في منتصف الستينات، ونحن في ريعان الطفولة بالمرحلة الابتدائية، لم تكن “بلادُ العُربِ أوطاني” مجرد قصيدة نحفظها لنيل الدرجات، بل كانت عقيدة وجدانية نترنم بها بحماسة تزلزل جدران الفصول.
كنا ننشد مع الشاعر فخري البارودي: بلادُ العُربِ أوطاني منَ الشّـامِ لبغدانِ.
ومن نجدٍ إلى يَمَـنٍ إلى مِصـرَ فتطوانِ.
كانت خريطة الوطن العربي الكبير تزين الغلاف الخلفي لكراسات الرسم الخاصة بنا، وكأنها بوصلة ترسم لنا حدود الهوية قبل حدود الجغرافيا.
في تلك الآونة، كان المدرسون العرب القادمون من بلاد الشام ومصر يغرسون في نفوسنا بذور القومية العربية، ويشحنوننا بالإيمان بأننا أمة واحدة لا تقهر، ويربطون هذا المصير برباط وثيق بقضية فلسطين.
أذكر كيف كنا نضغط على أهالينا لنقدم أكثر من “ريال فلسطين” عند جمع التبرعات، مدفوعين بوعي طفولي صادق يرى في ذلك واجبا مقدسا.
دموع الأستاذ فؤاد وصدمة الواقعفي الثامن والعشرين من سبتمبر العام 1970، وقع حدثٌ حفر في ذاكرتي طويلا.
دخل علينا الأستاذ فؤاد، مدرسنا المصري، ونحن في الصف الرابع الابتدائي بالمدرسة المحمدية بالخبر الجنوبية (الصبيخة)، وكان في حالة بكاء مرير لم أعهد له مثيلا.
في تلك السن، لم أكن أدرك أن الرجال يبكون بهذه الحرقة؛ فغلبني الضحك من غرابة الموقف، فما كان منه إلا أن طردني من الصف.
علمتُ لاحقا أن تلك الدموع كانت رثاء لجمال عبدالناصر، “عراب القومية العربية”، وكان ذلك اليوم بمنزلة أول خدش في جدار الحلم القومي الذي تربينا عليه.
مشروع الرحلة.
من أقصى الشرق إلى أقصى الغربمرت السنين، وبقي الحلم يراود الخيال.
ففي منتصف الثمانينات، اتفقت مع عمي فريد - رحمه الله - وكان يقاربني في العمر، على تجسيد تلك القصيدة واقعا.
قررنا القيام برحلة برية بسيارته تنطلق من مرباط في شرق الجزيرة العربية وصولا إلى الرباط في المغرب العربي.
انكببتُ على وضع خطة الرحلة بكل تفاصيلها:- دفتر “التربتك”: درست كل ما يتعلق بجواز سفر السيارة الدولي لتسهيل العبور دون عوائق جمركية.
- المسافات: رصدت الطريق الذي يمتد نحو 8500 كيلومتر، مستعينا بخريطة الطرق الكبرى وجدول المسافات بين المدن الرئيسة الذي أصدره الاتحاد العربي للنقل البري في عمّان آنذاك.
- العقبة الكبرى: حين وصلت في دراستي إلى منطقة العبور بين دولتين عربيتين، اصطدمت بجدار الصمت.
راسلت الاتحاد العربي للنقل البري مستفسرا عن كيفية العبور بين البلدين، وبعثت تذكيرات عدة، لكنني لم أتلقَ ردا واحدا.
واليوم، والاتحاد يستعد للاحتفال بيوبيله الذهبي (7 يونيو 2026) مرور خمسين عاما على تأسيسه في العام 1976، أسترجع تلك الرسائل المنسية في أدراجه، لأدرك أن معضلتنا ليست في شق الطرق التي رصدها الاتحاد في خرائطه، بل في فتح الحدود وتجاوز البيروقراطية وسياستها.
توقف مشروع الرحلة لسببين؛ الأول كان أمر الله سبحانه وتعالى بوفاة عمي فريد، رحمه الله، والثاني هو ذلك الجمود البيروقراطي والسياسي الذي كشف لي أن “الحدود التي لا تباعدنا” في القصيدة، هي في الحقيقة جدران أسمنتية.
بين صنعاء وتطوان.
تأملات مسافرأيقنتُ حينها أن مقولة “بلاد العرب أوطاني” قد لا تعدو كونها حبرا على ورق، أو شعارات تصلح للخطابات الجماهيرية الرنانة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
ومع ذلك، ظل طيف القصيدة يلاحقني في ترحالي؛ فحين زرت صنعاء بالعام 1984، استرجعت أبيات البارودي وأنا أتأمل عراقة اليمن، ولما زرت تطوان في العام 2025، وجدت نفسي أردد الأبيات ذاتها، وكأني أبحث عن ذلك الرابط المفقود بين المدينتين.
الخليج.
نموذج الوحدة الحقيقياليوم، وأنا أنظر إلى واقعنا، أجد أن النموذج الأسمى والواقعي لما كنا نحلم به يتجسد في مجلس التعاون الخليجي.
إن سهولة السفر والتنقل برا بين دولنا الخليجية، بيسر ودون عوائق، هي نعمة عظيمة تستحق الحمد والثناء من رب العالمين.
هنا فقط، شعرنا أن الأرض واحدة، وأن الانتماء يتجاوز الشعارات ليصل إلى مصلحة المواطن وكرامته في التنقل والعيش.
لقد كان حلما جميلا أن نصل من مرباط إلى الرباط برا، لكن الواقع علمنا أن الوحدة لا تبنى بالقصائد وحدها، بل بالنيات الصادقة والجسور المفتوحة والمصالح المشتركة التي نراها اليوم واقعا ملموسا في بيتنا الخليجي الكبير.
*مدير أول سابق بغرفة تجارة وصناعة البحرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك