أثناء منعطفات التحولات الكبرى، تستثمر الدول كل إمكاناتها وقدراتها، وتعمل على إعادة توظيفها بكل حكمة واقتدار، من أجل إيجاد أفضل البرامج والسبل التي تحقق لها كل ما تريده وتسعى إليه، وفي تاريخ المملكة الحديث ليس هناك أكبر وأعظم من تحولات رؤية 2030 التي سبقت عصرها، وقرأت المستقبل جيداً وتوقعته، ما دفعها إلى أن تحتاط لكل التوقعات، رافضة أن تترك أمراً ما دون حسابات دقيقة تضمن التعامل المثالي معه في التوّ واللحظة.
ووسط الأزمة الجيوسياسية التي تعيش منطقة الخليج فصولها حالياً، ورغم حالة الضبابية التي تصاحب الكثير من القطاعات الاقتصادية بدول المنطقة والعالم، إلا أن القطاع اللوجستي والصناعي السعودي كان استثناءً في هذا المشهد، وحقق أداء أفضل خلال الربع الأول من العام الجاري (2026) مدعوماً بارتفاع الطلب واستمرار النشاط الاقتصادي، وتجلى هذا الأمر في ارتفاع الإيجارات بالقطاع اللوجستي بنسب متفاوتة من منطقة إلى أخرى، تبدأ بـ5.
1 في المئة في الرياض وجدة، وتلامس 10 في المئة في الدمام القريبة من مركز الأزمة، فيما تجاوزت معدلات الإشغال 90 في المئة في مختلف المدن الرئيسة.
يمكن التأكيد على أن القطاع اللوجستي السعودي، الذي اهتمت به رؤية المملكة منذ العام 2016، كُتب عليه أن يدخل اختباراً حقيقياً منذ شهر مارس الماضي مع بداية الأزمة بالخليج، وقد نجح في الاختبار بامتياز، ليؤكد بُعد نظر ولاة أمر المملكة، وقدرتهم الفائقة على التخطيط للمستقبل، واتخاذ التدابير لكل الأمور المتوقعة بوضع خطط رئيسة وأخرى بديلة، مُعتمدة على العلم وحده في إيجاد غد مثالي ومشرق.
وبلغ اختبار القطاع اللوجستي ذروته، مع تصاعد التوترات الإقليمية بالمنطقة، إذ أثبتت البنية التحتية السعودية جاهزيتها التامة في التعامل السريع مع متغيرات المشهد، حيث سارعت المملكة إلى تشغيل خط أنابيب شرق – غرب بكامل طاقته لتأمين تدفقات النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، في الوقت نفسه، عززت موانئ البحر الأحمر، وعلى رأسها ينبع، دور المملكة كممر بديل لتصدير الطاقة، في وقت واجهت فيه دول أخرى بالمنطقة صعوبات وتحديات كبيرة في عمليات التصدير.
ما كان للمملكة أن تصبح اليوم مركزاً لوجستياً إقليمياً، تقصده الاستثمارات المحلية والأجنبية، بحثاً عن الأمن والأمان (أولاً)، والمكسب الاقتصادي (ثانياً)، لولا أن رؤية المملكة 2030 استبقت الأحداث الجيوسياسية، وأولت قطاع اللوجتسي اهتماماً استثنائياً، تترجمه مشروعات ضخمة تقدر بنحو 500 مليار ريال، استثمرتها المملكة في قطاع البنية التحتية، والتوسع المدروس في الخطوط البرية والسكك الحديدية وقطاع الموانىء البحرية والجافة وقطاع الطيران، يضاف إلى ذلك وجود استثمارات في أكثر من سبعة مشروعات منها مطار الملك سلمان الدولي والذي سيكون أكبر مطار لوجستي عالمياً، مع تطوير نحو خمسة عشر ميناء جافاً، قادرة على توسيع التبادل التجاري مع دول الخليج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك