العربي الجديد - قطر تنفي إغلاق مجالها الجوي أو تعليق الرحلات رويترز العربية - الحرس الثوري الإيراني: هجماتنا على إسرائيل كانت “تحذيرا” العربي الجديد - نجم بوليوود ينضم إلى ملّاك جي كلاس الكهربائية الفاخرة الجزيرة نت - إيران بعد 100 يوم.. قيادة جديدة وضغوط اقتصادية وملف نووي مفتوح وكالة الأناضول - قطر تنفي غلق مجالها الجوي مع التصعيد الجديد بالمنطقة العربي الجديد - سورية: اعتقال متهمين بجرائم خطرة وبدء دمج "الأسايش" الليوان - الفنان ماجد بوسويحل: هذه الأعمال والمقاطع نادم عليها قناة الشرق للأخبار - إطلاق موجة جديدة من الصواريخ الإيرانية على إسرائيل.. هل عادت المواجهة المباشرة؟ beIN SPORTS-YouTube - الحلقة الثانية من بودكاست "الكلمة الأخيرة". العربي الجديد - واشنطن تدرس شراء جزر تشاغوس للسيطرة على قاعدة دييغو غارسيا
عامة

أرواحٌ في المدينة.. حينما ينبضُ التاريخُ في قلب الحاضر بقلم مصطفى البلك

الجمهورية أون لاين

مصر بلدٌ صاحبةُ حضارة. . وصنعت التاريخ، ولطالما راودني هاجسُ الخوفِ على تراثِ هذا البلد العظيم؛ خوفاً من الضياع، ومن رياح المتغيرات التي تعصف بالمجتمع، ومعاولِ الهدم التي لا تفتأ تحاول النيل من هذا ال...

مصر بلدٌ صاحبةُ حضارة.

وصنعت التاريخ، ولطالما راودني هاجسُ الخوفِ على تراثِ هذا البلد العظيم؛ خوفاً من الضياع، ومن رياح المتغيرات التي تعصف بالمجتمع، ومعاولِ الهدم التي لا تفتأ تحاول النيل من هذا البناء الشامخ.

لكنَّ هذا الخوفَ لا يثنيني، بل يذكرني بأنَّ خلف هذا التراثِ دروعاً بشريةً ومؤسساتٍ عريقةً وقفت سداً منيعاً لحمايته.

إنَّ حكايةَ الحفاظِ على الهوية المصرية هي قصةُ كفاحٍ طويلٍ خاضه روادٌ عظام؛ فمن رفاعة الطهطاوي رائد التنوير، إلى أحمد كمال باشا وسليم حسن اللذينِ كشفا عن لسانِ أجدادنا وحفروا تاريخنا في سجلات الخلود، وصولاً إلى المعماري حسن فتحي الذي أحيى عمارة الأرض، وزكريا الحجاوي الذي صعد بالتراث الشعبي من عفوية المقاهي والقرى إلى منصات الفن الرفيع.

هؤلاء وغيرهم، إلى جانب مؤسساتٍ وطنيةٍ وأهليةٍ كالهيئة العامة لقصور الثقافة والمؤسسة المصرية لإنقاذ التراث، والمتحف المصري بالتحرير، وصناعِ الحرفِ اليدوية الذين يورثون الإبداع جيلاً بعد جيل؛ هم جميعاً الحصنُ الحقيقيُّ الذي يضمنُ بقاءَ مصرَ منارةً للحضارةِ، ويوثقُ عبقريتَها للأجيالِ القادمة.

وفي هذا السياق الوطني الرصين، يبرزُ مشروع" أرواح في المدينة" الذي يديره الكاتب الصحفي والباحث محمود التميمي، كواحدٍ من أهم المسارات الفكرية التي لا تكتفي بتوثيق التاريخ فحسب، بل تبثُ فيه الحياة من جديد، حيث احتفلت دار الأوبرا المصرية يوم السادس من يونيو ٢٠٢٦ بمرور أربع سنوات على انطلاق هذه السلسلة الفريدة التي تُعد جزءاً أصيلاً من مشروع" القاهرة عنواني".

ويأتي هذا النشاط تحت إشراف الاستاذة رشا الفقي، مدير الإدارة العامة للنشاط الثقافي والفكري بدار الأوبرا المصرية، والتي تُعد المشرفة المباشرة على الفعاليات والأنشطة الثقافية التي تُنظم في هذا الإطار، بما في ذلك سلسلة لقاءات" أرواح في المدينة".

إن هذا التعاون بين باحثٍ شغوف ومؤسسة عريقة كدار الأوبرا المصرية يمثل نموذجاً للوعي الوطني المؤسسي، حيث تُفتح أبواب المسرح الصغير لتتحول إلى منصة فكرية تعيد صياغة علاقة المواطن بمدينته.

لقد سعدتُ أيما سعادة بحضور هذه الاحتفالية، ووجدتُ فيها الملاذ الآمن الذي يقتل ذلك الهاجس الذي طالما راودني بشأن ضياع تراثنا، إذ لمستُ بعيني كيف يمارس التميمي هذا الدور بحرفية نادرة، مستعيناً بأرشيف إبداعي ضخم يمتد لنحو مائتي عام، فيمزج بين التوثيق الرصين للمواقف وبين وهج الغناء المصري الأصيل، مستحضراً رموز الإبداع في حكاياتٍ إنسانيةٍ تأسر القلوب.

إن ما يقدمه التميمي أشبه بمرآةٍ عاكسةٍ لجوهر الشخصية المصرية في أبهى صورها؛ بدءاً من تفاصيل فيلم" حياة أو موت" الذي كشف لنا كيف كانت القاهرة في الخمسينيات، مروراً برحلة الطفلة" سميحة" عبر شوارعها، ووصولاً إلى أسرار جنازة أم كلثوم التاريخية التي قادها الجمهور حباً وإجلالاً متجاوزين كل الحواجز الرسمية.

تلك القصص ليست مجرد حكايات، بل هي وثائق اجتماعية تعكس فلسفة المجتمع وتطوره، وكيف كانت القاهرة مدينةً تتنفس فناً وتاريخاً في كل زاوية من زواياها.

إن هذا الفكر الذي يتبناه التميمي يتجاوز السرد التقليدي، فهو يعيد إحياء سيرة الرموز الوطنية ليحولهم من مجرد أسماء في الكتب إلى أرواحٍ حاضرةٍ بيننا في صخب المدينة.

حيث يستعرض المشروع ملامح الشخصية المصرية وعلاقاتها العميقة بالأماكن، راصداً مراحل تطور المجتمع ببصيرة الباحث وشغف المحب.

وقد تجلى ذلك في الأمسية الأخيرة على المسرح الصغير، التي تضمنت فقرة فنية لكورال قرية" دوامة" لأطفال الفلاحين، في إشارة رمزية إلى تواصل الأجيال وحماية التراث الشعبي من الاندثار.

التميمي هنا يمارس دور" المؤرخ العضوي" الذي لا يكتفي بالأوراق والوثائق الرسمية، بل يستنطق المعالم العمرانية، واللقطات السينمائية، والكلمات المسموعة في الإذاعة المصرية، ليقدم قراءةً بانوراميةً تجعل من" القاهرة" عنواناً للذاكرة الجماعية.

وعلى مدار سنوات، كشف المشروع عن جوانب مجهولة لنساء ورجال شكلوا ملامح مصر الحديثة؛ مثل الكاتبة والناشطة منيرة ثابت التي دعت لحقوق المرأة، وأولى الفتيات اللاتي اقتحمن مجالات الطيران والمحاماة، إلى جانب توثيق الأحداث الثقافية الكبرى التي شكلت الذوق العام في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.

إن فلسفة التميمي تقوم على أن المبدع الحقيقي لا يموت؛ بل تبقى روحه في المكان الذي شارك في تشكيله، وهذا ما دفعه لابتكار تجربة" مسارات"؛ وهي جولات ميدانية داخل الأماكن التي ارتبطت بالمبدعين، مثل" مسار نجيب محفوظ" الذي يحول أدب الروائي الكبير إلى تجربة معايشة واقعية في حواري القاهرة، مما يجعله مؤرخاً للمكان بقدر ما هو أديب للرواية.

إن هذا النجاح لا يقتصر على كونه لقاءات ثقافية، بل هو نجاح في كسر حالة الجمود في تقديم المعلومة التاريخية، وتحويلها إلى متعة بصرية ووجدانية تفرض الاحترام.

إن هذه التجارب تفتح أمامنا أفقاً رحباً لمشاريع مستقبلية أكثر تكثيفاً؛ إذ إن المشروع يحمل في طياته إمكانات هائلة للتحول إلى" موسوعة رقمية" للقاهرة، حيث يمكن توثيق" فلسفة المكان" في الأدب والسينما، ومناقشة دور النخب الثقافية في مواجهة التزييف الرقمي والتشويه الذي تتعرض له الحقائق عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

هذا التوثيق هو السلاح الأهم في معركة الذاكرة، وهو الضمان الذي يمنع هذا الإرث من أن يطويه النسيان.

نحن بحاجة إلى تحويل هذه المئات من الساعات الموثقة إلى أرشيفٍ بصريٍ وتلفزيونيٍ ضخم، يكون متاحاً للأجيال القادمة، ليدركوا أن مصر لم تكن يوماً مجرد مبانٍ وشوارع، بل كانت نتاجاً لعقولٍ وأرواحٍ ومواقفَ وطنيةٍ شجاعةٍ لم تُدخر جهداً في رفعة هذا البلد.

إن ما يقوم به محمود التميمي هو مشروع حياةٍ يرممُ جدران الذاكرة الوطنية، ويجعل من استحضار الرموز أداةً لمواجهة محاولات طمس الهوية.

وبرعايةٍ كريمة من وزارة الثقافة، وبالتعاون الوثيق مع دار الأوبرا المصرية، يثبت هذا المشروع أنه أكثر من مجرد أمسيات، بل هو مدرسةٌ ثقافيةٌ تعيد صياغة علاقتنا بالمدينة وبالتاريخ.

إن استحضار سيرة المبدعين، مثل زكريا الحجاوي الذي نقل التراث من المقاهي إلى المسارح، وأحمد كمال باشا الذي فك طلاسم اللغة المصرية القديمة، يُعد استكمالاً لمسيرة الرواد الذين سار التميمي على خطاهم.

إنني أدعو عبر هذه السطور إلى ضرورة دعم هذا المشروع ليتحول إلى" متحف حكاية" متنقل، يزود الأجيال الصاعدة بالوعي اللازم، فالأمم التي تحفظ ذاكرتها هي التي تملك بوصلة المستقبل.

لعل أهم ما قدمه التميمي هو أنه جعل التاريخ قريباً من الناس، ملموساً في حكاياتهم اليومية، بعيداً عن الجفاف الأكاديمي، ليؤكد أن الوفاء للماضي هو الضمان الوحيد لاستمرارية الحاضر وبناء المستقبل.

إن أرواح المبدعين في مدينتنا ستظل حية، تنبض بالخيال، وتلهمنا في كل خطوة من رحلة بحثنا عن وطنٍ أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأكثر اعتزازاً بتاريخه الذي لا يغيب.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك