ومازالت أفكار شهيد الكلمة والفكر المستنير تجد طريقها في معركة الوعي، يواجهون بها عمى التعصب والتطرف والإرهاب باسم الدين.
بدأت القصة مع صعود التيارات الدينية في الثمانينيات والتسعينيات من الألفية الثانية، عندما برز اسم المفكر والكاتب المصري فرج فودة في مواجهة طيور الظلام، فكان أكثر الأصوات جرأة في نقد مشروعهم الوهمي الذي أطلقوا عليه كذبًا «الدولة الدينية»، وكان مستبصرًا في تحذير المجتمع المصري من مخاطر هذا المشروع على المجتمع والدولة.
ويتفرد الراحل فرج فودة بأنه لم يكن فقط مجرد كاتب تنويري يجتهد لإعلاء صوت الحقيقة، وإنما كان مفكرًا يمتلك من الشجاعة والرصانة الفكرية ما يواجه به المتشددين باسم الدين ويقاوم أفكارهم المخادعة، غير مكترث بما ساد تلك الحقبة من خوف وصمت خشية هؤلاء المتطرفين.
فودة أشد المدافعين عن الإسلاموعلى الرغم من محاولات الجماعة الإرهابية وأتباعها المتشددين لإسكات فرج فودة بتشويه سمعته، وتصويره للعامة بأنه عدو للدين، إلا أن الحقيقة الواضحة اليوم أنه كان أحد أشد المدافعين عن الدين الإسلامي في وجه من حوّلوه إلى أداة للقتل والإقصاء والإرهاب.
دين أخلاق ورحمة أم مشروع سلطة وغلبة؟ !وببصيرة المفكر المستنير والواعي، أدرك فرج فودة مبكرًا أن الخطر الحقيقي على الإسلام ليس النقد، بل الاستغلال السياسي الذي يختزل الدين في شعارات انتخابية ويحوّله إلى مبرر لسفك الدماء، مؤكدًا في مقالاته وكتاباته أن الإسلام أوسع وأرحب من أن تحتكره جماعة أو حزب، وأنه دين أخلاق وعدل ورحمة، لا مشروع سلطة أو غلبة.
وفي رده على دعاة العنف والتطرف، شدد فرج فودة دائمًا على أن الدولة المدنية هي التي تحمي الدين من التشويه، وتمنع استخدامه كسلاح في صراعات السياسة.
كشف أفكارهم الملتوية فقتلوهوحتى عندما استخدمت الجماعات الإرهاب الفكري ضده، واتهموه بالكفر والردة، لم يتراجع فرج فودة عن مواقفه في مقاومة أفكارهم الملتوية، بل ازداد إصرارًا على فضح زيفهم، وحذر من أن" أخطر ما يواجه الإسلام أن يتحدث باسمه من لا يفهمونه إلا كطريق إلى الحكم"، فدفع حياته ثمنًا لهذا الموقف.
وبعد اغتياله، أثبت فرج فودة أن التطرف يقتل الجسد، لكنه لا يهزم الفكرة القوية الواضحة الصادقة، وأن الدفاع الحقيقي عن الدين لا يكون بالشعارات، بل بتحريره من براثن الإرهاب، وهو ما أثبتته الأيام في المواجهة الأخيرة بين المصريين وجماعة الإخوان الإرهابية بعد عام واحد من حكمهم الظلامي.
ورغم ادعاءات خصوم فرج فودة من المتطرفين لتكفيره، إلا أنه اتخذ من التحليل والنقد وطول المناظرة والتنوير وإيضاح الحقيقة منهجًا واضحًا؛ محذرًا من أن السلفية بمفهومها المتشدد، تسعى لإرجاع المجتمع إلى الوراء، وأنها عاجزة عن تقديم حلول واقعية لمشاكل الحاضر.
حكم باسم الدين.
طريق الاستبدادوكان الراحل يرى أن الدولة المدنية ليست ضد الدين، بل ضد استغلال الدين في السياسة، وأن فكرة «الحكم باسم الشريعة» أو ما أسموه" الدولة الدينية" لا تكون إلا تجسيدًا للاستبداد، لأنها تحتكر الحقيقة المطلقة وتضع نفسها فوق النقد والمحاسبة، وتفتح الباب أمام صراعات لا تنتهي بين الجماعات الإسلامية ذاتها، فكل منها تدّعي تمثيل" الإسلام الصحيح"، وهو ما كانت الأيام كفيلة باثباته في الألفية الثالثة مع ما شهدته المنطقة من ظهور جماعات إرهابية وصعود بعضها وخفوتهم.
وعلى سبيل المثال، يتحدث فرج فودة دون مواربة في كتابه «الحقيقة الغائبة»، موضحًا أن تجربة الخلافة الإسلامية في التاريخ، لم تكن نموذجًا مثاليًا كما يُصوَّر البعض، بل شهدت صراعات دموية وانقسامات سياسية، ومحذرًا من أن استدعاء تلك النماذج اليوم، ضرب من الوهم.
الأيام وحدها أثبتت أن شهيد الكلمة فرج فودة الذي بدأ الصحوة، قد أراد للفكر أن يتحرر، وللعقل أن يعمل بنعمة الله عليه، وأن يتخذ العلم مكانته الصحيحة في المقدمة، لا أن نظل منغمسين في تراثٍ لا نعلم حقيقته صحيحًا أم خاطئًا، كان يدفع الجميع إلى الخروج من دائرة التاريخ الضيقة، إلى عالم العلم المتسع، فاغتالته قوى الظلام والإرهاب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك