الحكومة اللبنانية سيطرتها على" ’حزب الله"، فإن المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني" ستتحول إلى منطقة أمنية عازلة لدولة إسرائيل".
وحاول نتنياهو الجمع بين الأمرين.
ففي بيان صدر في الـ16 أبريل الماضي، أعلن أن إسرائيل أمامها" فرصة لصياغة اتفاق سلام تاريخي مع لبنان"، لكنه وضع في البيان نفسه بقاء المنطقة العازلة شرطاً مسبقاً للمحادثات، قائلاً: " سنبقى في لبنان ضمن منطقة أمنية عازلة معززة.
هذه ليست النقاط الخمس التي كانت قائمة قبل عملية (زئير الأسد)، بل هو حزام أمني يبدأ من البحر ويستمر إلى جبل دوف (مزارع شبعا) وسفوح جبل الشيخ وصولاً إلى الحدود السورية.
إنه شريط أمني بعمق 10 كيلومترات، وهو أكثر قوة وكثافة وتماسكاً وصلابة مما كان لدينا سابقاً، نحن هناك ولن نغادر".
وفي الأسابيع الستة الدامية التي تلت ذلك، ازدادت خطاباته تشدداً.
وقد يخدم إبرام اتفاق والتقاط صورة تذكارية مع عون سردية نتنياهو المحلية بأنه يحقق لإسرائيل" السلام من خلال القوة"، لكن الواقع يشير إلى أن حكومته تواجه ضغوطاً شعبية وسياسية هائلة لتكثيف حملتها في لبنان رداً على استخدام" حزب الله" الفتاك للطائرات المسيرة الموجهة بمنظور الشخص الأول (FPV)، وهو تكتيك كان متوقعاً على نطاق واسع، لكن إسرائيل بدت غير مستعدة له على نحو محرج.
إن الإسرائيليين يريدون الأمن، ويستخفون بالدور الذي يمكن لعملية السلام أن تلعبه في تحقيقه.
وقد لخص المحلل الليبرالي المخضرم ناحوم برنيع هذا المزاج العام بكتابته: " إسرائيل لا تحتاج اعترافاً من لبنان، ولا تحتاج سلاماً، ولا تحتاج حباً، تحتاج أمراً واحداً فقط: ألا تخترق الصواريخ أو المسيرات الحدود، ولبنان عاجز عن توفير ذلك".
كما أن تصعيد العمليات في لبنان يحقق غرضاً سياسياً.
فكل يوم يتصدر فيه" حزب الله" أو الخصوم الآخرون العناوين، هو يوم يمر من دون نقاش جاد حول تشكيل لجنة تحقيق وطنية في الأخطاء الكارثية للحكومة قبل السابع من أكتوبر وخلاله، أو الالتفات إلى محاكمة رئيس الوزراء في قضايا الفساد.
فضلاً عن أن إقامة المناطق العازلة ترضي اليمين الديني المتطرف في إسرائيل، الذي يتطلع إلى ضم مزيد من الأراضي في بلاد الشام.
وعلى رغم أن هذه المجموعة لا تمثل سوى أقلية هامشية من الناخبين، فإنها تشكل عنصراً أساساً في ائتلاف نتنياهو.
ومن شأن التصعيد في لبنان أيضاً إعاقة تفاهمات أميركية - إيرانية تعارضها إسرائيل.
فبينما تحاول واشنطن وطهران صياغة إطار عمل، أفادت وكالة" تسنيم" الإيرانية في الأول من يونيو الجاري بتوقف المحادثات جراء العمليات الإسرائيلية في لبنان، إذ تشترط طهران وقف الهجمات الإسرائيلية والانسحاب إلى الحدود كتمهيد لأي اتفاق أوسع.
تخفي نبرة الاستعراض التي يبديها نتنياهو مأزقاً حقيقياً.
فالمزاوجة بين الدبلوماسية والعمليات العسكرية في آن واحد شلت جهود إسرائيل في كلا المسارين.
وقد اقتبس سفير إسرائيل في واشنطن وممثلها في المحادثات، يحيئيل ليتر، مقولة رئيس الوزراء السابق إسحاق رابين مصاغة بسياق جديد: " التركيز منصب الآن على.
التوصل إلى معاهدة سلام وكأنه لا يوجد" حزب الله"، ومحاربة" حزب الله" وكأنه لا يوجد مسار سلام، وأعتقد أننا سنحقق الأمرين معاً".
لكن بهذه الوتيرة، لن يكون أي من الهدفين قابلاً للتحقيق.
ويدرك الإسرائيليون العاديون أن النهج الراهن لا يعزز أمنهم على المدى الطويل.
فقد أظهر استطلاع رأي أجراه معهد دراسات الأمن القومي في الـ26 من أبريل الماضي أن 69 في المئة من الإسرائيليين المستطلعة آراؤهم يوافقون على أن" الحملة ضد ’حزب الله‘ يجب أن تستمر"، لكن 62 في المئة يعارضون في المقابل أن" الحملة الحالية في لبنان ستجلب هدوءاً أمنياً طويل المدى".
وعبر 84 في المئة عن قلقهم البالغ إزاء الوضع الأمني في لبنان، بزيادة حادة عن 51 في المئة في فبراير الماضي.
وهو قلق عابر للاصطفافات الحزبية، إذ شارك فيه 84 في المئة ممن صوتوا لائتلاف نتنياهو نفسه.
وبات الإحباط يتسرب إلى الإسرائيليين جراء تكرار نمط مستمر، إذ يوجه جيشهم ضربات مكلفة تكتيكياً لـ" حزب الله"، لكنها تعجز عن تحقيق الوعود الاستراتيجية الكبرى التي تطرحها النخبة السياسية للجمهور، مما يتركهم في خيبة أمل متكررة من الوعود المتفائلة.
إن نزع سلاح قوة شبه عسكرية تمثل في الوقت عينه حركة سياسية واجتماعية كبرى يعد مهمة معقدة، حتى في ظروف أكثر مواتاة.
وهي مهمة لا تنجح سريعاً إلا إذا وافقت الجماعة المسلحة طوعاً على توقيع معاهدة سلام مقابل إدماجها في السياسة الرسمية، وفعلت القوات المسلحة الثورية في كولومبيا (فارك) مطلع العقد الماضي، أو عبر تدخل تحالف دولي يدمج الميليشيات قسراً في هيكل دولة جديدة، مثل ما فعلته الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي مع جيش تحرير كوسوفو أواخر التسعينيات.
وحتى في حال الجيش الجمهوري الإيرلندي، استغرق نزع السلاح سبعة أعوام عقب التوصل إلى اتفاق سياسي.
أما في لبنان، فتحاول إسرائيل استخدام ضغط عسكري خارجي لإجبار طرف ثالث، وهو الدولة اللبنانية الهشة والمنقسمة، على نزع سلاح ميليشيات غير متعاونة، مما يجعل القضية والإطار الزمني في غاية التعقيد.
ومع ذلك، يظل نزع سلاح" حزب الله" ضرورة ملحة للإسرائيليين واللبنانيين على حد سواء.
وفيما تكبل إسرائيل نفسها داخل هذا المأزق الاستراتيجي، فإنها تخاطر بإهدار فرصة قد لا تتكرر لجيل كامل.
فالشارع اللبناني ضاق ذرعاً بممارسات" حزب الله"، وشهد الخطاب العام تحولات خلقت فرصة تاريخية، إذ ابتعد قادة سياسيون ونشطاء لبنانيون بارزون علناً عن" حزب الله" منذ تغيير الحكومة في أوائل عام 2025، وتحدثوا عن السلام مع إسرائيل، وهو أمر كان يندرج سابقاً ضمن المحرمات، بل إن بعض الشخصيات اللبنانية غازلت فكرة الانخراط الدبلوماسي المحدود.
وأظهر استطلاع في مايو الماضي أجرته مؤسسة" الدولية للمعلومات"، وهي شركة بحوث واستشارات مستقلة في بيروت، أن غالبية اللبنانيين تؤيد السلام مع إسرائيل.
غير أن بقاء الوجود الإسرائيلي لفترة ممتدة من دون أفق دبلوماسي ملموس قد يعيد إحياء سردية المقاومة لدى" حزب الله"، ويغذي جهوده لتقديم نفسه كمدافع ضروري ضد الاحتلال.
على الأقوال أن تترجم إلى أفعالإن المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة بين الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية محدودة منذ البداية بحكم تصميمها.
فبسبب اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في الخريف، لا يملك فريق التفاوض سوى سلطة محدودة، ناهيك بأي قدرة على بحث انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية في المستقبل المنظور.
واستمرار المفاوضات على رغم التصعيد الميداني يحافظ نظرياً على مسار محتمل للتقدم.
غير أن القادة الإسرائيليين، شأنهم شأن القادة اللبنانيين، سيحتاجون قريباً إلى إثبات أن هذه العملية السلمية تقدم مكاسب ملموسة لجمهور كل طرف.
والحكومة اللبنانية ومعظم شعبها شركاء لإسرائيل، وينبغي التعامل معهم على هذا الأساس في الطريق الطويل والشاق لنزع سلاح" حزب الله".
وكإجراء فوري لبناء الثقة، يتعين على القادة الإسرائيليين، ونتنياهو تحديداً، صياغة موقف واضح بأن إسرائيل ليست لديها أطماع إقليمية طويلة الأجل في لبنان، وأن وجود الجيش الإسرائيلي في الجزء الجنوبي من البلاد موقت فحسب.
وينبغي لإسرائيل تجنب تحصين وجودها وقبول انسحاب جزئي كجزء من الاتفاق الأميركي - الإيراني، إذا وُقع، مما يوفر لإسرائيل مخرجاً تشتد الحاجة إليه عبر تقليص منطقتها العازلة الممتدة، والعودة إلى التلال الخمسة الأصلية التي كانت تسيطر عليها عند وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024.
وعلى رغم الضغوط الداخلية الداعية إلى التصعيد العسكري، يبقى ضبط النفس العملياتي أمراً بالغ الأهمية.
فالضربات العشوائية، وبخاصة في بيروت، وتدمير القرى، وتشييد منشآت دائمة على الأراضي اللبنانية، تقوض الشرعية الداخلية للحكومة اللبنانية وقدرتها على مواجهة" حزب الله"، وتخاطر بإعادة تلميع صورة الجماعة كحام للمدنيين اللبنانيين.
ويجب على إسرائيل ضبط عملياتها بدقة لتقتصر على إضعاف القدرة القتالية لـ" حزب الله" مع الحفاظ على البنية التحتية المدنية التي تحتاج إليها الدولة اللبنانية لتوسيع سلطتها.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ويمكن لإسرائيل تقديم إجراءات فورية لبناء الثقة يسهل تسويقها داخلياً، مثل مشاريع المياه في الأحواض النهرية المشتركة، ومبادرات التعاون في قطاع الطاقة لتخفيف أزمة الكهرباء في لبنان، وتسهيل زيارات المواقع المقدسة للحجاج اللبنانيين، وإجراء مراجعة تدريجية لأوضاع المعتقلين اللبنانيين المحتجزين في إسرائيل ممن لا ينتمون إلى" حزب الله".
هذه الإجراءات لا تعد تنازلات، بل استثماراً في استقرار دولة مجاورة، وتمنح بيروت مساحة سياسية للوقوف في وجه" حزب الله"، ومواصلة التفاوض، والرد بخطوات مماثلة، كإلغاء القانون الذي يجرم كل اتصال مباشر أو غير مباشر بين اللبنانيين والإسرائيليين.
وعلى القادة الإسرائيليين مصارحة جمهورهم وإعادة ضبط التوقعات.
فالمبالغة في تصوير الانتصارات لا تولد سوى الإحباط الشعبي.
وينبغي لهم التوقف عن وصف الحكومة اللبنانية وجيشها بالعجز، والاعتراف بما أُنجز حتى الآن لتفكيك نفوذ" حزب الله"، والذي شمل، وفقاً للقيادة المركزية الأميركية، تفكيك ما يقارب 10 آلاف قذيفة صاروخية ونحو 400 صاروخ، وإعادة بسط السيطرة على مطار بيروت، وهو عقدة رئيسة في شبكة التهريب التي تمول الحزب، وإبعاد الضباط المرتبطين بـ" حزب الله" من الأدوار الحساسة، ونشر قوات على الحدود الشرقية للبلاد مع سوريا، وفتح ملفات الاستخبارات العسكرية حول عناصر" حزب الله".
وفي خطوة واعدة أخرى، فرض البنك المركزي اللبناني حظراً وإجراءات رقابية مشددة غير مسبوقة على مؤسسة" القرض الحسن"، وهي المؤسسة المصرفية الموازية لـ" حزب الله".
الحكومة اللبنانية هي شريك إسرائيل ويجب معاملتها على هذا النحووفي الوقت نفسه، يجب على إسرائيل والولايات المتحدة التحلي بالواقعية حيال ما لم تفعله الدولة اللبنانية بعد، وتحديد الفجوات في القدرة والإرادة بوضوح لمحاسبتها.
ويتعين على فريق التفاوض الأميركي تحويل قائمة المبادئ إلى خريطة طريق واضحة يوقع عليها لبنان وإسرائيل وتحدد التزامات واضحة لكلا البلدين.
ويجب أن تنص هذه الخطة على تعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية، مشروطاً باستبعاد المرتبطين بـ" حزب الله" من صفوفها، وتفكيك شبكات الرعاية والتمويل التابعة للحزب، وتفعيل إجراءات مكافحة الفساد في لبنان، وإعادة الخدمات الأساس للمناطق الشيعية.
ويجب أن تحدد خريطة الطريق المسؤوليات، وتضع أطراً زمنية واقعية، مع إشراك شركاء لتقديم حوافز مالية تجعل نزع سلاح" حزب الله"، وإعادة النازحين وإعادة إعمار مجتمعاتهم، والتنمية الاقتصادية أموراً ممكنة.
وإن الالتزام بمثل هذه الخطة سيمنح إسرائيل مزايا دبلوماسية في أوروبا، إذ يتراجع دعمها بصورة حادة، وفي الدول العربية التي تطمح إلى تطبيع العلاقات الدبلوماسية معها، ولا سيما السعودية، المرشح الرئيس لتمويل إعادة إعمار لبنان.
وينبغي لخريطة الطريق هذه أن ترسم مساراً لانسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي يرتبط باستيفاء لبنان معايير واضحة، بحيث تتولى القوات المسلحة اللبنانية، بعد إخضاع عناصرها للتدقيق الأمني والتدريب والتجهيز بموجب برنامج تقوده الولايات المتحدة، المسؤولية الأمنية في أنحاء الجنوب كافة مع إضعاف البنية العسكرية لـ" حزب الله" بصورة موثقة وقابلة للتحقق.
وخلافاً لبعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في لبنان، التي فشلت في مراقبة" حزب الله" بصورة شاملة والتي تقترب ولايتها من الانتهاء هذا الصيف، ينبغي لمراقبين أميركيين وأوروبيين تقييم التقدم اللبناني وفق معايير واضحة: كمية أسلحة" حزب الله" التي جرى تفكيكها، وعدد نقاط التفتيش التي أنشئت لمنع الحزب من إعادة ترسيخ وجوده في معاقله السابقة، وعدد القوات الأمنية التي نشرت على طول الحدود اللبنانية مع إسرائيل.
ويمكن لإسرائيل أيضاً أن تعرض اتفاق عدم تعدي أو حتى اتفاق سلام مشروطاً، يكون جاهزاً للتوقيع بمجرد تراجع وجود" حزب الله".
وفي هذا السياق، من شأن حل النزاعات الحدودية البرية بين إسرائيل ولبنان أن يحقق ثلاثة أهداف: تقويض رواية" حزب الله" بوصفه مدافعاً عن لبنان، وتمكين القادة السياسيين من إظهار تقدم من دون انتظار تسوية شاملة، وإظهار للبنان والمجتمع الدولي أن إسرائيل لا تسعى إلى حرب دائمة.
تجد إسرائيل نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما.
فإما أن تقبل بصفقة صعبة تقوم على الجمع بين الردع المحسوب والإجراءات العسكرية الموقتة من جهة، والمبادرات الواضحة لتعزيز قدرات الدولة اللبنانية ونزع الشرعية عن" حزب الله" من جهة أخرى، وإما أن تواصل الاعتماد على سياسات المنع والعقاب، التي تعطي الأولوية للعمليات العسكرية الهجومية المستمرة على حساب الدبلوماسية الصبورة، وتتحمل تبعاتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية المتزايدة.
لكن ذلك، على المديين القريب والبعيد، لن يؤدي إلا إلى الوقوع في فخ" حزب الله".
مترجم عن" فورين أفيرز" 2 يونيو (حزيران)، 2026.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك