تولى الرئيس قيادة البلاد فى ظروف تعد الأصعب والأكثر تعقيدًا.
مرحلة وقفت فيها البلاد فى مفترق طرق بين أن تحافظ على هويتها وحضارتها الضاربة فى أعماق التاريخ، أو أن تتحول إلى مجرد «ولاية» ضمن مشروع «الخلافة» وجرها إلى عصور سحيقة من التخلف والانحدار.
لم تكن معركة الرئيس وحده، بل مسألة تؤرق الضمير المجتمعى، غير أن القضية رغم أهميتها كانت تنتظر القيادة التى تجمع الشعب وتوحده على قلب رجل واحد، وهكذا كانت مصر على موعد مع معركة جديدة من أجل البقاء سارت فى اتجاهين:الأول: الحفاظ على مفهوم «الدولة الوطنية» التى واجهت تحديات وجودية فى فكرتها وقدرتها على البقاء منذ انطلاق ما عُرف بـ «الربيع العربى»، فكان المطلوب تثبيت أركان الدولة وتدعيم مؤسساتها.
الثانى: بناء الدولة وتعويض ما فاتها من فرض ضائعة.
ولا أبالغ إن قلت إن الرئيس لو لم يفعل شيئًا سوى الحفاظ على مصر وحمايتها لكفاه ذلك، غير أن الرئيس الذى راهن بحياته فى مهمة «إنقاذ الوطن» لم يكتف بما فعله رغم أهميته.
اليوم.
ومصر تبدأ عامًا جديدًا من قيادة الرئيس، من المهم تقديم قراءة موضوعية لـ «تجربة السيسى»، وتحديد موقعها فى مسيرة بناء الدولة الحديثة التى يتفق المؤرخون أنها بدأت قبل قرنين من الزمان بتولى محمد على باشا حكم مصر.
فإذا كان الزعيم سعد زغلول قد حذر من تجاهل التاريخ، واعتبر أن «نسيان التاريخ يعد أحد مظاهر موت الأمة»، فإن قراءة التاريخ واستيعاب دروسه هو أحد مظاهر حيوية الأمة.
مطلـوب تحـديد مـوقع «تجــربة الــرئيس السيسى» التى بدأت قبل 12 عامًا من التاريخ الحديث، وأين تقف منه؟يعانى كثير ممن يتصدون لكتابة التاريخ وتحليل أحداثه من «صدمة محمد على».
- وتسألنى: ماذا تقصد بـ «صدمة محمد على»؟- فأجيب: يتفق المؤرخون على أن تولى محمد على باشا حكم مصر فى 9 يوليو 1805 يعد «نقطة البداية» لمصر الحديثة استنادًا لما تحقق من إنجازات مثلت طفرة بمعيار وقته وزمانه، جعلت المؤرخين يعتبرونه «مؤسس» مصر الحديثة، وهذا صحيح تاريخيًا، فلا يمكن لأى منصف أن ينكر ما فعله محمد على باشا لتحسين وضع مصر كولاية عثمانية عانت من التخلف والجمود الذى فرضه العثمانيون على كل الأقطار التى وضعوا أياديهم عليها.
لقد مثل القطاع الزراعى الركيزة الأساسية لنهضة مصر فى عهد محمد على، فحفر الترع والرياحات مثل «المحمودية» و«الإبراهيمية»، ووضع حجر أساس القناطر الخيرية سنة 1842 لضبط مياه النيل، وتضاعفت المساحة الزراعية من مليونى إلى 3,9 مليون فدان، وهكذا كان تحديث الزراعة كان حجر الزاوية فى مشروع محمد على.
غير أن مشكلة كثير من المؤرخين أنهم لم يتمكنوا وبعد نحو 200 عام من عبور «الصدمة الحضارية» التى أحدثها محمد على بمعيار وقته وزمانه، ومازالوا يتوقفون أمام هذه التجربة وكأن عجلة التاريخ قد توقفت عند سنة 1805.
وأرى أن تاريخ مصر يجب أن يُعاد كتابته وتقييمه، فحجم ما تشهده البلاد من أعمال يتجاوز فى مشروع واحد منه أضعاف ما تحقق قبل قرنين من الزمان، واتخذه المؤرخون معيارًا لبناء الدولة الحديثة.
فإذا كان محمد على قد نجح فى إضافة 1,9 مليون فدان خلال 40 عامًا، فإن مشروعًا واحدًا فقط وهو «الدلتا الجديدة» يضيف للدولة 2,2 مليون فدان فى فترة وجيزة، أضف إلى ذلك مشروع المليون ونصف مليون فدان، ثم إحياء مشروع «توشكى الخير» ليتم زراعة واستصلاح آلاف الأفدنة بالقمح والمحاصيل المختلفة.
وإذا تناولنا مشروع الطرق تم تطوير 17 ألف كيلومتر، وإضافة نحو ألف كوبرى ونفق جديد، وتنفيذ محاور رئيسية تربط مختلف ربوع الوطن لتمثل بنية تحتية لشرايين التنمية.
وعلى الصعيد السياسى انتهجت مصر سياسة خارجية نظيفة ومتوازنة، تحافظ على مصالح الوطن والمواطن.
سياسة ترفض «المغامرة» و«المقامرة» وتضع المصالح العليا للبلاد فوق كل اعتبار.
بناء الدولة اهتم بالبشر والحجر، ولم يقف عند حد المشروعات القومية، بل امتد لتطوير الفكر والتأكيد على مدنية الدولة الحديثة.
نعم.
التحديات كبيرة والمقاومة شديدة من مرجعيات تتشبث برؤى «ضيقة» وتفسيرات «تقليدية» لم تعد صالحة للحياة بمعايير اليوم.
ولكن تبقى الإرادة السياسية فى تطوير الدولة هى الأمل الذى نتمسك به وندعمه كبرنامج عمل وطنى يجب الحفاظ عليه.
مصر دولة عريقة، وتاريخها حلقات متصلة ومتكاملة، وفى ملحمة البناء والتحديث التى لا تتوقف، لا يصح أن يقف الفكر أسيرًا لـ «صدمة حضارية» أحدثتها مرحلة زمنية معينة دون أن تكون لديه القدرة على تجاوزها إلى ما تشهده البلاد من قفزات إلى آفاق حضارية ومدارات كونية أكثر إتساعًا.
تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك