تتدحرج الأنباء عن تجسّس إسرائيلي مستجدٍّ على مسؤولين وموظفين رفيعين في الإدارة الأميركية والبيت الأبيض، وتتابعها تلفزاتٌ وصحفٌ أميركية وازنة.
وفي الأثناء، أمران يستثيران انتباهاً خاصّاً، يمكن حسبانهما على شيءٍ من الطرافة، أو الغرابة لمن أراد أن يستغرب.
أولاهما أن إفادات المصادر المختصّة في الموضوع توحي بأن من العاديّ، وبالغ الطبيعيّ، أن تُزاول أجهزة إسرائيلية تجسّساً على وزاراتٍ ومؤسّساتٍ وهيئاتٍ أميركية، وعلى مسؤولين فيها، ولكننا هنا أمام مستوىً حرجٍ وعالٍ من هذا التجسّس، ما يجعله حسّاساً، أو غير مقبول، قد يثير التحفّظ (أو الاستياء أو الامتعاض أو.
، لا أعرف).
الأمر الآخر أن مبعوث الرئيس ترامب الخاص إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، من أبرز من تتجسّس عليهم إسرائيل في هذه الأيام.
وهو الذي يخوض، مع جاريد كوشنر وغيره، المفاوضات الأميركية، غير المباشرة، مع إيران.
ويستشعر نتنياهو أن ثمّة ما يُخفَى عنه منها، فيما اللازم، على ما يرى، أن يُستأذَن في كل تفصيلٍ يُتداول فيه.
ولذلك ليس من وسيلةٍ لمعرفة ما يجري طبخُه في واشنطن بشأن إيران غير التنصّت على هواتف ويتكوف وآخرين في طواقم البنتاغون والبيت الأبيض.
وقد ذكرت قناة عبرية أن نتنياهو أبدى، في جلسات مغلقة لحكومته، قلقه من اتفاقٍ قد يتبلور بين الولايات المتحدة وإيران، معترفاً بأن إسرائيل" لا تملك حاليّاً هامش مناورة يسمح لها بالتأثير على قرارات ترامب".
لا داعي هنا إلى تذكّر الأميركي اليهودي، جوناثان بولارد، والسنوات الثلاثين التي أمضاها سجيناً عقوبة تجسّسه لإسرائيل ونقله إليها معلومات عسكرية وأمنية.
لا داعي إلى التأشير إلى بديهيّة أن الدول تتجسّس على بعضها، وإنْ كانت على تحالفٍ أو صداقةٍ أو مصالح مشتركةٍ.
لا داعي إلى التذكير بأن الولايات المتحدة أكثر دولة تُنفق على الأنشطة الاستخبارية التي تتنوّع أجهزتها التجسّسية داخلياً وخارجياً، وأنها تتنصّت بلا حرج على هواتف رؤساء ومسؤولين كبار في غير بلد (لم يكن مفاجئاً تنصّتها على هاتف أنجيلا ميركل مثلاً).
ولكن ثمّة أكثر من داع إلى استثارة التفكير في الأسباب التي تجعل إسرائيل لا تطمئن تمام الاطمئنان إلى إدارةٍ أميركيةٍ لا شيء أكثر وضوحاً فيها من فائض صهيونيّة أركانها.
وهذا الملياردير مقاول العقارات ستيف ويتكوف (69 عاماً) كان قد وصف علاقته الخاصة بإسرائيل بأنها روحانية.
وهو الذي لم ير في عاميْن إبادةً مشهودةً في الشعب الفلسطيني في غزّة، ولم يكن من شواغل لحواسّه وجوارحه في أثنائها سوى المحتجزين الإسرائيلين (وأميركي) لدى المقاومة.
والبادي أن باعثه في تطويق إيران، في أثناء مفاوضاته معها، أن قنبلة إيرانيةً واحدةً يمكن أن تزيل إسرائيل، على ما أفضى في مارس/ آذار الماضي.
هل هو فزعٌ لا حدود له من إيران مستقرّة وذات قدرات عسكرية عالية وطموحات نووية، في جوانح نتنياهو، ويتوطّن في كل إسرائيلي، يجعل من التجسّس على ويتكوف وزملاء له في واشنطن ضرورياً، ولو استاءت الإدارة الأميركية من سعة هذا التجسّس؟ هل هو القلق الوجودي الذي يبلغ فيه الخوف (هل نقول اليهودي؟ ) مدىً لا قاع له، ويقيم في الإسرائيلي الذي تتسلّح دولته بأشد الأسلحة فتكاً، وتروّع العرب وقت تشاء، لكنه لا يحسّ بالأمان الكافي؟ ما الذي بالضبط على كل إدارة أميركية أن تصنعه للدولة العبرية حتى تكفّ هذه عن لعبة التجسّس، الطبيعي منه والعالي الذي يوضع فيه ستيف ويتكوف، وهو على الولاء إيّاه، في دائرة التحسّب؟
هذه أسئلةٌ وأخرى مثلها تتناسل بعضُها من بعض، وتحيّر من يحاول الوقوع على إجاباتٍ لها وتُربكه، فالمطلوب من ترامب أن يستجيب لخطط نتنياهو التي تنطرح عليه في غرفةٍ سوداء، شنّ حربٍ شرسةٍ على إيران يسقُط النظام هناك في غضونها، لا أن يخوض مفاوضاتٍ شاقةً في الممكن وغير الممكن، على ما يفعل ويتكوف وكوشنر وخبراء ومعاونون معهم.
هذا هو عُرف نتنياهو، وإلّا يَصبح أمنُ إسرائيل غير مضمونٍ تماماً، وإنْ في وسعها أن تقتل من تقتلهم في إيران نفسها، وفي لبنان وغزّة وغيرهما.
ولذلك إما أن يكون ستيف ويتكوف جوناثان بولارد آخر أو أن يتسامح مع تنصّتٍ على مكالماته الخاصّة وغير الخاصّة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك