لاشك أن السؤال عن هل الميت يختار من يزوره في المنام؟ ، يعد من الأمور الخفية التي تشغل الكثيرون من الأحياء الذين يزورهم الأموات في مناماتهم، من أجل رسالة أو وصية أو حتى يخبرونهم عن أحوالهم، بما يطرح الكثير من الاستفهامات التي تبدأ بسؤال هل الميت يختار من يزوره في المنام ولماذا يزور البعض فيما لا يزور آخرين، وهل يرى النائم حال الميت ومنزلته في الجنة؟
هل الميت يختار من يزوره في المنامورد فيه أن البعض يتساءل لماذا جاء هذا الميت لأحد أقاربه في المنام ولم يأتي لأزواجه أو أبناءه والإجابة هي على حسب الشفافية والقرب ودرجة الود يكون مجيء المتوفى فممكن تكون رسالة مثل ما ذكر أو حقيقة وشفافية أكثر، كما أنه من الممكن أن تكون رؤية الأموات إجابة لسؤال ما.
وورد عن سيدنا الإمام أبي حامد الغزالي يقول" كنت اجلس في المسجد ألقى على الناس دروس العلم ونظرت أمامي فوجدت 800 عالم لو وزع علم واحد منهم على أهل الأرض لوسعهم جميعا فخشيت أن يدخل الغرور إلى نفسي وإذا سائل يسأل ويقول لي يا إمام لقد كنت تصلى بنا المغرب منذ قليل وكنت تقرأ قوله تعالى كل يوم هو في شأن فما هو شأن الله اليوم؟
يقول الإمام فنخلت مخزون فكري فلم أجد لهذا السؤال إجابة وقلت للسائل أمهلني إلى غد حتى أبحث لك عن جواب وجاء الغد وامتلأ المسجد وقام السائل وقال يا إمام ما شأن الله اليوم قال له أمهلني إلى غد ورجعت لبيتي مهموما محزونا وتوضأت وصليت لله ركعتين وسألت الله أن يلهمني الإجابة في المنام.
ونمت فرأيت رسول الله في المنام قال لي السلام عليك يا أبا حامد إذا جاءك السائل غدا وسألك السؤال فقل له شأن الله اليوم لله أمورا يبديها ولا يبتديها يرفع أقواما ويخفض آخرين، وذهب الإمام للمسجد وضاق المسجد بمن فيه ونادى الإمام بأعلى صوته أين السائل؟ فقام السائل وسأل نفس السؤال وإجابه الإمام وقال له مثلما رأى في المنام فقال السائل صل وسلم يا إمام على".
ورد فيه أنه قد تكون رؤية الميت نتيجة اشتياق وحب ولكن على حسب القرب والشفافية، وأيضا من الممكن أن يزور الميت شخص من أهله لتوصيل رسالة له بطاعة الله: " الأرواح بعد الموت جميعا الصالحين تلتقى في مكان اسمه عليين وأروح الفاسقين تلتقى في مكان اسمه سجين فالصالحين لما تطلع لهم روح طيبة يجتمعوا عليها ويرحبوا بها.
وكل روح تسأل الروح التي أتت للتو من الدنيا عن حال أهلها في الدنيا وهل هم بخير أم لا إذا اخبرتهم الروح الصاعدة دي أن أهلهم بخير يحمدوا الله عز وجل ولو أخبرتهم إنهم في سوء أو أن الدنيا بتلهيهم تدعوا الله عز وجل لهم وتقول اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا وممكن جدا تجيلهم رسالة عن طريق حلم أو رؤيا تأمرهم بطاعة الله".
ورد أن رؤية الميت في المنام من الممكن أن ينطبق عليها هذه الأسباب، فمن الممكن أن تكون رسالة للأحياء، حيث قال رسول الله: " لن يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات فقالوا وما المبشرات يا رسول الله قال الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له".
وجاء أن رؤية الأموات تكون حقيقة لا شك فيها لأنهم في دار الحق، وإذا زار المتوفى شخص في منامه وأعطاه شيئا يعتبر ذلك رزق سيأتي وإذا حصل الميت على شيء منه يعني أنه سيفقد أو يسلب منه شيئا.
وتفسير الرؤيا تكون على حسب حالة الرائي وصلاحه وقربه من الله أو عدمه: " بمعنى جاء رجل للإمام ابن سيرين وقال له (يا إمام رأيت في المنام إني أؤذن فقال له ابشر أنك ستحج بيت الله الحرام وانصرف الرجل وجاء آخر في نفس المجلس وقال له رأيت في المنام إني أؤذن فقال له انتظر فسوف أبلغ عنك الشرطة فأنت لص وسارق فعاهده على التوبة الناس تعجبت كلاهما رأى أنه يؤذن فلم اختلف التفسير.
قال نظرت في وجه الأول فرأيت علامات الصلاح والتقوى فتذكرت قول الله عز وجل وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، ونظرت في وجه الثاني فرأيت شؤم المعصية فتذكرت قول الله تعالى وأذن مؤذن إيتها العير أنكم لسارقون)".
أرواح الأموات والأحياء في المنامذهب بعض أهل العلم إلى أن أرواح الأحياء وأرواح الأموات تلتقي في البرزخ.
واستُدِل لذلك بقوله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) الآية 42 من سورة الزمر.
وقال القرطبي – رحمه الله -: قال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد: أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها.
وقال سعيد بن جبير: إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف ( فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى ) أي: يعيدها" تفسير القرطبي" ( 15 / 260 ).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -: وفي هذه الآية دليل على أن الروح والنفس جسم قائم بنفسه، مخالف جوهره جوهر البدن، وأنها مخلوقة مدبرة، يتصرف اللّه فيها في الوفاة، والإمساك، والإرسال، وأن أرواح الأحياء، والأموات، تتلاقى في البرزخ، فتجتمع، فتتحادث، فيرسل اللّه أرواح الأحياء، ويمسك أرواح الأموات" تفسير السعدي" ( ص 725 ).
لكن قال شيخ الإسلام عن هذا الاستدلال: وما ذُكر من التقاء أرواح النيام والموتى: لا ينافي ما في الآية، وليس في لفظها دلالة عليه، وثمة قول آخر في الآية: وهو أن الروح الممسَكة، والمرسَلة: هي روح الميت.
انتصر ابن القيم رحمه الله لهذا القول بشدة، وذكر أن الواقع يشهد له ويصدقه، ثم قال – رحمه الله -: وقد دلَّ التقاء أرواح الأحياء والأموات: أن الحيَّ يرى الميت في منامه، فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلم الحيُّ، فيصادف خبره كما أخبر في الماضي، والمستقبل، وربما أخبره بمالٍ دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه، وربما أخبره بدَيْن عليه، وذَكَر له شواهده، وأدلته.
وأبلغ من هذا: أنه يخبر بما عملَه من عملٍ لم يطلع عليه أحد من العالمين، وأبلغ من هذا أنه يخبره أنك تأتينا إلى وقت كذا وكذا، فيكون كما أخبر، وربما أخبره عن أمورٍ يقطع الحى أنه لم يكن يعرفها غيره، " الروح" ( ص 21 )، ثم طول في الاستدلال له، وذكر الحكايات على إثباته.
هل تلتقي أرواح الأموات والأحياء في غير المناموورد عن اللقاء في غير المنام، أو في وقت محدد، أو هيئة معينة، فهو مما لم يدل عليه دليل، والقول فيه، وفي غيره من أمور الغيب، بغير برهان من الوحي من رجم الظنون.
وقال ابن القيم رحمه الله: " وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحيَّ يرى الميت في منامه، فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلم الحيَّ، فيصادف خبره كما أخبر"، فهذا هو الذي عليه السلف، من أن أرواح الأموات باقية إلى ما شاء الله، وتسمع، ولكن لم يثبت أنها تتصل بالأحياء في غير المنام.
حال الميت ومنزلته في المنامجاء أن ما يراه النائم من حال الميت، أو منزلته في الجنة: فإنه إن كانت رؤيا صحيحة: فما يراه هو الواقع، وقد ثبت عن كثير من السلف أنهم رأوا أمواتاً في المنام، فسألوهم عن أحوالهم، فأخبروهم بها، ثم نقلوا ذلك لنا، وهم أئمة أعلام، ولولا أن ذلك مما يؤخذ به: لما كان لهم ذِكر ذلك للناس، على أننا نقول: قد يكون ما رأوه هو حال ذلك الميت في تلك اللحظة، أما الخير والنعيم: فإما أن يثبت، أو يزيد، وأما حال الشر والسوء: فقد يتغير للأحسن بفضل الله ورحمته.
ورد في ذلك من نقل العلماء الثقات الأثبات، ونبدأ بما يقطع بصحة الأمر شرعاً، وذلك بالنقل عن صحابي رأى آخر في منامه، وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم: عَنْ جَابِرٍ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟ قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي ذَخَرَ اللَّهُ لِلْأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ.
رواه مسلموقال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -: والظاهرُ: أنَّ هذا الرجلَ أدركتْهُ بركةُ دعوةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فغُفِرَ ليدَيْهِ، وكُمِّلَ له ما بقي من المغفرة عليه؛ وعلى هذا: فيكونُ قوله: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ ممتدًّا إلى غايةِ دعاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم له؛ فكأنَّه قيل له: لن نصلحَ منك ما أفسدْتَ ما لم يَدْعُ لك النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو داود – صاحب" السنن" -: محمَّد بن محمد بن خلاَّد – وهو من شيوخه - قتله الزِّنج صبراً، فقال بيده هكذا - ومدَّ أبو داود يده، وجعل بطون كفيه إلى الأرض -، قال: ورأيتُه في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: أدخلني الجنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك