في قراءة تحليلية يسلط المؤرخ والخبير في شؤون الشرق الأوسط البروفيسور جان بيير فيليو الضوء على الأبعاد الخفية للتدخل العسكري والسياسي الإسرائيلي في جنوب سوريا بعد سقوط نظام الأسد.
ويركز هذا الخبير بشكل أساسي على المفارقة الأمنية التي خلقتها إستراتيجية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إذ بينما تسعى دمشق وعمّان إلى فرض الاستقرار وتجفيف منابع الجريمة المنظمة، أدى الدعم الإسرائيلي للحركات الانفصالية في محافظة السويداء إلى تحويل المنطقة إلى بيئة "خارجة عن القانون".
فيليو: من الواضح أن الحسابات الإسرائيلية تهدف إلى إبقاء البلاد ضعيفة ومنقسمة قدر الإمكان من أجل الاستيلاء على مكاسب إقليمية جديدة وشدد على أنه كان من الواضح أن الحسابات الإسرائيلية تهدف إلى إبقاء البلاد ضعيفة ومنقسمة قدر الإمكان من أجل الاستيلاء على مكاسب إقليمية جديدة.
ويرى فيليو في مقاله بصحيفة لوموند الفرنسية أن هذا الوضع لم يسهم فقط في إضعاف الدولة السورية، بل وفر ملاذاً آمناً وحماية غير مباشرة لشبكات تهريب "الكبتاغون"، مما جعل من الجنوب السوري المعقل الأخير والنشط لتجار المخدرات الذين يهددون الأمن الإقليمي، لا سيما الأمن القومي الأردني والخليجي.
ويضيف أن نتنياهو فضّل إضعاف السلطة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع ومنعها من بسط سيطرتها على الجنوب السوري، عبر التدخل العسكري المتكرر ودعم بعض القوى المحلية في السويداء، بحجة حماية الأقلية الدرزية.
وبحسب الكاتب، أدى هذا الوضع إلى تحويل السويداء إلى منطقة شبه خارجة عن سلطة الدولة، استغلها مهربو الكبتاغون الذين فروا من حملة القمع التي شنتها الحكومة السورية الجديدة ضد شبكات المخدرات، مما يعني أن إسرائيل بهذا التدخل "تحمي آخر معاقل المخدرات في سوريا"، على حد تعبيره.
ويضيف أن هذا الوضع مكن عناصر وشبكات كانت مرتبطة بالنظام السابق، من الاستفادة من قرب المحافظة من الحدود الأردنية ومن حالة الفراغ الأمني السائدة هناك.
وقال إن هذه الحماية الإسرائيلية شجعت على تصعيد حقيقي في تهريب المخدرات، إذ اعترضت قوات الأمن الأردنية 21 شحنة مخدرات بين يناير/كانون الثاني ويوليو/تموز 2025، وصادرت 128 شحنة أخرى خلال الأشهر التسعة التالية.
ولفت إلى أن هذه المضبوطات الأخيرة وصلت إلى نحو 50 مليون قرص من الكبتاغون، الذي يُنتج بتكلفة تقل عن يورو واحد (نحو 1.
08 دولار)، ويُباع في دول الخليج بما يتراوح بين 15 و20 ضعفاً لهذا السعر.
ويؤكد فيليو أن انهيار إنتاج الكبتاغون في معظم أنحاء سوريا بعد سقوط الأسد جعل من السويداء "آخر معقل" لهذه التجارة، حيث تُنتج الحبوب المخدرة وتُهرّب عبر الأردن إلى أسواق الخليج، وخاصة السعودية، التي تمثل الوجهة الرئيسية لهذه التجارة المربحة.
ويضيف أن تصاعد نشاط التهريب دفع الأردن إلى التدخل عسكرياً، فبعد ارتفاع عدد شحنات المخدرات المضبوطة بشكل كبير، نفذت القوات الأردنية غارات جوية استهدفت مواقع مرتبطة بشبكات التهريب داخل السويداء ومحيطها، في إطار ما وصفته عمّان بعمليات ردع لحماية أمنها القومي.
ويخلص فيليو إلى أن الصراع الدائر في جنوب سوريا لم يعد يقتصر على البعد الأمني أو السياسي، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بمكافحة تجارة المخدرات، حيث تقف الأردن إلى جانب استعادة دمشق سيطرتها على المنطقة، بينما تؤدي السياسة الإسرائيلية، وفق رأيه، إلى إطالة أمد الفوضى التي يستفيد منها مهربو الكبتاغون.
المصدر: لوموند.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك