بات الإعلام المصري في واد والشعب في واد آخر.
إذا نظرت إلى عناوين الصحافة المصرية وبرامج القنوات الفضائية فستجد أنها تركز على قضايا فرعية في ما يخص اهتمامات الناس الحياتية.
ولا يخفى على أي متابع مختص بالإعلام أو غير مختص أن الإعلام المصري يتجاهل بشكل كبير قضايا الناس المعيشية ليحل محلها موضوعات غاية في السطحية.
ومع ذلك لم يعد المواطن المصري في حاجة إلى قراءة نشرات الأخبار ليعرف أن الأسعار تلتهم ما تبقى من لحم حي في جسد الطبقة المتوسطة والفقراء، ولم يعد في حاجة إلى تقارير إحصائية ليتحقق من أن كلفة طهي وجبة غداء بسيطة باتت تدور حول أرقام فلكية، خاصة مع تسارع معدلات ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والنقل التي انعكست على أسعار السلع الضرورية.
الناس يعيشون الأزمة، في المعاناة مع كل فاتورة كهرباء، ويدفعون ثمنها من كرامتهم اليومية في تدبير شؤون من يعولون.
وفي ظل كل هذا الأنين المعيشي تجد وسائل الإعلام مصابة بالانفصام عن الواقع فباتت تغزل قصصاً حول حكايات الفنانين والفنانات، وشطارة الحكومة التي انتشلت مصر من الضياع وتحسن مؤشرات التضخم والبطالة رسمياً، وغيرها من القصص التي تؤكد أن الإعلام في واد والشعب الغلبان في وادٍ آخر.
تصدر المشهد جيل من" الموظفين" لا الصحافيين، جيل لا يعرف كيف يجري حواراً اقتصادياًفلماذا يتجاهل الإعلام المصري أزمات الناس المعيشية؟ السبب الأول هو تقلص مساحة الحرية للصحافة والقنوات التلفزيونية، بل السوشيال ميديا أيضاً، فهناك معارضون اعتقلوا لمجرد أنهم تحدثوا عن بعض السلبيات السياسية أو الاقتصادية، ومنهم خبراء اقتصاد مثل عبد الخالق فاروق مؤلف كتاب" هل مصر بلد فقير حقاً؟ ".
في هذا المناخ، أصبح الحديث عن الغلاء، أو انتقاد السياسات النقدية، أو فتح ملف الديون الخارحية، بمثابة" خط أحمر" يتجاوز السقوف المسموح بها.
الصحافي الذي كان يمتلك الشجاعة للنزول إلى الأسواق ونقل صرخات الباعة والمشترين، بات يخشى على لقمة عيشه وحريته، بعدما تحولت" مخالفة السردية الرسمية" إلى تهمة جاهزة بتكدير السلم العام وبث الإحباط.
لقد استبدلت السلطة الصحافة الحقيقية التي تناقش قضايا الناس ومشاكلهم ومطالبهم بالبيانات الصحافية الجاهزة التي تنقل وجهة نظر واحدة.
كل هذا يؤكد أن الإعلام المصري بات صناعة تهاوت أركانها.
فعلى مدار سنوات من الإقصاء، جرى تجريف المؤسسات الصحافية من الكفاءات التي تستهدف البحث عن الحقيقة وتنحاز إلى الناس.
بدلاً من هؤلاء، تصدر المشهد جيل من" الموظفين" لا الصحافيين، جيل لا يعرف كيف يجري حواراً اقتصادياً، ولا يملك أدوات التحقيق الجريء الذي يتناول كل جوانب القضية التي يطرحها، بل يكتفي بنقل ما يُملى عليه.
النتيجة هي عجز مهني فادح يجعل الإعلام عاجزاً عن معالجة الأزمات المعقدة كالتضخم والدين الهيكلي، حتى لو رغب في ذلك.
لم يعد المواطن في حاجة إلى قراءة نشرات الأخبار ليعرف أن الأسعار تلتهم ما تبقى من لحم حي في جسد الفقراء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك