بات الابتزاز الإلكتروني يتخذ منحى أخطر.
فبعض قراصنة الإنترنت لم يعودوا يكتفون بتشفير البيانات أو المطالبة بالفدية، بل باتوا يلجؤون إلى التهديد بالعنف الجسدي في أرض الواقع.
وتُظهر بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي أن هذا النوع من التهديدات في الولايات المتحدة تضاعف أكثر من مرتَين خلال العام الماضي، كما توصلت شركة سيمبريس الأميركية للأمن السيبراني إلى أن المهاجمين لوّحوا بإيذاء الموظفين جسدياً في ما يصل إلى 40% من هجمات برامج الفدية المسجلة عالمياً عام 2025، للضغط من أجل دفع الفدية.
يهدّد المخترقون الموظفين بعد الوصول إلى بياناتهم الشخصية، بما في ذلك عناوين منازلهم.
وقد حدث ذلك في إحدى مفاوضات الفدية التي شارك فيها زاك وارين من شركة تانيوم الأميركية للأمن السيبراني.
تنقل عنه" بي بي سي": " بدأت تصلنا تقارير تفيد بتلقي موظفين في المستشفى مكالمات هاتفية.
كانوا يتصلون بالمستشفى، ويسألون عن الممرضات بأسمائهنّ، ثم يتحدثون إليهنّ ويخبرونهنّ أنهم يعرفون أماكن سكنهنّ.
كانوا يعطونهن عناوين الشوارع، وأرقام الضمان الاجتماعي، ويفعلون كل ذلك ليجعلوا الناس يشعرون حقاً بأنهم مراقَبون.
كان لديهم كل هذه المعلومات، لذا كان هناك مستوى عالٍ من الترهيب للأطباء".
في بعض الحالات، تمكّن المهاجمون من السيطرة على آلات التصنيع وإظهار سيطرتهم عن طريق تشغيل وإيقاف أجهزة مثل الروبوتات وعمليات النقل، وهي أفعال قد تؤدي بسهولة إلى إصابات أو حتى الموت.
هناك إصابات عدة مدعومة من دول.
في هذا السياق، اتهمت الحكومة السويدية قراصنة مرتبطين بالحكومة الروسية بمحاولة تعطيل العمليات في إحدى محطات توليد الطاقة الحرارية في البلاد من خلال هجوم إلكتروني.
كذلك، يستهدف قراصنة حكوميون بتزايد أنظمة الطاقة والمياه من أجل إحداث اضطرابات حقيقية في الخدمات العامة.
يعتمد قراصنة الإنترنت والمبتزون على عناوين المنازل والبيانات الشخصية لترهيب الضحاياواتُّهمت روسيا بمحاولة تعطيل أجزاء من شبكة الكهرباء البولندية.
وسيطر قراصنة روس لفترة وجيزة على سد في النرويج، وفتحوا بوابات الفيضان، ما أدى إلى تدفق ملايين الغالونات من المياه قبل طردهم من أنظمة الكمبيوتر.
وأدى هجوم إلكتروني على شركة طاقة بلدية في مدينة لفيف غربي أوكرانيا، في أوائل يناير/كانون الثاني 2024، إلى انقطاع التدفئة عن مئات الشقق لمدة يومين وسط درجات حرارة منخفضة حدّ التجمد.
مع ذلك، تميل معظم التهديدات الجسدية إلى أن تأتي من جماعات ذات دوافع مالية بحتة، وغالباً ما يكون هؤلاء المخترقون صغاراً في السن، وأشار ملف تعريف مكتب التحقيقات الفيدرالي لإحدى العصابات إلى أن الفئة العمرية تتراوح في الغالب بين 17 و25 عاماً.
وفي كثير من الحالات، يُقال إنّ مجرمي الإنترنت هؤلاء يدفعون لآخرين للتهديد بالعنف، أو لتنفيذه فعلياً، حتى لا تتلطخ أيديهم بالدماء.
الدماء تسيل نتيجة بعض التهديدات، التي تحوّلت إلى أفعال.
قد تشمل أعمال العنف تحطيم النوافذ، وإشعال الحرائق، وإطلاق النار، وبتر الأطراف، أو الاختطاف.
في مايو/أيار الماضي، أنقذت الشرطة الفرنسية والد مليونير في مجال العملات المشفرة، كان قد اختُطف واحتُجز طلباً للفدية في ضاحية باريسية، وقد بُتر أحد أصابع الضحية.
وقد سُجّلت في أوروبا أكثر من 18 حالة مماثلة، بحسب تقرير لشركة كراودسترايك الأميركية للأمن السيبراني.
وذكرت قناة BFM أن امرأة تعرضت للكم في وجهها عشر مرات أمام زوجها وأطفالها على يد مهاجمين حاولوا سرقة محتويات محفظة العملات المشفرة الخاصة بها.
يتوقّع تيم بيزلي من" سيمبريس" أن التهديدات بالعنف المرتبطة بالجرائم الإلكترونية سوف تستمر على الأرجح في الارتفاع.
ويوضح لـ" بي بي سي" أن الارتفاع يعود إلى أن" الناس يستمرون في دفع الأموال" نتيجة لذلك، إذ" إنهم لا يريدون أن يُختطف أطفالهم"، ويضيف: " هذا يدفع المرء إلى توخي الحذر الشديد".
بهذا، أصبح الابتزاز والتهديد الجسدي جزءاً من منظومة اقتصادية إجرامية متكاملة ومرعبة على مستوى العالم.
فاستناداً إلى بيانات وتقارير شركة سايبر سيكيوريتي فينتشرز (Cybersecurity Ventures)، وصل حجم الجرائم الإلكترونية إلى مستويات غير مسبوقة؛ فلو قيست الجرائم الإلكترونية بوصفها دولة مستقلة، لكانت ثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية والصين.
وتتوقع الشركة أن تقفز تكاليف الجرائم الإلكترونية العالمية بنسبة 15% سنوياً، صعوداً من ثلاثة تريليونات دولار فقط في عام 2015.
هذا الرقم المرعب يمثل أكبر انتقال للثروة الاقتصادية في التاريخ البشري، ما يهدّد مباشرة حوافز الابتكار والاستثمار.
وفي قلب هذا المشهد القاتم، تبرز برامج الفدية (Ransomware) بوصفها طريقة الهجوم المفضلة لمجرمي الإنترنت.
وقد حذرت" سايبر سيكيوريتي فينتشرز" من أن هجوماً ببرامج الفدية سيستهدف الشركات بمعدل هجوم واحد كل 11 ثانية، مقارنة بهجوم كل 40 ثانية في عام 2016، ما يرفع تكاليف أضرارها العالمية إلى 20 مليار دولار.
التكلفة الحقيقية لم تعد تُقاس بالخسائر المالية وتدمير البيانات فحسب، بل بالأرواح البشرية، إذ يشعر مكتب التحقيقات الفيدرالي بقلق بالغ إزاء استهداف برامج الفدية لمقدمي الرعاية الصحية والمستشفيات وخدمات الطوارئ، نظراً إلى أنّ هذه الهجمات تمس السلامة الجسدية مباشرة.
وفعلاً، سجلت برامج الفدية أول حالة وفاة مرتبطة بها في عام 2020؛ إذ أبلغت السلطات الألمانية عن هجوم إلكتروني تسبب في تعطل وشلل أنظمة مستشفى بمدينة دوسلدورف.
ونتيجة لهذا الانقطاع، توفيت امرأة كانت بحاجة إلى تدخل طبي عاجل بعد تأخر نقلها، ما يثبت أن التهديدات الرقمية تسفك دماءً حقيقية في المستشفيات.
الهجمات السيبرانية امتدت لتستهدف السيارات، والطائرات، وشبكات الطاقةتتفاقم خطورة المشهد المرعب مع التوسع الهائل في مساحة الهجوم على مستوى العالم.
فالهجمات السيبرانية امتدت لتستهدف السيارات، والطائرات، وشبكات الطاقة، وأي شيء يمتلك إشارة إلكترونية.
يعود هذا التوسع إلى الانفجار غير المسبوق في حجم البيانات، الذي اعتبرته، الرئيسة التنفيذية السابقة لشركة آي بي إم، غيني روميتي (Ginni Rometty)، المورد الطبيعي الجديد للعالم.
يتوقع أن يصل عدد المستخدمين للإنترنت حول العالم إلى 7.
5 مليارات بحلول عام 2030.
هذا التوسع يجعل البنية التحتية عرضة لهجمات أوسع ضمن بيئة خفية ينمو فيها القراصنة.
وحذر عميل في مكتب التحقيقات الفيدرالي من أن على كل مواطن أن يَفترض أن بياناته تُعرض للبيع في الشبكة المظلمة.
هذه الشبكة العميقة تُمثّل السوق السوداء المثالية لبيع وشراء أدوات الاختراق لضرب الشركات والحكومات.
ومع انخفاض احتمالية اكتشاف هذه العصابات، تزداد جرأتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك