عندما أطلقت الرؤية السعودية في 2016م، بدا أن هناك سؤالين ذهبيين كان من الصعوبة الإجابة عنهما منذ عقود.
السؤال الأول: كيف يمكن تخفيض الاعتماد على الموارد النفطية؟والثاني: ماذا لو تعطّلت موانئ الخليج العربي؟نحن نتحدّث هنا عن دولة كبرى بالتزاماتها الكبيرة تجاه (الحرمين الشريفين)، وتجاه شؤونها الداخلية «أمن، تسلح، تعليم، صحة، موارد مائية وغذائية.
إلخ»، ومن ثم التزاماتها الخليجية والعربية والإسلامية والدولية.
السعودية دولة عملاقة جدّاً جغرافياً واقتصادياً؛ ولذلك فإن لا مجال عندها لانتظار المفاجآت مع أمنها العسكري، والاقتصادي، واستدامتها المالية.
تنبهت الدولة السعودية في أوائل السبعينيات الميلادية لخطورة تعطل الملاحة في الخليج العربي وعدم قدراتها على تصدير النفط، فبنت «خط شرق غرب»، لنقل البترول من شرق البلاد إلى موانئها على البحر الأحمر، وأدى دوره بنجاح مبهر في مراحل متعددة.
واليوم هناك من تنبّه لسؤال آخر: ماذا لو تعطّلت الموانئ التجارية في الخليج العربي؟ إنه ولي العهد السعودي، فبنى «ميناء نيوم» في موقع استراتيجي بين القارات، كجزء من رؤية كبرى، بحثت في كل شيء، وأجابت عن معظم الاحتياجات والضرورات لعقود قادمة.
في ظني أن أهمية «ميناء نيوم» لاقتصاد المنطقة والعالم، تساوي إلى حد كبير أهمية خط «شرق-غرب»، فكما ضمن الخط البترولي إمدادات الطاقة، ضمن الميناء «إمدادات الحياة»، وحمى استقرار الأسواق المحلية والعالمية، ولعل الأهمية والنتائج الكبرى للميناء لم يستوعبها الكثير بعد، خصوصاً في خضم الأحداث الحالية.
برز «ميناء نيوم» سريعاً، وبعد أيام فقط من إغلاق «هرمز»، كمنصة لوجستية وميناء حر، فقد كان حاضراً وجاهزاً، لقد تم تعديل خريطة جغرافيا الموانئ، من الخليج، إلى البحر الأحمر، دون بطء أو تردد، الأمر الذي ساهم في ضمان أمن المجتمعات الخليجية.
لقد ضمنت المملكة العربية السعودية خلال الحرب الحالية وبعد تعطل الملاحة في الخليج العربي: أمن الطاقة، كما ضمنت أمن شعوب الخليج العربية، من خلال تحولها إلى منصة ضخمة للإمدادات اللوجستية، والغذائية، والطبية، التي تحتاجها دول الخليج، كما تحوّلت إلى خط مواصلات ربط معظم دول الخليج بالعالم من خلال المطارات والموانئ السعودية، الأمر الذي حمى أمن المجتمعات الخليجية، وحافظ عليها من التعرّض لتداعيات الأزمة.
ومع ظروف الحرب المفاجئة وتعطّل مصادر إمدادات بحرية عديدة في المنطقة، جاء «ميناء نيوم» مقدّماً حلولاً لوجستية عالمية لم تكن في الحسبان، ليصبح الميناء المنقذ والمحطة اللوجستية الدائمة في العقود القادمة.
قبل الحرب بعشر سنوات تم التخطيط لمشروع نيوم، وقبل ثلاث سنوات وتحديداً في منتصف العام 2023م، تم افتتاح «ميناء نيوم»، المنصة الواعدة التي خطط لها بدقة واختير لها موقع إستراتيجي على خطوط التجارة الدولية.
لم يكن يتصور ولا أكثر المراقبين لمشروع «نيوم» أن يصبح أحد المحاور اللوجستية المهمة في المنطقة والعالم، لقد صدم المناوئين، وشتت صانعي الكوابيس.
لكن باني الرؤية السعودية الأمير محمد بن سلمان، استطاع من خلال بُعد نظره أن يطوّع الجغرافيا لصالح المستقبل، بعدما تحوّل «ميناء نيوم» إلى مثال رائع لنجاح مشاريع الرؤية المستقبلية.
لقد غيّرت «نيوم» خارطة الأعمال في العالم، بتحوّل النقل من نقطتين ووسيلتين، إلى النقل المختلط معتمداً على الأتمتة والذكاء الاصطناعي، والقدرات البشرية، (سفن، قطارات، عبارات، طرق سريعة، موانئ جافة)، كلها تنتظم في حركة واحدة من المُصدر الى المُستقبِل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك