تواصل الولايات المتحدة وإيران حالة اللاحرب واللاسلم، أو الجمود الحذر بانتظار إعلان انتصار، فمن جهة يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقديم صورة اعتيادية عن مفاوضات تتقدم وتحقق نتائج، وعلى الجميع الجلوس والإسترخاء والثقة بالقائد الأعلى، حسب منشور للبيت الأبيض، والذي جاء بعد المكالمة العاصفة التي سربت يوم الإثنين بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو عقب تهديد الأخير بضرب بيروت والاستمرار في قضم الأرض اللبنانية، أو بعبارة أخرى تطبيق مثال غزة على كل من يتحدى الدولة اليهودية.
وفي تلك المكالمة التي سربها كالعادة موقع «اكسيوس» وبخ ترامب نتنياهو غاضبا ووصفه بالمجنون وذكره أن الجميع يكرهه ويكره إسرائيل وأنه من أنقذه من السجن وغير ذلك.
وقد قيل إن مخاوف ترامب كانت نابعة من تأثير الحملة العسكرية الإسرائيلية في لبنان على فرص توقيع اتفاقية مع إيران التي ربطت أي تسوية بوقف العملية العسكرية ضد حزب الله في لبنان.
وعلى العموم يواصل ترامب تصريحاته المتناقضة التي تؤكد مرة أنه على وشك التوصل لاتفاقية مع إيران أو أنه سيضربها بقوة إن لم تستسلم له.
وآخر تصريحاته الغريبة هي أنه لا يمانع من مقابلة المرشد الأعلى الجديد لإيران، آية الله مجتبى خامنئي الذي لم ير منذ انتخابه في آذار/مارس.
ويبدو أن ترامب حول الحرب إلى تلفزيون واقع يمارس فيه لعبة على غرار برنامجه الشهير «المتدرب»، لكن مجلة «إيكونوميست» (3/6/2026) وصفت أسبوعه الأخير في المواجهة مع إيران بالرتيب في برنامج «متدرب هرمز».
وقالت إنه برنامج تلفزيون واقع ذو تقييم متدن يتناول حرب دونالد ترامب مع إيران.
وقالت إن أحداث الحلقة الأسبوعية والمليئة بالتقلبات تنتهي بنفس النتيجة المعلقة.
أي أن أمريكا وإيران تتفقان بشكل عام على ملامح الاتفاق: تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوما على الأقل وإعادة فتح مضيق هرمز وتقديم تخفيف محدود للعقوبات المفروضة على إيران، التي ستتعهد بالتراجع عن برنامجها النووي.
كل هذا مجرد اتفاق مؤقت، لأنه الطرفين سيواصلان التفاوض على اتفاق نهائي مفصل (ومن هنا جاء تمديد الستين يوما).
عندها فقط ستفي إيران بوعودها النووية وستحصل على مكاسب اقتصادية أكبر.
ومع ذلك، تعثرت المفاوضات بسبب خلافات تبدو محدودة.
فإيران تسعى إلى الإفراج عن جزء من أصولها المجمدة التي تقدر بنحو 100 مليار دولار بمجرد توقيع الاتفاق المؤقت.
وفي المقابل، يصر ترامب على وعود أوضح بأن إيران لن تسعى لامتلاك سلاح نووي، وأنها ستتخلى عن مخزونها الذي يزيد عن 400 كيلوغرام من اليورانيوم شبه القابل للاستخدام في الأسلحة.
وتبدو هذه العقبات غريبة، فمن المفترض نظريا أن تسلم إيران اليورانيوم بحلول نهاية الصيف مقابل مكاسب مالية.
فلماذا تصر إذا، على دفعة أولية متواضعة تتراوح على الأرجح بين 6 و12 مليار دولار؟ ولماذا يركز الرئيس الأمريكي بشدة على بنود تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني إذا لم تكن ملزمة على أي حال؟ وتجيب «إيكونوميست» أن الجانبين يتصرفان وكأن الاتفاق المؤقت سيصبح دائما أو على الأقل يتحول إلى وضع قائم على المدى البعيد.
وتعتقد المجلة أن الصفقة غير المكتملة ستشبه وقف إطلاق النار الذي دفع ترامب إسرائيل وحماس، إلى قبوله في تشرين الأول/أكتوبر، فقد كان المقصود من وقف الحرب في غزة أن يشكل خطوة أولى، مع إجراء المزيد من المحادثات الكفيلة بتأمين نزع سلاح حماس وانسحاب إسرائيل وإعادة إعمار غزة.
وبعد مرور ثمانية أشهر، لم يحدث أي من ذلك.
وبالمقابل فإن أي اتفاق غير مكتمل مع إيران سيظل مصدرا للمخاطر، على حد تعبير المجلة، وخاصة فيما يتعلق بالملف النووي، فقد يظل اليورانيوم العالي التخصيب موجودا في إيران، حيث من المعتقد أنه مدفون في المنشآت التي قصفتها أمريكا في شهر حزيران/يونيو.
ولا شك أن الجواسيس الأمريكيين والإسرائيليين يراقبون الإيرانيين عن كثب.
ويقترح ليندزي غراهام، السناتور الجمهوري وحليف ترامب، رسم «دائرة الموت» حول المواقع.
وقال لشبكة «إن بي سي» الشهر الماضي: «أي شخص يدخل إلى الداخل، سوف يموت».
ويحاول جمهوريون آخرون التقليل من أهمية هذه القضية: فحتى لو تمكنت إيران من استعادة اليورانيوم، فإن مواقع التخصيب لديها أصبح في حالة خراب.
ومع ذلك، فإن الأمر لن يتطلب استخدام عدد كبير من أجهزة الطرد المركزي لإنتاج ما يعادل قنبلة من اليورانيوم.
لا يوجد برنامج مراقبة مضمون.
ويتطلب مخطط غراهام من أمريكا إبقاء قواتها في المنطقة في حالة استعداد دائم.
وإذا لم تتمكن إيران من استعادة هذه المادة، فلا يزال بوسعها المضي قدما في جوانب أخرى من برنامج الأسلحة النووية.
وعليه فترك المخزون في مكانه سيكون بمثابة إحراج لترامب، الذي أصر منذ فترة طويلة على أن الحرب ستنتهي بتسليم إيران «غبارها النووي» لأمريكا.
وبالنسبة لإيران، فما يهمهما هو الاقتصاد، حيث تسببت الحرب في أضرار بمليارات الدولارات وأخرجت مليون شخص من وظائفهم.
وبلغ معدل التضخم على أساس سنوي 77 في المئة في أيار/مايو، و114 في المئة للسلع؛ ويصفها أحد مراكز الأبحاث في طهران بأنها أعلى الأرقام منذ الحرب العالمية الثانية.
سيتم استنفاد أي دفعة مقدمة بسرعة.
وسيكون الأمر أكثر أهمية إذا حصلت إيران على إعفاء لتصدير النفط، وهو ما اقترحه الأمريكيون لتجنب الصورة غير المريحة المتمثلة في قيام ترامب بإرسال الأموال إلى النظام.
ويصر حلفاؤه على أن هذا التنازل يمكن التراجع عنه إذا تراجعت إيران عن الاتفاق المؤقت أو فشلت في التوصل إلى اتفاق دائم.
ومع ذلك، يمكن لإيران أن تتخذ موقفا مماثلا بشأن هرمز.
وإذا أصبح الوضع المؤقت دائما، فقد تجد أمريكا نفسها تحت ضغط شديد لإعادة فرض العقوبات دون إغلاق المضيق أيضا.
وما تطرحه إدارة ترامب أو قد توافق عليه إيران لن يكون مستداما، فالمخاطر قائمة، في ظل تردد المستثمرين ومخاوف دول الخليج التي تأثرت سمعتها بالحرب، وفقدانها السياحة وتراكم السفن في مضيق هرمز أو حوله.
وربما قرر ترامب أن يعطي منتجي برنامجه الرتيب «متدرب هرمز» إجازة صيفية، وقد يوجه الفريق للعمل على برنامج متمم تدور أحداثه في هافانا، لكن من الممكن أن يعود برنامجه إلى البث في وقت لاحق من هذا العام.
ما يعني أن أي حل بين الطرفين لن يستمر، وهذا لأن ترامب لم يعد يملك قرار إنهاء الحرب، التي بدأها بشكل مشترك مع إسرائيل، فهذه تراقب وستكون غير راضية عن أي اتفاق يترك إيران في حالة قوة، من ناحية السيطرة على ممر مائي حيوي ومنصات صواريخ وقدرات على ترويع جيرانها في الخليج والوصول إليها بصواريخها، وخاصة أن جيشها يتكبد خسائر يومية في لبنان بسبب صواريخ حزب الله، ورغم التقدم الذي حققه واجتيازه نهر الليطاني، إلا أنه غير قادر على تحقيق أهداف الحرب التي يريدها نتنياهو الحالم بنصر كامل، في غزة ولبنان وإيران.
وكما رأت مجلة «ذي أتلانتك «(4/6/2026) فإن شعور ترامب بأنه غير قادر على تحقيق اتفاق نووي مع إيران، يدفعه للقبول بتأجيل المشاكل التي تواجهه بدلا من مواجهتها.
وربما أدى هذا لنهاية العنف، إلا أن أي سلام سيكون مؤقتا وغير مستقر.
ومن المرجح أن تعود الحرب بين فترة وأخرى في السنوات القليلة المقبلة، مع عواقب وخيمة على جميع الأطراف المعنية.
فترامب على ما يبدو غير مستعد لحرب شاملة في الوقت الحالي، وقد ربط العودة حسبما قال لمساعديه سرا بشرط واحد وهو قتل الغارات الإيرانية لجنود أمريكيين، وذلك حسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» (3/6/2026).
ويبدو أن ترامب توصل إلى نتيجة أن أي تغيير في إيران لن يتحقق إلا من خلال عملية عسكرية برية، وهو ليس مستعدا لها، نظرا لما تحمله من مخاطر على الجنود الأمريكيين، ولقلة ما ستقدمه من آثار.
وبالضرورة فقد تغير النظام في إيران ولكن ليس كما يريد ترامب أو نتنياهو، بل صعد إلى الحكم جيل خرج من بوتقة الحرب العراقية-الإيرانية، وتربى في مؤسسات الدولة، ولا تحركه النزاعات الأيديولوجية للجيل المؤسس، آية الله خامنئي وآية الله علي خامنئي، حيث تربيا في ظل المعارضة لنظام الشاه وحلما بتصدير الثورة، أما الجيل الجديد كما فصلت نرجس باجوغلي وولي ناصر من جامعة جونز هوبكنز بمقال بمجلة «فورين أفيرز»(3/6/2026) فقد نشأ في ظل البيروقراطية للجمهورية الإسلامية، وبالتالي بات الحفاظ عليها ومصالحها أمرا مهما لهذا الجيل.
وأشارا إلى إن الإنجاز الذي حققه هذا الجيل كان في إدارة حرب مع عدوين قويين ومنعهم لانهيار الدولة بل وتحقيق انجازات استراتيجية، ليس أقلها السيطرة على مضيق هرمز.
وبالنسبة لإيران لم يعد احتواء أمريكا لإيرن قائما، بل أصبح لديها أداة ردع متمثلة بهرمز.
ومع ذلك فهناك محاذير على الطرفين، لأن معوقات الحل الدائم تظل قائمة، وبعيدا عن رضا إسرائيل من عدمه وشعور ترامب بأنه قادر على تدجين نتنياهو، فأمريكا وإيران تعانيان من مشاكل بنيوية للتوصل إلى حل شامل.
وكما أشارت سنام وكيل في صحيفة «الغارديان» (4/6/2026) فإن أهم معوق هو انعدام الثقة بين الطرفين، فطهران لا تثق بقدرة ترامب على إبرام صفقة.
وهناك غياب التواصل المباشر بين الطرفين، فباستثناء اللقاء الوحيد في إسلام أباد بين نائب الرئيس جيه دي فانس ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ظلت الاتصالات عبر وسطاء إقليميين وتبادل مقترحات.
وهناك فجوة بنيوية كبيرة بين ما يريد كل طرف الحصول عليه، فإيران تريد الحصول على التزامات طويلة ورفع العقوبات، أما ترامب فيريد تحقيق نصر إعلامي سريع.
ولعل العقبة الأهم أمام تحقيق سلام دائم، نابعة من الضغوط الداخلية على ترامب والقيادة الإيرانية.
ويواجه ترامب صقور إيران الذين يطالبونه بمواصلة الحرب عسكريا، أما في إيران فإن أي تسوية بدون منافع ستعتبر استسلاما.
وبدون حلول وسط وتحويل وقف إطلاق النار إلى عملية سياسية فالتوتر سيظل قائما واحتمالات لاندلاع الحرب من جديد.
وبعيدا عن شعور كل طرف بأن الوقت يعمل لصالحه، لا يوجد لأي منهما خيار سوى تقديم تنازلات مؤلمة وتجاهل المعارضين المتشددين.
والمشكلة هي أن أصوات المتشددين من أمثال غراهام ومدير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية مارك دوبويفتر الذي قال إن على ترامب استغلال وقف إطلاق النار لإنعاش الاقتصاد الأمريكي ثم التفكير في الخريف لاستئناف العمليات العسكرية الكبرى، ولكن ليس قبل انتخابات التجديد النصفي، حتى لا تترك الحرب تداعيات على الانتخابات التي من المتوقع أن يتكبد بها الحزب الجمهوري خسائر كبيرة.
فقد أصبح موضوع نتنياهو وإسرائيل ساما حتى للقاعدة المؤيدة لترامب، وهناك جدال بسبب الدعم الأمريكي المتواصل لإسرائيل.
وفي تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» (3/6/2026) قالت فيه إن عضوين جمهوريين في الكونغرس زارا إسرائيل واجتمعا مع نتنياهو وعرضا عليه مجموعة من الأوراق التي تدعو إلى توقف الولايات المتحدة عن تقديم الدعم لإسرائيل مجانا.
وقالت الصحيفة إن نتنياهو رحب بالخطوة وأكد أن هذا ما تريده إسرائيل التي تريد الاعتماد على نفسها.
وبعد أسبوع قدم مارتن ستوتزمان، النائب عن إنديانا والحليف الثابت لإسرائيل مشروع قرار يدعو الولايات المتحدة إلى صياغة مذكرة تفاهم جديدة بين البلدين، تنهي المساعدات الأمريكية السنوية التي تتلقاها إسرائيل من الولايات المتحدة والبالغة 3.
8 مليار دولار، وتلزم إسرائيل بتمويل مشترياتها من الأسلحة الأمريكية بنفسها.
وبينما لا تزال تفاصيل أي ترتيب كهذا قيد المناقشة من قبل مسؤولي الأمن القومي في إدارة ترامب، فمن المرجح أن تستفيد إسرائيل من الدعم الأمريكي عبر وسائل أخرى، كبند ينظر فيه حاليا في قانون تفويض الدفاع الوطني، والذي من شأنه تعميق التعاون بين الجيشين فيما يتعلق بإنتاج الأسلحة وأنظمة التكنولوجيا.
ورغم أن مسعى ستوتزمان غير ملزم، إلا أنه يعد الأول من نوعه في الكونغرس، وهو أمر لافت للنظر كونه صادر عن مشرّع جمهوري تربطه علاقات وثيقة بنتنياهو وإسرائيل.
ويمثل هذا المسعى تحديا متزايدا، حتى داخل الحزب الجمهوري المؤيد لإسرائيل في غالبيته، للرأي السائد منذ زمن طويل بضرورة تقديم الولايات المتحدة مساعدات مباشرة لإسرائيل، وهو رأي يواجه تدقيقا متزايدا من الرأي العام الأمريكي.
وقد أصبحت إسرائيل موضوعا أكثر حساسية وتقلبا في السياسة الأمريكية من أي وقت مضى منذ تأسيسها عام 1948، ويعود ذلك في معظمه إلى حرب غزة التي أودت بحياة أكثر من 75.
000 فلسطيني.
ويضغط الديمقراطيون والليبراليون بشكل متزايد لفرض شروط على المساعدات العسكرية لإسرائيل أو قطعها تماما، كما أبدى بعض الجمهوريين تخوفهم من تقديم مساعدات عسكرية غير مشروطة.
كما ويعكس المشروع المقدم يوم الأربعاء وإن جزئيا، قلقا لدى أقوى داعمي إسرائيل في الولايات المتحدة من تراجع الدعم المقدم لها، وضرورة إيجاد طريقة لدحض الادعاء بأن دافعي الضرائب الأمريكيين يمولون حروب إسرائيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك