على ضفاف نهر نيفا، حيث تصطدم رياح الشمال برخاء الجنوب، لم يكن منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي في نسخته التاسعة والعشرين مجرد محطة تقويم سنوية، " بل مرآة لزمن انكشفت فيه نخبة تتراقص فوق الجماجم ونهضت فيه أوطان تمسك بجذورها في قاع التاريخ.
فمنذ عقود، اعتاد العالم أن ينظر إلى قمم الجبال السويسرية حيث يجتمع من يظنون أنهم" أسياد الكون" في منتجع دافوس؛ هناك، يتعانق مدراء الصناديق الاستثمارية مع رؤساء الحكومات، وتُعقد الصفقات خلف أبواب مغلقة، وتُصاغ السياسات العالمية ليس باسم الشعوب، بل باسم النظام القائم على القواعد.
في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، تحولت العملية السياسية إلى سلعة تباع بالمزاد العلني، وأصبح رسم سياسات الدول بيد نخب خاضعة تماما لتوجهات طبقة اولغارشية عابرة للحدود، لا نابعة من إرادة الشعوب.
فخرج النظام من رحم هذه العولمة المتوحشة منتجاً للأزمات بانتظام: أزمة 2008، جائحة كورونا، حروب الطاقة، اضطراب سلاسل التوريد.
كل أزمة كانت فرصة ذهبية للنخبة الدافوسية لتعزيز ثرواتها، بينما تتحمل الشعوب الفواتير المرتفعة.
هكذا، لم يعد منتدى دافوس نادياً للحكماء، بل مختبراً لتخريج تكنوقراط بلا جذور، يجيدون لغة الأرقام ويتقنون فن إدارة الأزمات لصالح كارتلات عابرة للقارات، صاروا طبقة فوق وطنية ولاؤها للربح لا للوطن.
وبينما كانت نخبة دافوس تنعم بوهم السيطرة، كان على الجانب الآخر من أوروبا، حيث ينفتح نهر نيفا على بحر البلطيق، يُكتب فصل مختلف تماماً.
ففي الرابع من يونيو 2026، وعلى أراضي روسيا التي زعموا أنها معزولة، افتتحت الدورة التاسعة والعشرون لمنتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الدولي تحت شعار لم يكن اعتباطيا: «الحوار البراغماتي – الطريق إلى مستقبل مستقر».
لم يأتِ الشعار ليغازل العواطف، بل ليشن حرباً صامتة على منطق «دافوس» القائم على الخطابة الفارغة والإدارة الباردة للأزمات.
والنتائج كانت: 1084 اتفاقية موقعة بقيمة تجاوزت 88.
56 مليار دولار، و24 ألفاً و500 مشارك من 142 دولة، بينها دول أوروبية كألمانيا وأخرى عربية كالسعودية – ضيف الشرف – وأميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا.
وللمفارقة التاريخية، كانت هذه أول مشاركة أميركية رسمية منذ عشر سنوات، برئاسة مهندس معماري اسمه رودني كوك يحمل تحيات الرئيس ترامب إلى «صديقه العزيز» بوتين.
لم يكن الحضور مجرد أرقام باردة؛ كان إعلاناً أن روسيا لم تخرج من النظام العالمي، بل ساهمت في مخاض نظام جديد، نظام لا يُدار من غرف مغلقة في سويسرا، بل من حوار مباشر بين دول ذات سيادة.
ولعل أبلغ تجسيد لهذا التحول كان وقوف المملكة العربية السعودية – حليف أميركا التقليدي وحارس النفط العالمي – كضيف شرف إلى جانب روسيا.
لم تكن الرياض لتفعل ذلك لو لم تكن قرأت تحول ميزان القوى قراءة صائبة.
وهنا لا بد من التساؤل: ما الذي دفع الرياض وأبوظبي إلى إعادة توجيه بوصلتهما نحو الشرق؟ الجواب يكمن في محور آخر من محاور هذا التحول الكبير، محور يمتد من طهران إلى بيروت، حيث أثبت صمود إيران ومحور المقاومة أنه قادر على تغيير معادلات القوى في غرب آسيا بطرق لم تكن واردة في حسابات النخبة الغربية.
فلم يكن هذا الصمود مجرد قدرة على الدفاع، بل تحول إلى عامل ضغط استراتيجي أعاد تعريف التكلفة السياسية والعسكرية في المنطقة.
عندما أثبت المحور أنه قادر على استنزاف الخصوم وتغيير الوقائع الميدانية، أدركت دول الخليج (الفارسي) أن النموذج الأمني التقليدي القائم على الاستقرار والرفاه مقابل الحماية الغربية لم يعد مضموناً، وأن الورقة الأميركية في المنطقة أصبحت أقل موثوقية.
هذا الإدراك خلق فراغاً استراتيجياً، لم تعد الخيارات فيه محصورة في الانصياع لرعاة البقر، بل فتح الباب أمام قوى أخرى: روسيا والصين.
وهكذا، تحولت السعودية والإمارات من المراهنة على الأحادية القطبية إلى احتضان التعددية، منضمتين إلى" بريكس" ومنظمة شنغهاي، ومحولتين النفط من سلاح ضد إيران إلى أداة للتفاوض مع واشنطن ومنصة للتعاون مع موسكو وبكين.
في بهو سان بطرسبورغ الضخم، عرضت السعودية «رؤية 2030» وعلى منصة التوقيع أعلن الجانبان عن 30 اتفاقية عملاقة تغطي الطاقة والصناعة والتعدين والتعليم والخدمات اللوجستية، احتفاء بمرور مائة عام على العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وموسكو.
هذا التحالف لم يكن مجرد تبادل تجاري، بل كان رسالة مباشرة لواشنطن ودافوس معاً: «غرب آسيا لم يعد ساحة خلفية للصراعات الأميركية، بل لاعباً رئيسياً في تشكيل النظام العالمي الجديد».
ولم تكن السعودية وحدها من حضرت لتؤكد على هذا التحول؛ فإيران، التي طالما وصفت بالخصم الإقليمي، حضرت بوفد رفيع المستوى وكان حضورها مختلفاً: لم تكن طهران في سان بطرسبورغ لتطلب شيئاً، بل لتوقع عقوداً تعيد تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي.
ففي مشهد يعكس ثقة متبادلة نادرة، كشفت كواليس المنتدى عن تحالف نووي ضخم، حيث وقعت موسكو وطهران على مذكرة تفاهم بقيمة 25 مليار دولار لتوسعة محطة" بوشهر" للطاقة النووية، وإطلاق" مشروع هرمز" لبناء أربع محطات جديدة بقدرة 5 جيغاواط، في صفقة وصفت بأنها الأكبر في تاريخ التعاون السلمي بين البلدين.
لكن الأكثر عمقاً من النووي كان البعد اللوجستي، حيث تم التوقيع على اتفاق نهائي لاستكمال شريط السكة الحديدية" رشت-آستارا"، وهو الجزء الأخير والأهم في المسلك الغربي للممر الدولي للنقل" شمال-جنوب".
هذا المشروع، الذي تبلغ قيمته الإجمالية 1.
6 مليار يورو، يختصر زمن الشحن من 45 يوماً إلى 10 أيام فقط، ليربط روسيا مباشرة بالمحيط الهندي والخليج الفارسي.
وفي خطوة موازية لكسر العزلة المالية، أعلن بنك" في تي بي" (VTB)، ثاني أكبر بنك في روسيا، عن استلام الموافقة المبدئية من البنك المركزي الإيراني لتحويل مكتبه التمثيلي في طهران إلى فرع مصرفي كامل، مما يجعله أول بنك روسي يعمل بشكل مباشر في السوق الإيرانية.
ولم تقتصر مشاركة إيران على هذه الصفقات الكبرى فقط، بل امتدت إلى توقيع اتفاقيات تعاون اقتصادي مباشر مع الأقاليم الروسية؛ حيث حضر الوفد الإيراني مراسم التوقيع على مذكرة تفاهم للتعاون بين" مجموعة مير بيزنس المالية" وغرفة التجارة والصناعة في جمهورية داغستان، في خطوة تعكس الرغبة في تعميق الشراكة الاقتصادية على مستوى الأقاليم.
بهذا الحضور الشامل والمتنوع، أثبتت إيران أنها ليست مجرد دولة تستفيد من الفراغ الجيوسياسي، بل هي مهندس فاعل لهذا النظام الجديد، وحجر زاوية في جسر برّي يصل المحيط الهندي بالقطب الشمالي.
ومن على المنصة نفسها، بعد أن شهد العالم هذا التحالف السعودي الروسي الإيراني غير المسبوق تحت سقف واحد، لم تمر كلمة رئيس «روسنفت» الروسية إيغور سيتشين مرور الكرام.
في جلسة حملت عنواناً سينمائياً – «بداية النهاية أم نهاية البداية: ما تبقى في قاع صندوق باندورا؟ » – فضح سيتشين التناقض الصارخ قائلاً: «المستفيد الأكبر من أزمة غرب آسيا، بلا شك، هو الشركات الأميركية».
وأوضح أن أميركا تشعل الحرائق في المنطقة، ثم تبيع الإطفاءات لأوروبا وآسيا بأسعار خيالية، محطمة أرقاماً قياسية في تصدير الهيدروكربونات.
وصندوق باندورا، في لغة الجغرافيا السياسية، ليس مجرد أسطورة؛ إنه استعارة دقيقة للمخاطر التي تولدها الخطوة الأولى غير المدروسة: قرار واحد يفتح باباً لا يُغلق، ويُطلق سلسلة أزمات تتساقط كالدومينو.
وكأنه يقول احذر الخطوة الأولى التي لا تعرف عواقبها الأخيرة.
وأما صندوق باندورا الغربي، كما يراه سيتشين، فهو مجموعة السياسات التي أطلقتها نخبة دافوس: العولمة المفرطة، الأسواق المالية بدون ضوابط، العقوبات كسلاح سياسي، وتسييس البنوك المركزية.
هناك الوحش الأول: هيمنة الدولار، التي تحولت من أداة تبادل إلى سيف يقطع أرزاق الشعوب.
وهنا، من على منصة المنتدى نفسه، أطلق الرئيس بوتين حكمه القاطع: «استخدام الدولار كسلاح سياسي هو خطأ استراتيجي فادح».
كلمات بوتين لم تكن مجرد نقد عابر، بل كانت شهادة وفاة مبكرة لنظام كان يظن نفسه أبديا.
ومن هنا يأتي سؤال سيتشين الصاعق: هل نحن أمام «بداية النهاية» لهذا النظام الفوضوي، أم أنها «نهاية البداية» لنظام آخر أكثر استقراراً؟ الجواب، من على منصة سان بطرسبورغ، كان واضحاً: النخبة العابرة للقارات انكشفت، ولم يعد بإمكانها إدارة العالم كشركة مساهمة.
الشعوب تستيقظ، والدول تستعيد سيادتها.
وإذا كان الغرب هو من فتح صندوق باندورا، فمحور المقاومة سوف يغلقه.
ليس بدافع الخوف، بل بدافع الثبات الذي لا يلين.
لقد واجه المحور الوحوش التي أطلقها الغرب بإرادة لا تعرف الانكسار، ومع كل موجة فوضى، ازدادت جذوره رسوخاً.
والآن، في قاع ذلك الصندوق، يبقى الأمل.
ليس أمل الضعيف الذي ينتظر النجدة، بل أمل الصامد الذي يعرف أن النهاية دائماً لمن يصبر.
محور المقاومة لم يفتح صندوقاً جديداً، بل أمسك بغطاء الصندوق الذي فتحه الغرب، ويطبقه بيد ثابتة، ليس ليعيد وحوش الفوضى إلى حبسها فقط، بل ليخرج الأمل عارياً من كل خوف، ليكون البذرة التي ينبت منها نظام جديد لا وصاية فيه ولا هيمنة.
وفي مشهد موازٍ يعكس تعقيدات هذه المرحلة الانتقالية، لم يكن حضور الوفد الأميركي برئاسة رودني كوك مجرد زيارة بروتوكولية، بل اختباراً حقيقياً لقدرة واشنطن على التعامل مع واقع متعدد الأقطاب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك