يمر اليوم / الأحد / 100 يوم على اندلاع حرب إيران، وهي الحرب التي بدأت بحملة قصف أمريكي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير الماضي، وتجاوزت تداعياتها حدود الشرق الأوسط لتلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، مع تصاعد المخاوف بشأن أمن الطاقة، وارتفاع تكاليف التجارة، وتزايد الضغوط التضخمية على الاقتصادات الكبرى والناشئة بخلاف تعطل سلاسل الإمداد.
وبعد مائة يوم من اندلاع الحرب، تبدو الأسواق العالمية أكثر حساسية للتطورات الجيوسياسية، في وقت يترقب فيه المستثمرون والحكومات أي مؤشرات على تهدئة الصراع لتخفيف الضغوط عن الاقتصاد العالمي واستعادة الاستقرار في أسواق الطاقة والتجارة.
وعلى صعيد الجهود الرامية لإنهاء الحرب، لا تزال المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران تراوح مكانها في ظل تباين المواقف وتبادل رسائل متناقضة حول آفاق محادثات السلام، بينما تتواصل مناوشات عسكرية متقطعة بين الطرفين، ومع ذلك، يظل وقف إطلاق النار ساريا لإتاحة فرصة للمساعي الدبلوماسية الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية.
وتتزايد المخاوف من اتساع تداعيات الصراع على الاقتصاد العالمي، وفي السياق، حذر صندوق النقد من أن الحرب في الشرق الأوسط تفرض ضغوطا متزايدة على الاقتصاد العالمي وتفاقم المخاطر التضخمية، داعيا الحكومات إلى تبني إجراءات مالية ونقدية مؤقتة ومدروسة للتعامل مع صدمة ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء الناجمة عن الصراع، بما يحد من انعكاساتها على النمو الاقتصادي واستقرار الأسعار.
في الإطار، أعلنت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن مستقبل الاقتصاد العالمي بات مرتبطاً بشكل كبير بمسار الصراع في الشرق الأوسط، محذرة من أن استمرار التوترات الجيوسياسية قد يحد من وتيرة النمو العالمي ويزيد مخاطر الركود وارتفاع معدلات التضخم.
وقدمت المنظمة الدولية سيناريو أكثر تشاؤماً يفترض استمرار المواجهات واتساع تداعياتها الاقتصادية، مشيرة إلى أن ذلك قد يقود إلى أعمق تباطؤ يشهده الاقتصاد العالمي منذ أربعة عقود، باستثناء تداعيات جائحة كوفيد-19 والأزمة المالية العالمية في عام 2009.
ووفقاً لهذا السيناريو، من المتوقع أن يرتفع معدل التضخم العالمي بنحو 0.
4 نقطة مئوية خلال العام الجاري، قبل أن يقفز بمقدار 1.
3 نقطة مئوية في عام 2027.
وحذرت من أن استمرار الاضطرابات حتى عام 2027 قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي إلى 1.
8%، وهو مستوى قد يدفع عدداً من الاقتصادات إلى الركود أو يضعها على حافته.
كما توقعت ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الاستثمارات، بما في ذلك الاستثمارات الموجهة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب زيادة مخاطر إعادة تسعير الأصول في الأسواق المالية.
وأشارت المنظمة إلى أن حجم هذه التداعيات واحتمالات تفاقمها سيجعلان من صياغة السياسات الاقتصادية واتخاذ القرارات المناسبة مهمة أكثر تعقيداً بالنسبة للحكومات والبنوك المركزية.
فقد شهدت أسعار النفط والغاز الطبيعي ارتفاعات ملحوظة خلال الأشهر الماضية، مدفوعة بالمخاوف المستمرة بشأن أمن الإمدادات على خلفية تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية و المضيق وهو ممر حيوي لشحنات النفط في الشرق الأوسط، شهد إغلاقاً طوال فترة الحرب، ما أدى إلى تقلبات حادة في أسعار النفط.
ورغم تراجع الأسعار بشكل ملحوظ عن ذروتها خلال الحرب، فإنها لا تزال أعلى بكثير من مستويات ما قبل اندلاع الصراع.
وتتداول العقود الآجلة لخام برنت العالمي عند مستويات أعلى بنحو 36% مقارنة بما قبل الحرب، فيما لا تزال العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط في الولايات المتحدة مرتفعة بنحو 50% تقريبا.
في الوقت نفسه، ارتفعت تكاليف الشحن البحري وأسعار التأمين على السفن، ما انعكس على أسعار السلع الأساسية وسلاسل الإمداد الدولية.
ووفق تقارير دولية تضررت حركة التجارة العالمية نتيجة اضطرار العديد من شركات الشحن إلى تغيير مساراتها أو تقليص عملياتها في المنطقة، وهو ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات وتكاليف النقل، خاصة بالنسبة للبضائع المتجهة إلى أوروبا وآسيا.
كما واجهت الاقتصادات المستوردة للطاقة تحديات إضافية مع ارتفاع فاتورة الواردات، بينما استفادت بعض الدول المصدرة للنفط من زيادة الإيرادات، رغم استمرار حالة عدم اليقين التي تحد من الاستثمارات وتؤثر في الأسواق المالية.
ودفعت الأزمة العديد من البنوك المركزية إلى توخي الحذر بشأن خفض أسعار الفائدة، مع استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والسلع، الأمر الذي قد يبطئ وتيرة التعافي الاقتصادي العالمي خلال الفترة المقبلة.
وساهم تراجع إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط في دفع معدلات التضخم إلى الارتفاع بشكل ملحوظ، رغم أن الزيادات الحادة في الأسعار دفعت بعض الحكومات إلى التدخل، بما في ذلك ألمانيا والهند.
ومع استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة بفعل الحرب، بدأت قراءات التضخم في عدد من الاقتصادات الكبرى تعكس ارتفاعاً في الأسعار، مدفوعاً بزيادة تكاليف النفط والغاز ووقود الطائرات والبنزين.
ففي الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين إلى معدل سنوي بلغ 3.
8% في أبريل، وهو أعلى مستوى له منذ ما يقرب من ثلاث سنوات.
يشار هنا الى أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) أعلنت في ماريو الماضي أن تكلفة الحرب على إيران ارتفعت إلى 29 مليار دولار، متجاوزة التقدير الأولي البالغ 25 مليار دولار ما يعكس تصاعد الأعباء المالية المرتبطة بالعمليات العسكرية.
ويرى محللون أن استمرار الصراع أو اتساع نطاقه قد يزيد من المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي، بما في ذلك تباطؤ النمو، وتراجع الاستثمارات، وارتفاع تكاليف الإنتاج، بينما يبقى استقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية عاملاً أساسياً في الحد من التداعيات الاقتصادية للأزمة.
هزت حرب إيران اقتصادات منطقة الشرق الأوسط بأكملها، حيث ألحقت أضرارا بالغة بالبنية التحتية واقتصادات الدول وبددت مفاهيم راسخة حول الأمن الإقليمي.
فقد ذكرت وكالة “فيتش” للتصنيفات الائتمانية في أحدث تقرير أن الحرب الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز أدخلا منطقة الشرق الأوسط في حالة متزايدة من عدم اليقين والاضطرابات، مما انعكس سلباً على النشاط الاقتصادي وأدى إلى تعطيل العديد من الأنشطة التجارية والاستثمارية في المنطقة.
وتشير هذه الإجراءات إلى استمرار وجود مخاطر كبيرة مرتبطة بالحرب، والتي قد تؤدي إلى تخفيضات أوسع نطاقاً في التصنيفات الائتمانية.
ورغم أن بعض دول المنطقة المصدرة للنفط استفادت مؤقتاً من ارتفاع أسعار الخام وزيادة الإيرادات النفطية، فإن هذه المكاسب قابلها ارتفاع في تكاليف التجارة والتأمين وتراجع الثقة الاستثمارية، بينما واجهت الدول المستوردة للطاقة في الشرق الأوسط ضغوطاً أكبر على الموازنات العامة والتضخم والنمو الاقتصادي.
وعلى الرغم من أن منطقة الخليج العربي لا تُعد من أكبر المناطق الزراعية في العالم، فإن الحرب الدائرة فيها ألقت بظلالها على صناعة الغذاء العالمية، ممتدةً آثارها من المزارعين وشركات التصنيع والتعبئة والتغليف إلى الموزعين وتجار التجزئة، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي العالمي ويرفع تكاليف المعيشة ويزيد الضغوط على أسعار السلع الأساسية.
كما بات الاقتصاد الإيراني الأكثر تضررا، فقد تكبد خسائر كبيرة جراء الحرب، مع تعرض قطاعات الطاقة والصناعة والتجارة والبنية التحتية لضغوط غير مسبوقة، ما أدى إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية.
فقد أدى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والسلع الأساسية إلى زيادة الضغوط المعيشية على المواطنين، بينما تراجعت الاستثمارات المحلية والأجنبية في ظل حالة عدم اليقين والمخاطر الأمنية، ما انعكس سلباً على فرص العمل والنشاط الصناعي.
كما تعرضت العملة الإيرانية – الريال- لمزيد من الضغوط، مع زيادة الطلب على العملات الأجنبية وتراجع الثقة في الأسواق، وهو ما ساهم في ارتفاع معدلات التضخم وتآكل القوة الشرائية للأسر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك