كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلًا عندما كنا نجلس أنا وذعار في فناء" الاستراحة" على أطراف المدينة، الهواء حار على غير عادة الليل، و" بيالة" الشاهي أمام كل واحد منا يرسل بخارًا خفيفًا يتلاشى قبل أن يرتفع.
كان ذعار منشغلًا بتقليب مسبحته، بينما كنت أتصفح هاتفي وأقرأ عشرات التغريدات والمنشورات التي كُتبت عن شخصية عامة رحلت.
" يا ذعار.
لاحظت شيء يتكرر كل مرة.
"" كل ما رحل شخص مؤثر، فجأة يصير الجميع يعرف فضله الصحف تمتلئ بالمقالات، والناس تستعيد الصور والذكريات، وتبدأ الشهادات تتدفق من كل اتجاه كأن المجتمع لا يكتشف قيمة الناس إلا بعد غيابهم.
"ابتسم ذعار وهو يرفع فنجال الشاي.
" ليس عيبًا بقدر ما هو سؤال لماذا يتأخر الاعتراف؟ "" لأن الناس ما تشوف الصورة كاملة إلا بعد ما تنتهي.
"" هذا التبرير نردده دائمًا لكن الإنجاز ما يولد يوم الوفاة الإنجاز يولد في سنوات التعب والعمل والقرارات الصعبة.
"" لكن الإنسان وهو حي يختلف الناس حوله هذا يمدحه وذاك ينتقده أما إذا رحل، هدأ الجدل وبقي أثره.
"" خذ أي شخصية كبيرة مرت علينا أثناء حياتها كان حولها مؤيدون ومعارضون وبعد سنوات يتحول النقاش كله إلى سؤال واحد: ماذا بقي من أثرها؟ "أعدت النظر إلى فنجال الشاي.
" وهنا المشكلة يا ذعار نحن لا نوثق التجربة إلا بعد أن تنتهي.
"" أنتم يا أهل الإعلام تحبون التوثيق أكثر من اللازم.
"" لأن الأمم تُبنى بالذاكرة.
"" تأمل أسماء كثيرة أصبحت اليوم جزءًا من الذاكرة الوطنية عندما نتحدث عن غازي القصيبي مثلًا، نتذكر الأديب والإداري والمفكر نستعيد كتبه ومواقفه وأفكاره لكن من عاش مراحل مختلفة من حياته يعرف أنه لم يكن محل إجماع دائم.
"" تعرض للنقد كما تعرض للإشادة اختلف الناس معه كما اتفقوا عليه لكن الزمن أعاد ترتيب الصورة.
"" لأننا لم نوثق التجربة كما يجب وهي تحدث تركنا السنوات تمر، ثم بدأنا نقرأ الحصيلة بعد النهاية.
"" الأمر نفسه مع نجيب محفوظ اليوم نتعامل معه بوصفه أحد أعمدة الأدب العربي لكن أثناء حياته كانت حوله معارك فكرية ونقاشات لا تنتهي.
"" صحيح لكن الضجيج اختفى وبقي الأثر السؤال: لماذا ننتظر اختفاء الضجيج حتى نرى الأثر؟ "وضع ذعار مسبحته على الطاولة.
" لأن الناس مشغولة بالتفاصيل.
"" إذن نحن بحاجة إلى ثقافة مختلفة.
"" أن نتعلم قراءة التجارب أثناء تشكلها، لا بعد انتهائها.
"" يعني نحتفل بالناس وهم أحياء؟ "" لا أتكلم عن الاحتفال أتكلم عن التوثيق والإنصاف.
"" هناك فرق كبير بين التقدير والتقديس وبين النقد والإنكار.
"" خذ تجربة الدكتور توفيق الربيعة مثلًا بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع أي قرار، نحن أمام تجربة إدارية امتدت بين التجارة والصحة والحج والعمرة.
"" وهذا طبيعي لكن الاختلاف لا يلغي قيمة التجربة.
"" القرارات والمشروعات والتحولات التي شهدتها تلك القطاعات تستحق أن تُقرأ وتُحلل وهي تحدث، لا بعد عشرين سنة.
"" وليس هذا المثال الوحيد.
"ثم أشرت بيدي وكأنني أعد الأمثلة.
" انظر إلى ما حدث في قطاع الترفيه خلال السنوات الأخيرة.
"" تقصد تجربة معالي المستشار تركي آل الشيخ.
"" وهذا طبيعي أيضًا لكن لا يمكن إنكار حجم التحول الذي حدث على أرض الواقع.
"هز رأسه موافقًا هذه المرة.
" المشكلة أننا أحيانًا نعتقد أن الاعتراف بالإنجاز يعني غياب النقد.
"" كما أن الاختلاف مع بعض القرارات لا يعني إنكار التجربة كاملة.
"بدأت ملامح الاقتناع تظهر على وجه ذعار.
أخذ رشفة أخيرة من الشاي وقال:" يعني أنت ترى أن المجتمع يتأخر أحيانًا في إنصاف الناس؟ "كانت تلك من اللحظات النادرة التي يعترف فيها ذعار بشيء من التراجع.
كانت أصوات السيارات البعيدة تتلاشى في الشارع، والليل يزداد هدوءًا.
" تعرف وش المشكلة الحقيقية؟ "" أننا نخلط بين تقييم التجربة وتقييم صاحبها.
"" وأخيرًا وصلنا لنفس النقطة.
"رفعت فنجال الشاي الأخير، ونظرت إلى الشارع الخالي أمامنا.
" أجمل ما يمكن أن نقدمه لمن يصنعون الفرق، أن يشعروا بأن أثرهم مرئي وهم ما زالوا هنا.
"" صحيح.
لأن بعض الكلمات إذا تأخرت كثيرًا، تتحول من تقدير إلى رثاء.
"وفي تلك اللحظة، شعرت أننا لم نكن نتحدث عن أشخاص بعينهم، بل عن ثقافة كاملة تحتاج أن تتعلم كيف ترى أثر الرجال قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك