ألقى رحيل نائب رئيس الوزراء ووزير الطاقة والصناعة القطري السابق عبد الله بن حمد العطية الضوء على قصة نجاح قطر في الاستثمار الأمثل لموردها الطبيعي، الأبرز، من الغاز الطبيعي المسال وتحويله خلال خمس سنوات من العمل المضني والأمل والتفاؤل من مَورد عديم القيمة الاقتصادية إلى مصدر ثروة سيادي للدولة وشريان عالمي للطاقة والأمن الغذائي.
وبرحيل العطية تفقد قطر الأب الروحي لصناعة الغاز الطبيعي المسال والملهم الذي أنشأ قاعدة وبنية تحتية تصلح أساساً للبناء عليها والنمو والتطوير في المستقبل، وأسس جيلاً من الخبراء القطريين والعرب والأجانب في مجال إسالة الغاز حقق إنجازاً أبهر العالم، وقاد إلى تربع قطر على قمة سوق الغاز المسال وأسمدة اليوريا حول العالم، وبرحيله يفقد الاقتصاد العالمي واحداً من أبرز المؤسسين لصناعة الغاز الطبيعي المسال وناقلاته ومنتجاته المصاحبة من الأسمدة الزراعية والمنتجات الكيميائية والتصنيعية، والتي قادت قطار التصنيع والإنتاج الزراعي والرفاه الاقتصادية ليس في قطر وحدها، بل في دول كثيرة حول العالم من اليابان وكوريا الجنوبية والصين في شرق آسيا، مروراً بفرنسا وإيطاليا والنرويج وبريطانيا في أوروبا، وصولاً إلى الولايات المتحدة.
بصراحة وجرأة وتواضع يفتقدها كثير من المسؤولين في الشرق والغرب، يكشف العطية في مقابلة تلفزيونية سر نهضة قطر في قطاع الغاز الطبيعي، وتحولها التاريخي من دولة تشرف على حافة الإفلاس إلى أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال، وكيف يصنع المخلصون الثروة لأوطانهم.
برحيل العطية تفقد قطر الأب الروحي لصناعة الغاز الطبيعي المسال والملهم الذي أنشأ قاعدة وبنية تحتية تصلح أساساً للبناء عليها والنمو والتطوير في المستقبلوبأخلاق الفارس النبيل وإنكار للذات، يعترف بالفضل لأهله وبالدور الملهم للأمير الوالد، ولي العهد في حينه الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي أولاه ثقته ورشحه وزيراً للطاقة ووضع كل ثقله في حقل غاز الشمال، ولفت نظره إلى أهميته بالنسبة للاقتصاد القطري ورغبته الكبيرة في تطويره وكلفه بتطويره والاستثمار فيه، رغم أن شركات الطاقة العالمية كانت تهمل اكتشافات الغاز الطبيعي لعدم جدواها الاقتصادية.
فقد اكتشفته شركة شل عام 1971 وكان أكبر حقل هيدروكربوني منفرد في العالم، ولكن اكتشافه شكّل صدمة لقطر وللشركة، فهو حقل غاز وليس بترولاً، وكان الجميع في ذلك الوقت يبحثون عن النفط وليس عن الغاز، ولذلك تركت" شل" الحقل وغادرت لأنه ليس له قيمة اقتصادية.
يقول العطية" رشحني الشيخ حمد لوزارة الطاقة والصناعة في سنة 1992 وكانت قطر على حافة الإفلاس، جراء تدهور أسعار النفط إلى أقل من عشرة دولارات للبرميل وانخفاض إنتاج قطر من 600 ألف برميل يومياً إلى 400 ألف برميل، وكان إنتاج قطر من الغاز صفراً، وأصبحنا على مفترق طرق، إما تطوير حقل الشمال، أو نكون في مهب الريح، وكانت التحديات صعبة أو مستحيلة، كيف نطور هذا الحقل الضخم وكيف نجد زبوناً نوقع معه عقداً طويل الأجل لشراء الغاز الطبيعي القطري لمدة 25 سنة".
وهنا جاء دور العطية المنتظر.
ويردف" أسسنا شركة قطر غاز، وتملك قطر 70% منها وكل من شركتي بي بي وتوتال 10% لكل منهما، والحصة الباقية لشركتين يابانيتين، ولكن لم يكن لدينا مشتر للغاز.
وبدأنا نفكر في آسيا، وتحديداً في ثلاث دول كانت من أكبر المستهلكين للغاز في العالم، اليابان ثم كوريا الجنوبية فتايوان، وهذه الدول تحصل على إمداداتها من الغاز من حقل في إندونيسيا كانت تديره شركة موبيل، ومن حقلين في ماليزيا وبروناي تديرهما شل".
يتحدث العطية عن أن قطر" بدأت البحث عن الزبون الأول للغاز الطبيعي المسال"، إلى أن نجحت في توقيع أول عقد مع شركة تشوبو إلكتريك اليابانية التي توفر الطاقة لمنطقة اقتصادية وصناعية، فيها كبرى الشركات اليابانية مثل شركة تويوتا لصناعة السيارات، لشراء ستة ملايين طن من الغاز القطري المسال.
ويكشف عن الصعوبات التمويلية للمشروع الأول والعجز عن توفير حصة الـ30% القطرية محلياً، وكيف لجأت قطر إلى البنوك العالمية لتأمين التمويل، ومر الرجل بمحطات محبطة وكاد الحلم أن يتبخر، وبصعوبة بالغة ومفاوضات استغرقت عدة أشهر نجح وفريق عمله في إقناع بنك ياباني يدعم المشاريع اليابانية في الخارج بتمويل مصنع التسييل بمبلغ مليوني دولار فقط ولفترة سداد طويلة الأجل وبفوائد بسيطة، الذي تحول لاحقاً إلى قصة نجاح عالمية جعلت قطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم.
بعد خمس سنوات من العمل المضني، حدثت المعجزة وتحقق الحلم ونجحت قطر في تصدير أول شحنة من الغاز المسال إلى شركة تشوبو في سنة 1997وبعد خمس سنوات من العمل المضني، حدثت المعجزة وتحقق الحلم ونجحت قطر في تصدير أول شحنة من الغاز المسال إلى شركة تشوبو في سنة 1997.
أما ناقلات الغاز المسال والتي لا تملك قطر واحدة منها، فقامت شركة يابانية ببناء عشر ناقلات يملكها اليابانيون.
ووفق الأنظمة التجارية، عادت ملكية الناقلات إلى قطر بعد مرور 15 سنة، ونجحت قطر نجاحاً كبيراً، وأقامت احتفالاً كبيراً في عام 2010 بمناسبة وصول إنتاج قطر من الغاز الطبيعي المسال إلى 77 مليون طن سنوياً، ومنذ ذلك الوقت أصبحت قطر أكبر دولة مصدرة للغاز المسال في العالم من موقع واحد.
وبعد 22 عاماً، احتفلت شركة قطر غاز بتسليم الشحنة رقم ثلاثة آلاف من الغاز الطبيعي القطري المسال إلى اليابان.
وفتح عقد الشركة اليابانية الباب أمام عشرات العقود مع كوريا الجنوبية والصين والهند.
وبعد اندلاع الحرب على أوكرانيا، توجهت أوروبا نحو الغاز القطري الواعد.
فوقعت عقداً لمدة 15 عاماً لتوريد أول صفقة لأوروبا من مشروع توسعة حقل الشمال بحجم مليوني طن سنوياً إلى ألمانيا لمدة 15 عاماً في نوفمبر/تشرين الثاني 2022.
وبعده بعام واحد، وقعت أكبر اتفاق وأطوله لتوريد الغاز لأوروبا من مشروع توسعة ضخم في حقل الشمال الشرقي، ما يوفر لفرنسا 3.
5 ملايين طن متري من الغاز الطبيعي المسال سنوياً لمدة 27 عاماً.
ووقعت عقداً مع بريطانيا، لتزويدها بنحو 30% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي من خلال ميناء بني لخدمة الغاز القطري، وأصبحت قصة مثيرة، حيث" وصلت قطر إلى القمة من لا شيء"، وفق تعبير العطية.
ووقعت عقوداً مع إسبانيا وبلجيكا وبولندا وإيطاليا.
وبناء على الخبرة القطرية التي أسس لها العطية، قررت قطر أن تذهب بثقة للاستثمار في كل مكان يوجد فيه غاز طبيعي وضربت مثالاً آخر لذلك في بيئة مختلفة جغرافياً وبعيدة عن توترات الخليج العربي، فأعلن سعد بن شريده الكعبي، وزير الدولة لشؤون الطاقة، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة في إبريل/نيسان الماضي تصديرَ أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال من مشروع غولدن باس في سابين باس بولاية تكساس الأميركية، وهو مشروع مشترك بين قطر للطاقة وشركة إكسون موبيل باستثمارات بلغت 10 مليارات دولار.
في سنة 2015، تكبدت موازنات الدول العربية المصدرة للبترول خسائر ضخمة بسبب انهيار الأسعار من 110 دولارات للبرميل في سنة 2014، إلى 42 دولاراً.
وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، خسرت دول الخليج نحو 500 مليار دولار.
وانخفضت أسعار الغاز الطبيعي من 12 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية إلى 2.
61 دولار، بسبب ارتباط أسعار الغاز بالنفط، اللذين يشكلان 90% من إيرادات هذه الدول، ولأن الدول العربية تصدر أكثر من 90% من الغاز في صورته الخام أو المسال بأسعار رخيصة لعشرات السنين، من دون أي استثمار في قيمته المضافة.
والعجيب أن حكومات الدول العربية المصدرة للغاز ظلت تعتمد في تشغيل المصانع وإنتاج الكهرباء على السولار والبنزين، والمازوت الأكثر تلويثاً للبيئة، بل الفحم الحجري، ما كلف الموازنة العامة لدولها فاتورة ضخمة.
لكن قطر لم تفوت الفرصة البديلة، وأعطت الدول المجاورة المصدرة للغاز درساً في تحويل حصة معتبرة من إنتاجها من الغاز الخام واستثماره في صناعة منتجات أعلى قيمة من الغاز مثل الأسمدة، ولا سيما أن الغاز الطبيعي يشكل 70% من صناعة اليوريا، الأعلى سعراً.
وقبل عقدين اقتحمت مجال انتاج اليوريا مستغلة الفرصة البديلة وتزايد الطلب عليها للأغراض الزراعية بمعدل 4% سنوياً مدفوعة بالطلب العالمي المتزايد على الغذاء والمتوقع أن يزداد بنسبة 60% بحلول عام 2050 بوصول عدد السكان إلى عشرة مليارات نسمة.
وعندما انخفضت أسعار النفط في سنة 2015 بمعدل 60% والغاز 50%، لم تنخفض أسعار اليوريا بأكثر من 5% فقط في عام واحد.
وها هي شركة قطر للطاقة تعمل منذ سنتين لتصبح أكبر مُصدِّر لليوريا في العالم لرفع الإنتاج من 6.
5 ملايين طن سنوياً حالياً إلى 13 مليون طن بحلول عام 2030 وذلك لتعظيم العائد من الغاز ولدعم الأمن الغذائي العالمي.
وعلى البنية التحتية والفوقية التي أرسى قواعدها الأمير الوالد وعبد الله العطية، تستمر إنجازات الغاز القطري في عهد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بتصنيع منتجات أكثر ربحية من الغاز الطبيعي مثل المكثفات، وهي مادة أغلى من النفط، وأنشأت أكبر مصفاة للمكثفات في العالم، بمعدل 750 ألف برميل يومياً، واشتقاق غاز الهيليوم من الغاز الطبيعي وأصبحت قطر أكبر دولة مصدرة لهذه المادة، وتوسعت في إنتاج الكبريت ومواد التعبئة والتغليف والبتروكيماويات والميثانول وغيرها من مشتقات الغاز بهدف تعظيم العائد وتنوع مصادر الثروة.
وأنشأت قطر مصنع" جي تي إل"، لتحويل الغاز الجاف إلى وقود الديزل، ومصنع" أوركس جي تي إل" لإنتاج 34 ألف برميل من الوقود الاصطناعي يومياً، وغطى تكاليف إنشائه بالكامل في غضون ثلاث سنوات فقط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك