في ظل تزايد حالة القلق لدى المواطنين في مختلف المحافظات نتيجة الانتشار الواسع للكلاب الضالة داخل المناطق السكنية والقرى والمدن الجديدة والمناطق المحيطة بالمدارس والمستشفيات والطرق العامة، ومع تكرار الشكاوى المتعلقة بالهجمات والإصابات وحوادث المطاردة، يبرز تساؤل بالغ الأهمية حول مدى تطور خطة الدولة للتعامل مع هذه الظاهرة، ليس فقط من زاوية مرض السعار، وإنما من زاوية أكثر اتساعًا ترتبط بالصحة العامة والأمن الصحي والوقاية من الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان.
فبحسب تقديرات رسمية متداولة خلال عامي 2025 و2026، يتراوح عدد الكلاب الضالة في مصر ما بين 10 إلى 11 مليون كلب وفق تقديرات وزارة الزراعة والجهات البيطرية المختصة، بينما أشارت تقديرات أخرى صادرة عن بعض المسؤولين والخبراء إلى أرقام أعلى من ذلك بكثير.
كما كشفت تقارير صحية حديثة نقلاً عن قطاع الطب الوقائي بوزارة الصحة والسكان عن تسجيل أكثر من 1.
2 مليون حالة عقر أو خدش من الحيوانات خلال الفترة من يناير وحتى سبتمبر 2025 فقط، وهو رقم يثير تساؤلات حقيقية حول حجم التحدي القائم وتأثيراته الصحية والاجتماعية والاقتصادية.
ورغم الجهود الحكومية المعلنة خلال العامين الأخيرين، والتي تضمنت حملات للتطعيم والتعقيم وإنشاء ملاجئ (Shelters) للكلاب الضالة، حيث أعلنت الجهات المختصة عن تطعيم عشرات الآلاف من الكلاب الضالة وتعقيم آلاف الحالات خلال عامي 2025 و2026، إلى جانب تخصيص أراضٍ لإقامة ملاجئ جديدة بالمحافظات، إلا أن الواقع الميداني في عدد كبير من المناطق لا يزال يعكس استمرار انتشار الظاهرة بصورة لافتة.
وإذا كان الحديث العام يرتبط غالبًا بخطر مرض السعار، فإن القضية تبدو أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير، خاصة مع التحذيرات العالمية المتزايدة بشأن الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان والتي تمثل أحد أخطر مصادر الأوبئة والفيروسات الناشئة عالميًا.
ففي عالم شهد خلال السنوات الأخيرة أزمات صحية كبرى وأوبئة عابرة للحدود مثل كورونا وحاليًا فيروس هانتا، يصبح من الضروري التساؤل حول مدى جاهزية الدولة لرصد ومتابعة أي مخاطر صحية محتملة قد ترتبط بالتجمعات الكبيرة للحيوانات الضالة، خاصة في ظل وجود ملايين الحيوانات المنتشرة داخل الكتل السكنية بصورة مباشرة.
كما أن استمرار تزايد أعداد الكلاب الضالة يثير تساؤلات أخرى تتعلق بفعالية برامج التعقيم الحالية، ومدى كفاية أعداد الفرق البيطرية المشاركة، وحجم التمويل المخصص لهذا الملف، والخطة الزمنية المستهدفة لخفض معدلات التكاثر والانتشار بصورة مستدامة.
ويكتسب الملف أهمية إضافية في ظل ما يرتبط به من أبعاد بيئية وصحية وأمنية واجتماعية، خصوصًا مع شكاوى المواطنين المتكررة بشأن تمركز تجمعات كبيرة من الكلاب الضالة بالقرب من المدارس ودور العبادة والمستشفيات والمناطق السكنية، بما يخلق حالة من القلق الدائم لدى الأسر والأطفال وكبار السن.
كما نود أن نؤكد على أن القضية لم تعد مجرد ملف يتعلق بالعقر أو السعار فقط، بل أصبحت قضية ترتبط بصورة مباشرة بالصحة العامة والأمن الصحي وجودة الحياة داخل المدن والقرى المصرية، الأمر الذي يستوجب إعلان رؤية حكومية واضحة ومتكاملة للرأي العام تتضمن الأرقام الفعلية، ومعدلات التنفيذ، والنتائج المحققة، وخطة الدولة المستقبلية للتعامل مع هذا الملف الحيوي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك