هناك تواريخ تخلد في الذاكرة الثقافية لارتباطها بأحداث مهمة، أو شخصيات شهيرة، ويتيح يوبيلها الفضي أو الذهبي أو الماسي، فرصة للاحتفاء بما جرى فيها، فسنة 1889 مثلا شهدت ولادة مجموعة من الأدباء الذين تركوا أثرا كبيرا في الأدب العربي الحديث مثل، طه حسين وعباس محمود العقاد وإبراهيم المازني وميخائيل نعيمة، وكذلك شاءت الأقدار أن يكون لنا موعد سنة 1926 – أي قبل قرن بتمامه- مع ثالوث شعري غيَّر وجه الشعرية العربية، ولا يزال حضوره قويا إلى ما بعد مئة سنة من ولادته، فرواد التجديد بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري، ولدوا في عام واحد وفي بلد واحد هو العراق، والاحتفال بذكرى ميلادهم المئة ليس مرجعه قداسة الرقم، بل لأن مئة سنة وهي رقم صحيح يعطي شعورا بالثبات والاكتمال ويمثل دورة تاريخية كاملة تطوي ثلاثة أجيال أو أربعة تدفعنا إلى التساؤل ماذا بقي من الرواد الثلاثة؟ وهل استوطنوا الذاكرة الشعرية العربية، أو تلاشوا منها ككثير من مجايليهم؟في التقاليد الغربية تتحول الذكرى المئوية لميلاد شاعر كبير أو أديب إلى فرصة لإعادة بعثه من جديد، فلا يكتفون بندوات عابرة أو محاضرات تتسم بالخفة والمجاملات، ومختلف أشكال النشاطات التي تتسم بالارتجال والآنية، بل يحوّلون الذكرى إلى مشاريع ثقافية مستدامة، لعل أهمها جمع كل ما كتب الشاعر وأرشفته، ففي الذكرى المئوية لوفاة الشاعر الأمريكي والت ويتمان، انطلق أكبر مشروع أرشفة رقمية في تاريخ الشعر الأمريكي وهو «أرشيف والت ويتمان الرقمي»، حيث قام الباحثون بمسح ضوئي عالي الدقة ونسخ نصي لكل مسودات ويتمان، ومقالاته الصحافية المنسية، والمراسلات الشخصية، وحتى الملاحظات الهامشية التي كتبها على قصاصات الورق.
وهذا الأرشيف متاح الآن للباحثين مجاناً.
ناهيك عن الطبعات النقدية الكاملة، والشراكات بين دور النشر والجامعات لضمان تحويل ما كتب الشاعر إلى إرث معرفي مستدام، ومن أجمل التجارب الجديرة بالتقدير ما فعلته إيرلندا في مئوية شاعرها ويليام بتلر ييتس، حيث أطلقت برنامجا تعليميا في المدارس الثانوية عنوانه «ييتس في كل مدرسة» لتجسير الهوّة بين الطلبة وشاعرهم الرمز.
وكذلك يصلح النموذج الياباني للاقتداء، فإضافة إلى استغلال التكنولوجيا كإطلاق تطبيقات هاتفية خاصة بالمناسبة، أو منصات تفاعلية لحياة الشاعر وشعره، أطلقت جامعة طوكيو في مئوية أشهر شعراء الهايكو ماتسو شابو ورشة عمل لترجمة شعره إلى ثلاثين لغة.
وطرائق الاحتفال بعدد أنفاس المحتفلين.
والشعراء الثلاثة العراقيون ليسوا حالة عرضيّة في خريطة الشعر العربي، بل لهم أثرهم الكبير والخطير على مسار هذا الشعر ومسيرته، فبدر شاكر السياب – بغض النظر عن حكاية الريادة التي لن ينتهي الجدل حولها- علامة فارقة في تاريخ الشعر العربي، لا تشبه ما قبلها فقد كسر صرامة البيت التقليدي، الذي يستمد هيبته من إرث ضخم تراكمت فيها مئات آلاف القصائد على امتداد 14 قرنا، ورغم عمره القصير (توفي في الثامنة والثلاثين من عمره) لكنه أحدث تغييرا واعيا قصديا في بنية القصيدة العربية، فحررها من القافية وجعل التفعيلة أساس الوزن الشعري لا البيت كاملا، فأخرج الشعر العربي من إيقاعه الرتيب إلى آفاق أرحب من التلوينات النغميّة، ممّا مهد في ما بعد إلى التخلي نهائيا عن الوزن مع مجيء قصيدة النثر، ولم يقتصر التجديد السيابي على الوزن فقط، بل جعل الأسطورة ركيزة ثابتة في قصائده، أشرعت أبواب شعره وشعر من تبعه على الرمز والرؤية الإنسانية العميقة، ولا يقل إسهام عبد الوهاب البياتي عن إسهام السياب.
ويبقى السؤال الأهم كيف احتفى العالم العربي والعراق تحديدا بهذه المحطة المفصلية في تاريخ الشعر العربي، وقد انقضت شهور خمسة على بداية 2026، بالبحث في الإنترنت لم أعثر سوى على فعاليات قليلة لا ترقى إلى قدر المناسبة.
وكانت تجربته الشخصية في التنقل بين المنافي في عواصم عربية وغربية، رافدا ثريا له سواء في مرحلته التي اصطبغت بالواقعية الاشتراكية أو في انعطافه نحو الصوفية واستلهامه رموزها كالحلاج وابن عربي، التي أعطت شعره بعدا إنسانيا قائما على التكثيف والرمز والدهشة.
ويبقى بلند الحيدري الشاعر العراقي ذي الأصول الكردية، أقل الثلاثة انتشارا وأكثرهم اغترابا فقد تقلب بين المنافي يرافقه الحزن الوجودي المتجذر فيه، فأجاد التعبير عنه ببساطة وتركيز على العزلة الإنسانية، معتمدا على القصيدة القصيرة المكثفة.
ومع ذلك هُضم حق هذا الشاعر مقارنة بالسياب والبياتي، مع أن مجموعته «خفقة الطين» 1946 سبقت ديوان السياب «أزهار ذابلة»، ولعل السبب في ذلك اعتماده على التكثيف، والقصيدة القصيرة الهامسة في زمن أرسى فيها السياب دعائم الملحمية وأعطى البياتي القصيدة سمتها الكونية، ويبقى هذا الثالوث مضافا إليهم الشاعرة والناقدة نازك الملائكة، روّاد الشعر الحديث في العراق والعالم العربي.
ويبقى السؤال الأهم كيف احتفى العالم العربي والعراق تحديدا بهذه المحطة المفصلية في تاريخ الشعر العربي، وقد انقضت شهور خمسة على بداية 2026، بالبحث في الإنترنت لم أعثر سوى على فعاليات قليلة لا ترقى إلى قدر المناسبة، وإن كانت هناك جهود يشكر القائمون عليها، كأمسية بيت الشعر العربي في القاهرة بمناسبة ميلاد السياب، والندوة التي حضرتُها في الرباط عن مئوية السياب والتي أقيمت أثناء المعرض الدولي للكتاب، كما أقام المنتدى الثقافي العربي في المملكة المتحدة في شهر مايو/ أيار أمسية بعنوان «بغداد والقرن الشعري».
وهي فعاليات جيدة ولكنها غير كافية، إذ يغلب عليها الطابع الآني لا أثر لها بعد انتهائها، مع التنويه أنها تكاد تختص بالسياب وحده، ويمكننا الاستبشار قليلا بإعلان وزارة الثقافة العراقية، «عقد اجتماع مشترك بين الهيئة العامة للآثار والتراث ومنظمة اليونسكو، لبحث آليات تطوير وتأهيل منزل الشاعر بدر شاكر السياب في محافظة البصرة بما يتماشى مع المعايير الدولية للحفاظ على المواقع التراثية»، ولعل هذا المشروع يبصر النور قريبا.
ورغم أن العراق الرسمي شكل لجنة للاحتفال بمئوية رواد الحداثة الشعرية في أواخر سنة 2025 واتفقت على «إطلاق مهرجان ثقافي شامل يمتد على مدار العام… في الجامعات والمعاهد والكليات والمدارس، بالإضافة إلى الإعلان عن المهرجان المركزي الذي سيُزيّن بإقامة نصب تذكارية تخلد أسماء هؤلاء الرواد» إلا أننا ما زلنا ندور في الحلقة المفرغة نفسها، مهرجان مركزي تلقى فيه خطب وقصائد ونصب للشعراء، ولكن ماذا عن المشاريع الثقافية المستدامة؟ فما زلنا في زمن وسائل التواصل والتكنولوجيا المتقدمة والإعلام الجديد نحيي مناسبات ضخمة بأساليب لم تتغير منذ بداية القرن الماضي.
وحتى ما قرأتُه عن طبع الأعمال الكاملة للشعراء الثلاثة فيه نوع من عدم الدقة، فالأعمال الكاملة للسياب صدرت عن دار نشر خاصة (دار الرافدين) في مجلدين بجهد فردي من الباحث علي محمود خضير، منذ ست سنوات، ولا أعتقد حسب علمي أن هناك طبعة أخرى محققة ومكتملة ستصدر هذه السنة، وكذلك الحال بالنسبة للأعمال الشعرية الكاملة للبياتي، فقد صدرت أواخر سنة 2024 عن دار الشؤون الثقافية ببغداد ولا علاقة لها بالمناسبة، أما أعمال بلند الحيدري الكاملة فبدورها صدرت عن دار الشؤون الثقافية «ضمن مبادرة رئيس الوزراء لدعم طباعة الكتاب، وعن سلسلة «شعر « في الشهر الثالث من 2025، فماذا بقي إذا كانت أعمال الشعراء الثلاثة الكاملة قد صدرت في صورة جيدة؟بقيت الجهود الأرشيفية في جمع كل ما كَتب وكُتب عن هذا الثالوث الشعري بطبعاته القديمة وبخط اليد، والدراسات التي أنجزت حولهم ومسحها ضوئيا في منصة رسمية وإتاحتها للباحثين، والمساعدة على ترجمتها فالسياب على شهرته وأهميته أقل ترجمة من محمود درويش، أو أدونيس، أو نزار قباني.
ويمكن الاستفادة بما أصبحت التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي تتيحه من إمكانيات لخدمة هذه الذكرى، سواء عبر بوابة إلكترونية تفاعلية تخاطب أجيال الإنستغرام والتيكتوك بلغة بصرية فيها استعادة للشعراء أنفسهم بأصواتهم، بل وبأشكالهم عبر تقنية الهولوغرام، وإطلاق سلسلة بودكاسات بأسلوب مشوق يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، من دون أن نغالط أنفسنا بحجج أن الشعر لا قراء له فمن يتابع وجود الشعر في وسائل التواصل الاجتماعي يندهش من حضوره الكثيف.
ويمكن إنتاج أفلام وثائقية أو درامية عن الشعراء الثلاثة، فحياة كل واحد منهم رواية مشوقة تنتظر من يكتبها وينقلها إلى الشاشة.
لست في موقع يؤهلني أن أملي على المؤسسات الثقافية الرسمية ما الذي عليها فعله، ولكن يعز على كل مهتم بالشعر العربي، أن تمر الذكرى المئوية لولادة ثلاثة رواد للقصيدة الحديثة ولا نحييها سوى بأمسية من هنا وندوة تكريمية من هناك، أكرر أنها جيدة، ولكنها قطعا غير كافية.
شاعرة وإعلامية من البحرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك