أمام المبدأ الحريدي، “نموت ولا نتجند”، يقف المبدأ العلماني الصهيوني، “سنتجند ونموت”.
الاعتقاد بأن المبدأ العلماني هو الأكثر أخلاقية من بين الاثنين، يشير إلى تحريف الأخلاق.
في المبدأين عيوب، لكن ليس بالقدر ذاته.
إن قول الحريديم “نموت ولا نتجند” يثير غضب كل علماني.
في حين كان ينبغي أن قول “سنتجند ونموت” يثير غضب كل صاحب ضمير.
بالطبع، يمكن تبرير غضب العلمانيين من الحريديم، فهم يستحقونه بجدارة.
إن نهج الحريديم يحطم مبدأ المساواة، في حين تعتبر المساواة أهم عنصر في الديمقراطية.
ينطلق الحريديم من منطلق متغطرس، مع توهم عالم زائف تعتبر فيه دراسة التوراة أمراً مهماً جداً للجميع باستثنائهم.
وهم على قناعة بأنهم، بفضل ذلك، ليسوا بحاجة إلى المشاركة في أي جهود وطنية.
عدم المساواة هذا يصرخ إلى عنان السماء.
يقف أمامهم التزام علماني بالتجند للجيش، ليس كواجب وطني وضرورة محتمة فحسب، بل أيضاً كأمر قد يعطي ميزات قيمية للمتجند.
الخدمة العسكرية تتماهى مع القيم، والصهيونية، وحتى مع الأخلاق.
كل من لا يتجند يعتبر غير أخلاقي.
لا يوجد تشويه أكثر من ذلك.
يجب على العلمانيين التواضع أمام المعسكر الآخر.
التزامهم أمر إشكالي، ولديهم أيضاً الكثير ليتعلموه من الحريديم.
لم يكن في أي يوم نضال للوسط – يسار، عنيد وموحد، مثلما هي الحال بالنسبة لنضال الحريديم ضد التجنيد الإجباري.
يمكن تبرير غضب العلمانيين من الحريديم، فهم يستحقونه بجدارة.
إن نهج الحريديم يحطم مبدأ المساواة، في حين تعتبر المساواة أهم عنصر في الديمقراطيةالبلاد مدمرة، وتتفشى الفاشية والفصل العنصري والفساد، والعلمانيون ما زالوا يرفعون بتفاخر راية التجنيد الإجباري للجيش كراية وحيدة لهم، تكاد تنفصل عن راية الليبرالية.
يبدو أن الحريديم عازمون على الموت وليس التجند، في حين المعسكر الآخر مستعد، ليس فقط للموت من أجل الوطن، بل أيضاً من أجل نتنياهو وجنونه الحربي.
إن الاستعداد للموت عبثاً في حرب خاسرة أمر غير أخلاقي.
وقد أثبتت السنتان والنصف الأخيرة بأن الجنود مستعدون لتنفيذ أي مهمة دون تفكير.
بالنسبة لهم، قدسية التجنيد تفوق أي قيمة في العالم، ويسمونها أخلاقاً.
الجندي الذي أخرج رضيعاً في الخليل قبل بضعة أيام ليقتله، يعتبر أكثر أخلاقية من أي طالب متهرب من المدرسة الدينية.
هل هو أكثر أخلاقية بحق؟ عندما يتم تسريحه سيكون قادراً على فعل أي شيء حتى في حياته المدنية.
الطيار الذي يقصف المستشفيات في لبنان دون هدف، والقائد الذي فرض الحصار على الخليل في هذا الأسبوع، وسائق الجرافة الذي دمر غزة وانتقل إلى جنوب لبنان، والمدفعي الذي يستمر بقصف أهداف مدنية دون هدف، ليسوا أكثر أخلاقية من طالب المدرسة الدينية الذي يتهرب من الخدمة.
بأي شكل هم أكثر أخلاقية؟ في طاعة عمياء لتنفيذ أوامر غير قانونية بشكل واضح؟واضح أن طلاب المدارس الدينية لا يتهربون من الخدمة بسبب الطبيعة الإجرامية للعمليات العسكرية في السنوات الأخيرة، التي تتمثل في الأساس في الحفاظ على الاحتلال وتعميقه وتوسيعه.
ولكن هل من المعقول مدح من يفعل ذلك؟ لا جدال في الحاجة إلى جيش، لكن حقيقة أن جرائم الجيش الإسرائيلي لم تجعل الأغلبية الساحقة من الجنود يفكرون في المغزى الأخلاقي لتجنيدهم، يجب أن تثير قلقاً أكبر بكثير من عدم تجنيد الحريديم.
لماذا يتطوع الشباب بالتحديد… لقتل الأطفال الذين يرشقون الحجارة في الضفة الغربية، أم اقتحام البيوت ليلاً واختطاف أفراد الأسرة، أم قصف المدارس في غزة أو في لبنان؟لا يجب على أي ليبرالي أن يرغب في رؤية المشاغبين العنيفين الذين اقتحموا منزل القاضي نوعم سولبرغ وهم يخدمون كجنود في المناطق المحتلة.
إن مجتمع الحريديم الذي توحد في السنوات الأخيرة مع القومية والعنصرية والاستيطان أيضاً، سيخرج جنوداً سيئين في صفوفه، من النوع الذي لا نرغب على الإطلاق في رؤيته وهو يخدم في الجيش.
وإذا لم تكن سيطرة المستوطنين على الجيش وتغيير صورته كافية، فسيأتي الحريديم لتشويهه بشكل أكبر.
لا، شكراً، يكفينا جنود وحدة الدفاع القُطرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك