فبيروت التي تنتظر تنفيذ قرار نزع السلاح غير الشرعي لا زالت تعيش صدمة حادثة عائشة بكار، فإطلاق النار وما رافقه من استنفار أمني، ثم إعلان الجيش اللبناني مصادرة كمية من الأسلحة من دون ذكر مصدرها بعد مداهمة المنطقة والمبنى حيث وقع الإشكال وأصيب ضحيته شخص بحالة حرجة، أعاد إلى الواجهة ملف السلاح المنتشر خارج إطار الدولة، وأثار حالة من القلق والخوف بين السكان الذين اعتقدوا أن بيروت طوت صفحة المظاهر المسلحة.
ويقع المبنى الذي دارت حوله التساؤلات في قلب منطقة عائشة بكار، إحدى المناطق البيروتية المكتظة بالسكان، وعلى بعد خطوات من مؤسسات دينية واجتماعية بارزة، من بينها دار الفتوى وصندوق الزكاة التابع لها، ومرافق خدماتية أخرى.
ويعرف المبنى بأنه من أبرز المراكز التابعة للجماعة الإسلامية في العاصمة، ويضم مكاتب إدارية وقاعات اجتماعات وأنشطة كشفية وثقافية وصحية واجتماعية، ويستخدم كمقر رئيسي للجماعة في بيروت.
وبحسب المعطيات المتداولة، بدأ الإشكال على خلفية فردية قبل أن يتطور إلى إطلاق نار أدى إلى وقوع إصابات، مما استدعى تدخل الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية.
إلا أن الصدمة الأكبر لدى سكان المنطقة لم تكن مرتبطة بالإشكال نفسه بقدر ما كانت مرتبطة بالأسلحة التي أعلن الجيش ضبطها ونشر صورها، وأظهرت أنها أسلحة متنوعة وذخائر وقذائف تستخدم بحروب العصابات، بينما تخزن في منطقة مأهولة بالعائلات والأطفال والنساء.
أين خطة" بيروت منزوعة السلاح"؟في موازاة الجدل الذي أثارته الحادثة، كشف مصدر أمني خاص لموقع" سكاي نيوز عربية" أن الإشكال لم يكن حادثا معزولا، بل جاء نتيجة توترات متجددة ومكتومة منذ فترة بين مجموعات محلية مقربة من مختار محلة المرفأ طارق عيسى من جهة، وعناصر من الجماعة الإسلامية التي تتخذ من المنطقة مركزا أساسيا لها من جهة أخرى، مشيرا إلى أن الطرفين كانا يسعيان إلى فرض نفوذهما في المنطقة.
وأوضح المصدر أن التحقيقات الجارية بإشراف مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم شارفت على نهايتها، وأن 7 موقوفين يخضعون لاستجوابات مكثفة من قبل مديرية الاستخبارات، من بينهم 6 منتمون إلى الجماعة الإسلامية وشخص واحد من المجموعة المقربة من عيسى، بينما لا يزال أحد المصابين، المعروف باسم" أبو حلب" وهو صهر المختار، يتلقى العلاج في المستشفى بعد إصابته خلال الإشكال.
وأضاف أن التحقيق يتركز على مسارين أساسيين، الأول يتعلق بملف الأسلحة التي ضبطها الجيش خلال المداهمات وتضم وفق المعلومات قذائف" آر بي جي" وقنابل يدوية وبنادق قنص وذخائر متنوعة، حيث تسعى الأجهزة القضائية والأمنية إلى تحديد مصدر هذه الأسلحة وأسباب وجودها داخل منطقة سكنية مكتظة بالسكان، خصوصا في ظل القرارات الرسمية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة داخل العاصمة.
أما المسار الثاني، فيتعلق بتحديد المسؤوليات المباشرة عن إطلاق النار والإصابات التي نتجت عن الإشكال، تمهيدا لاتخاذ الإجراءات القضائية المناسبة بحق المتورطين.
وختم المصدر بالإشارة إلى أن الملف سيحال بعد انتهاء التحقيقات إلى النيابة العامة العسكرية، تمهيدا للادعاء على المتورطين بجرائم إثارة الفتن، وحيازة أسلحة حربية غير مرخصة، وإطلاق النار والتسبب بإصابة مدنيين، قبل إحالته إلى قاضي التحقيق العسكري المختص.
وأعاد الحادث طرح أسئلة قديمة حول خطة جعل بيروت مدينة منزوعة السلاح، وهي الخطة التي طالما طالبت بها فعاليات سياسية ومدنية وأهالي العاصمة، باعتبار أن وجود السلاح خارج إطار المؤسسات الشرعية يشكل مصدر قلق دائم للسكان ويهدد الاستقرار الأمني.
وفي هذا السياق، علق الكاتب والمحلل السياسي زياد عيتاني على حادثة منطقة عائشة بكار، معتبرا أن" هناك علامات استفهام عديدة تحيط بها من حيث الشكل والتوقيت".
وقال في حديث لموقع" سكاي نيوز عربية"، إن" الحادثة وقعت بعد ساعات قليلة من البيان الذي أصدرته الجماعة الإسلامية، ورفضت فيه قرار وقف إطلاق النار"، مشيرا إلى أن" هذا الموقف جاء منسجما مع موقف حزب الله".
وأضاف عيتاني أن" الإشكال تخلله توافد عناصر من خارج بيروت، كانوا يدخلون المبنى بسبب ظروف الحرب في مناطقهم"، لافتا إلى ظهور أشخاص ملثمين في مقاطع الفيديو المتداولة للإشكال الأمني، وإدخال أشخاص من خارج العاصمة إلى المبنى المعني.
كما أشار إلى أن" الجيش صادر كمية كبيرة من الأسلحة والذخائر، من بينها قذائف ومسدسات، من موقف المبنى".
وأشار عيتاني إلى أن المبنى المذكور" يضم المقر الرئيسي للجماعة الإسلامية في لبنان، ويستخدم من قبلها"، معتبرا أن وجود هذه الكمية من الأسلحة يثير الكثير من التساؤلات.
وتساءل: " ما الحاجة إلى كل هذه الأسلحة في المقر الرئيسي للجماعة الإسلامية؟ "، كما وجه أسئلة إلى وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية المعنية حول أسباب عدم متابعة الملف بجدية رغم وقوع إشكالات سابقة في المنطقة.
وأضاف: " إذا كان هناك قرار سياسي بأن تكون بيروت مدينة منزوعة السلاح، فعلى وزارة الداخلية أن تعمل على تنفيذه".
وأوضح عيتاني أن المبنى" يضم مسجدا ومستوصفا وأقساما للنشاط الكشفي والثقافي وقاعة لاجتماعات المكتب السياسي"، إضافة إلى" دار الفتوى وصندوق الزكاة ومسجد عائشة بكار، مما جعل العثور على هذه الأسلحة مصدر صدمة وقلق لدى السكان".
أما الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية العميد المتقاعد خالد حمادة، فاعتبر في حديثه لموقع" سكاي نيوز عربية"، أن" الأسلحة التي ظهرت في الصور تثير قلقا كبيرا بسبب عددها ونوعيتها".
وقال إن" الأسلحة المضبوطة والظاهرة في الصور التي نشرها الجيش تشمل قنابل وقذائف وقاذفات، إضافة إلى أسلحة أوتوماتيكية وأخرى مضادة للدروع والآليات"، معتبرا أن هذه النوعية من الأسلحة تتجاوز ما يمكن تبريره بحماية مركز أو مقر.
وأضاف حمادة أن" القضية لا ينبغي أن تقتصر على مصادرة الأسلحة، بل تستوجب تحقيقات موسعة لكشف مصادرها والجهات التي كانت تتولى تخزينها واستخدامها"، متسائلا عن كيفية وصول أسلحة حديثة إلى المكان وعن الجهات التي تقف خلفها.
كما طالب النائب التغييري عن بيروت ملحم خلف بالإسراع في" إعلان خطة أمنية واضحة وفعالة لطمأنة سكان العاصمة"، داعيا إلى التنفيذ الفوري للقرارات المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة.
واعتبر خلف، بحديثه لموقع" سكاي نيوز عربية"، أن" بسط سلطة الدولة في بيروت يشكل المدخل الأساسي لطمأنة المواطنين واستعادة هيبة المؤسسات الشرعية".
وشدد على أن" سكان بيروت لا يجب أن يعيشوا في ظل الخوف من السلاح المتفلت"، متسائلا عن" المبرر لوجود أسلحة من هذا النوع داخل العاصمة".
وختم مشيدا بتدخل الجيش اللبناني الذي ساهم، بحسب قوله، في منع تفاقم الأحداث واحتواء الإشكال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك