أشهر طويلة قضاها بين الغيبوبة وغرف العمليات والعناية المركزة.
مستسلمًا لمشارط الجراحين التي كانت تسابق الزمن لإنقاذه من الموت.
بعدما أصابته رصاصة غادرة أثناء أداء واجبه.
ورغم قسوة الرحلة.
لم تنكسر عزيمة العقيد ساطع النعماني، نائب مأمور قسم بولاق الدكرور.
الذي عاد إلى مصر يوم 18 سبتمبر 2014 بعد رحلة علاج استمرت قرابة تسعة أشهر خارج البلاد.
ليسجد على أرض مطار القاهرة شكرًا لله على نجاته وعودته إلى وطنه.
وتتزامن هذه الذكرى مع اقتراب ذكرى ثورة 30 يونيو.
التي شهدت خروج الملايين دفاعًا عن الدولة المصرية.
وواجه خلالها رجال الشرطة والقوات المسلحة موجات من العنف والإرهاب.
وكان العقيد ساطع النعماني أحد أبرز هؤلاء الأبطال الذين دفعوا ثمنًا باهظًا خلال تلك المرحلة.
بعدما فقد بصره أثناء تصديه للعناصر الإرهابية في أحداث بين السرايات عقب الثورة.
عندما التقيته يوم 19 سبتمبر 2014 داخل منزله بمنطقة الهرم.
كان يجلس بثبات وثقة لافتين.
وكأنه انتصر على الألم نفسه.
لم يكن يتحدث عن إصابته باعتبارها مأساة.
بل كان يتحدث عنها باعتبارها واجبًا أداه في سبيل وطنه.
قال لي يومها: «أنا كنت ميت في الوقت ده، بس كنت فرحان إني هموت شهيد.
والحمد لله ربنا كتب لي عمر جديد».
أضاف أن دعوات والدته وزوجته ونجله ياسين كانت سببًا في نجاته.
وأكد أن أول ما فعله عقب عودته إلى مصر كان البحث عن والدته وتقبيل قدميها.
وخلال الحوار.
استعاد سنوات خدمته في الإدارة العامة للعمليات الخاصة.
متذكرًا العديد من المأموريات الخطرة التي شارك فيها لملاحقة العناصر الإجرامية شديدة الخطورة.
قبل انتقاله للعمل بمديرية أمن الجيزة.
حيث تنقل بين عدة مواقع أمنية حتى تولى منصب نائب مأمور قسم بولاق الدكرور.
أما اليوم الذي لا يغادر ذاكرته فكان 3 يوليو 2013.
عندما تلقى استغاثات من أهالي منطقة بين السرايات بسبب إطلاق عناصر الإخوان الإرهابية الرصاص بشكل عشوائي من محيط جامعة القاهرة.
لم يتردد في التحرك على رأس قوة أمنية لحماية المواطنين وإعادة السيطرة على الأوضاع.
حكى لي تفاصيل تلك اللحظات قائلاً إن المنطقة كانت تشهد إطلاق نار كثيفًا.
وإن عناصر مسلحة اعتلت مواقع مرتفعة وأطلقت الرصاص على الأهالي وقوات الشرطة.
وبعد دقائق من وصوله إلى موقع الأحداث.
أصيب بطلق ناري مباشر في الوجه أفقده الوعي.
قبل أن يفقد بصره بشكل كامل.
ورغم الإصابة القاسية.
ظل ممتنًا لكل من ساندوه خلال رحلة العلاج.
وكان يردد بفخر: «سجدت على أرض المطار عشان أحمد ربنا إني رجعت مصر تاني.
وهنخلي بالنا من مصر».
وبعد نحو أربع سنوات من ذلك اللقاء.
رحل العقيد البطل متأثرًا بإصابته أثناء استكمال العلاج خارج البلاد، ليفارق الحياة في 14 نوفمبر 2018.
بعدما سطر واحدة من أصدق حكايات التضحية والفداء.
رحل الشهيد ساطع النعماني.
لكن بقي اسمه حاضرًا في ذاكرة الوطن.
باعتباره أحد الأبطال الذين واجهوا الإرهاب في أعقاب ثورة 30 يونيو.
وقدموا من صحتهم وأعمارهم الكثير من أجل أن تبقى مصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك