روسيا اليوم - بالفيديو.. احتجاجات متصاعدة ومتواصلة في ألبانيا ضد مشروع إيفانكا ترامب القدس العربي - دولة الحريديم: قبل الصهيونية وما بعدها روسيا اليوم - وزير الداخلية الباكستاني من طهران: أنا هنا لأُبلغ رسالة خاصة إلى المرشد الأعلى التلفزيون العربي - مباريات ودية قبل كأس العالم.. انتصارات لإنكلترا وألمانيا وبلجيكا CNN بالعربية - مصدر: أمريكا تعتزم السماح باستخدام الأصول الإيرانية في إعادة الإعمار بدول الخليج روسيا اليوم - نائب وزير الخارجية الروسي: لا غنى عن الأمم المتحدة رغم موالاة أمانتها للغرب القدس العربي - ماذا لو استمرت إسرائيل في احتلال شريط حدودي في لبنان؟ القدس العربي - لبنان في قلب الصراع الأمريكي الإيراني وجيشه يدخل ساحة الوساطة الباكستانية Independent عربية - الدفاعات الجوية الروسية تعترض 339 مسيرة أوكرانية خلال 13 ساعة روسيا اليوم - سكوت ريتر: واشنطن تدرك وجود فساد في أوكرانيا لكنها لا تستوعب حجمه الحقيقي
عامة

محمد سويد لـ"العربي الجديد": كل ما صورته كان مداواةً للوحدة

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

ليس سهلاً أن نعرف ما إذا كان الإنترنت في سورية أو في لبنان هو العائق أمام إتمام المكالمة مع محمد سويد (1959)، فبعد مرات عدة من انقطاع الاتصال، اتفقنا أخيراً على أن الإنترنت في البلدين في غاية التعاسة،...

ليس سهلاً أن نعرف ما إذا كان الإنترنت في سورية أو في لبنان هو العائق أمام إتمام المكالمة مع محمد سويد (1959)، فبعد مرات عدة من انقطاع الاتصال، اتفقنا أخيراً على أن الإنترنت في البلدين في غاية التعاسة، ولا داعي للجدال حول البلد صاحب الصدارة.

تفادينا قدر الإمكان الحديث عن التعاسة والرداءة، لكن الواقع يفرض نفسه، فالسبب الأول للمقابلة هو مقاطع الفيديو التي صوّر فيها سويد الحياة في بيروت خلال الحرب الأخيرة، وأسماها" يوميات حرب"، وتفادياً للبدء بالحرب ويومياتها، قرر أن يصحبني في جولة افتراضية داخل منزله.

بسبب الإنترنت نفسه، أعدنا الجولة خمس مرات، وفي كل مرة كان المشهد يبدأ من النقطة الصفر، المطبخ المصمم على الطراز الأميركي، حيث يفضّل أن يقضي وقته، ثم غرفة الجلوس التي تكدست فيها حقائب السفر، ثم، غالباً وبمحض المصادفة، تتوقف الصورة عند ملصق فيلم" بين الأطلال" لفاتن حمامة وعماد حمدي؛ الفيلم الذي كرهته فاتن حمامة، وأحبه محمد سويد.

في المرة الأخيرة، لا أعرف كيف استطعت أن ألتقط منه جملة كاملة وهو يثبّت كاميرا هاتفه على ملصق الفيلم، ويقول: " أيتها الشمس لا تغربي قبل أن تشهدي أن حبي لها كخلودك.

بل إنك تغربين، وهي لا تغرب أبداً.

أنتِ يا توأم الروح، يا منية النفس الدائمة الخالدة.

عندما يميل قرص الشمس الدامي بين الأطلال.

اذكريني"، ثم يتعافى الإنترنت كما لو أننا انتقلنا فجأة إلى بلاد أخرى، أو ربما كما لو أنه نطق بتعويذة.

وهذه العبارة التي افتتح فيها يوسف السباعي روايته" بين الأطلال.

اذكريني" استعادها عز الدين ذو الفقار في الفيلم المأخوذ عنها.

يحب محمد سويد فاتن حمامة، لكن حبه لها ليس إلا قطرة في بحر افتتانه بسعاد حسني، يكفي أن يضع صورة لها في فيديو، وخلفها أغنية لمحمد عبد الوهاب، أو موسيقى يعزفها زياد الرحباني، مع حوار رومانسي من فيلم" الراعي والنساء" ترثي فيه سعاد حسني فراق حبيبها الذي يلعب دوره أحمد زكي، وفوق ذلك كله عبارة" يوميات حرب"، حتى يدفعك إلى التفكير والتساؤل: ما الحرب بالنسبة إلى محمد سويد؟" إنّه الغياب"، تتسلل معاني الغياب من كل المقاطع التي صورها سويد في الحرب الأخيرة، شيء ما انقضى وتلاشى، مثل نهاية قصة حب، أو زمن مضى بلا رجعة، وسويد مولع بالبحث عما غاب، هذه هي مرثية الماضي السعيد، ولو أنه يرفض أن يكون الحنين شوقاً لماضٍ هانئ، بقدر ما هو رثاء رقيق للماضي بعينه.

يحوم الحديث كثيراً حول الفقد، ثم يلتقط الكلمة التي أمضى وقتاً يعبّر عنها، الفقد.

" الفقد عندي يرتبط بالحنان.

كنت عم فتّش ع الحنان، ولأني بحاجة لحنان أنا بحاجة للسينما".

تتكرر في كلامه مفردات تقود بعضها إلى الأخرى: السينما، الحنان، الوحدة.

ومن هذه الوحدة صنع عالمه: " من أوّل ما بلشت حب السينما عملت عالمي من خلال وحدتي.

عملت على مشاريع مشتركة، لكنني نجحت أكثر في الغوص في وحدتي".

وليس مصادفة أن يحمل فيلمه الأول عنوان" غياب"، العمل الذي بدأ به تجربته السينمائية المستقلة عام 1990، ووضَع زياد الرحباني موسيقاه التصويرية.

والأمكنة حالها حال البشر، ترحل وتفنى وتموت ثم تتحول إلى ذكريات وهي خزان الذاكرة، لذا عنون كتابه" يا فؤادي.

سيرة سينمائية عن صالات بيروت الراحلة"، هناك، يلتقي الفقد بالسينما وبالحرب وبالزمن ذاته الذي مضى.

في حديثه وأفلامه تمتزج الشخصيات بالأمكنة، يقول وهو يواصل جولته بين الغرف: " هذا هو البيت الذي جاءت إليه عائلتي من الجنوب".

في ذلك البيت بدأت علاقته المبكرة بالصورة، في الستينيات، كان الجيران يجتمعون فيه أمام التلفزيون، كان الجهاز الوافد إلى المنزل نافذة جماعية على العالم.

يتذكر سويد أن والده كان متعلقاً بالسينما، يشاهد مع والدته الأفلام العربية، حتى إن موته نفسه جاء مشبعاً بصورة سينمائية: " توفي، وهو يحمل في يده فيلم دقّة قلب"، كان ذلك في مطلع الحرب الأهلية، ومع أنه شاهد عشرات الأفلام المصرية وحفظ الكثير من حواراتها عن ظهر قلب، إلا أنه لم يشاهد حتى الآن" دقة قلب".

" تحاشيت مشاهدته.

ربما سأشاهده عما قريب"، يقول.

وتختلط الموسيقى، في عالم سويد، بالزمان والمكان والشخصيات.

تأتي الأغنيات لتفتح المشهد على عاطفة أخرى.

يقول إنه تعلّم ذلك من دوغلاس سيرك، الأب الروحي لراينر فيرنر فاسبيندر، ولا سيما في فيلمه" مكتوب على الريح": " أترك المشهد صامتاً، ثم أختار له الموسيقى المناسبة".

وكثيراً ما يحضر في أفلامه ومقاطعه زياد الرحباني، ومحمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، ونور الهدى.

أما" يوميات حرب"، فترتبط عنده أيضاً بموت زياد الرحباني: " كنت أشعر بالفقد وبحاجة للتعبير عنه، ثم تداعت إلى ذاكرتي الموسيقى التي أحبها زياد وأسمعني إياها، واستطعت أن أستعيض بالفيديو عن الكتابة.

لذلك سأهدي آخر حلقتين من يوميات حرب لزياد.

زياد آخر الكلام".

منذ بداياته، أراد محمد سويد أن تكون السينما شخصية.

لذلك يعتبر" تانغو الأمل" فيلمه الفعلي الأول، بعد" غياب" وسلسلة الأفلام التلفزيونية التي أنجزها لتلفزيون لبنان تحت عنوان" نساء عاشقات".

كان الفيلم، بالنسبة إليه، بوحاً أو اعترافاً، إذ جاء بعد انتهاء علاقة حب في حياته.

يقول: " يوسف شاهين فتح أمامنا باب السينما الشخصية.

كان هو يحيى شكري في إسكندرية ليه؟ واللبيب من الإشارة يفهم: الياء يوسف، والشين شاهين".

حين قرر سويد أن يغوص في نفسه، وفي وحدته، بحث عن أجوبة لأسئلته في الأناجيل، قبل أن يتوقف عند الآية: " بل ليكن كلامكم نعم نعم، لا لا".

كأن" تانغو الأمل" كان طريقته في حسم التردد، وفي تحويل الاضطراب الشخصي إلى مادة سينمائية.

وقتها، قرر أنه إذا نجح الفيلم فسيمضي أكثر في أفلام الحب: " وقت تانغو الأمل قررت أعمل أفلام عن الحب.

كنت عاطلاً عن العمل بعد ما سكّر تلفزيون لبنان".

لكنه ما إن توقف عن ملاحقة الحرب حتى بدأت تلاحقه: " بعد ما بطّلت إلحق الحرب، صارت هي تلاحقني".

ومع أن الحرب حالة جماعية، فإنها عند محمد سويد تُستعاد من داخل التجربة الذاتية، من الارتباك الشخصي، يتذكر ما قاله في" يوم بلا غد" عن حصار تل الزعتر، حين كان في صفوف حركة فتح، وحضر اجتماعاً للتحضير لهجوم باتجاه المخيم.

انتهى الاجتماع وعاد إلى منزله.

يقول: " لو سُئلت عما دار فيه لما استطعت أن أجيب.

كنت سارحاً في خيالاتي".

بعد ساعات، بدأ رفاقه يقرعون باب بيته؛ كانوا ينتظرونه لتنفيذ الهجوم.

يضحك، ثمّ يضيف: " هل تصدقين؟ من أول ما أجيت عالحياة لهلأ.

محتار شو بدي أعمل".

حتى خيالاته، كما يقول، كانت تأتي من السينما: يتخيل نفسه في علاقة حب مع جين تيرني، ثم ينتقل بخفة إلى فاي دناوي: " لعل علاقتي مع فايزة ضناوي انتهت على نحو تراجيدي، حين هجرتني وراحت إلى أميركا وغيّرت اسمها إلى فاي داناوي! ".

وفي النهاية، يردّ سويد كثيراً من أفلامه إلى تلك الوحدة التي رافقته طويلاً: " كل ما صورته في حياتي كان في إطار مداواة الوحدة".

أمضى محمد سويد معظم عمره في الحروب.

لم يستطع أن يهجر بيروت بالكامل.

ما إن يغادرها حتى يعود إليها، كأن المدينة تعرف طريقها إليه أكثر مما يعرف هو طريقه إلى النجاة منها.

في" يوميات حرب"، وجد متنفساً كي ينظر إلى ما يقع على أطراف المشهد: لا إلى الدمار وحده، وإنما إلى ما يخلّفه الدمار في الناس والأمكنة والصور.

يقول: " بيوميات حرب لاقيت متنفس، أهل الجنوب عم ينتبهوا عالفقد، مثلاً، ينشر الكثير منهم اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لبيوتهم التي فقدوها".

ويلتفت إلى إيقاع الشارع، وإلى التفاصيل التي لا تدخل غالباً في الصور الكبرى للحرب: " نازحون يحاولون عيش يومهم، أشخاص يرفضون أن يتحولوا إلى مادة تصوير، فتاة تتجه إلى مركز نزوح بكامل أناقتها، كلب يائس وقرفان يمشي في الشارع.

وسط ذلك كله، تواصل الحياة سيرها على نحوٍ يبدو طبيعياً! ".

مع الوقت، صار محمد سويد يلجأ أكثر إلى الصورة.

لم يبتعد عن الكتابة تماماً؛ لديه مشاريع منجزة وأخرى قيد الإنجاز، لكنه يرى أن الكلمات تعجز أحياناً عن حمل المعنى، فهناك رهافة لا تصل دائماً باللغة.

ومع أنه روائي وصحافي وناقد سينمائي، فإنه يتذكر عمله في الصحافة بشيء من السخرية من الذات؛ كان، كما يقول، " صحافياً كسولاً وخجولاً"، بما لا يناسب الصورة المتوقعة للصحافي.

في" يوميات حرب"، يعود محمد سويد إلى ما صنع عالمه، يمشي في الشارع، يلتقط ما تبقى من يوم عادي، يراقب الناس وهم يواصلون حياتهم، ولو كان يستطيع أن يختار أغنية لهذه المرحلة من حياته، فستكون أغنية عن الخوف والحب: " يا حلو شو بخاف".

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك