عندما يتردد اسم حي “الكرنتينا” في المجالس اليوم، غالباً ما تتبادر إلى الأذهان صور الأزقة الضيقة، والأبنية المتواضعة، وأحياء شعبية ارتبطت في الذاكرة بالزحام.
ولكن.
ماذا لو نحّينا هذه الصورة جانباً، ونظرنا بعين التاريخ؟ماذا لو اكتشفنا أن هذا الحي كان في يوم من الأيام، الحارس الأمين لقارة آسيا بأكملها، وخط الدفاع الأول لحماية العالم الإسلامي من أشرس الأوبئة؟فالقصة تبدأ من موانئ إيطاليا إلى قلب الحجاز؛ لتبدأ معها رحلة الدهشة.
وتبدأ الدهشة من شيفرة الاسم “كرنتينا”؛ إذ تشتق من الكلمة الإيطالية (Quarantena) وتعني “الرقم أربعين” وهو المصطلح الذي يُشير إلى الأربعين يوماً التي يجب أن يقضيها المسافرون في العزل قبل السماح لهم بالاختلاط بالسكان؛ لضمان خلوهم من الأمراض.
فكيف قطعت هذه الكلمة آلاف الأميال من شواطئ البحر الأبيض المتوسط في إيطاليا لتستقر كوشمٍ تاريخي في قلب جدة؟تذكر كتب التاريخ أنه في منتصف القرن التاسع عشر، كان شبح “الكوليرا” يثير الرعب في قلوب الممالك، وكان موسم الحج يُشكل تحدياً عالمياً لمنع انتقال الأوبئة.
وعقب المؤتمر الدولي الطبي في إسطنبول عام 1866م، تحولت جدة؛ بصفتها بوابة الحرمين، ومن خلال حي الكرنتينا إلى النواة الأولى للحجر الصحي؛ ثكنات ومراكز عزل طبقت الحجر على كل سفينة تقترب من الميناء؛ لتكون أول شبكة أمان صحي دولي في المنطقة.
ومع بزوغ فجر المملكة العربية السعودية، انتقلت جدة من مفهوم “الكرنتينا” المخصصة للعزل، إلى عصر المؤسسة الطبية الشاملة والمحاجر الصحية الحديثة؛ فلم تعد “الكرنتينا” القديمة كافية لاستقبال الحجاج القادمين بحراً وجواً.
فتم بناء مدن متكاملة مدعومة بشبكة من المستشفيات الحكومية الضخمة المجهزة بأحدث التقنيات؛ لتتحول جدة إلى “فلتر” صحي متطور، يجمع بين الترحيب الحار بضيوف الرحمن، والصرامة في الحفاظ على الأمن الصحي للحجاج والقادمين إليها.
ومع مرور العقود زحفت العشوائية على “الكرنتينا”؛ ذلك الحي الذي أُسس في الأصل ليكون درعاً للوقاية والصحة، ليتحول بفعل الزمان إلى بؤرة عشوائية تفتقر لأبسط مقومات البنية الصحية الآمنة.
فكان لا بد من تدخل حاسم لإزالة حي”الكرنتينا” ضمن مشروع تطوير أحياء جدة؛ كضرورة حتمية لإعادة التخطيط، وتوفير بيئة ترتقي بجودة حياة الإنسان، متوافقة مع رؤية طموحة ترفض التهميش العمراني، وتعيد صياغة المكان بما يليق بمكانته.
لقد أزيلت المباني، وبقي التاريخ شاهداً على مدينة كانت- ولا تزال- الرئة التي تتنفس منها قوافل الإيمان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك