ليس كل ما نراه حولنا اليوم جديدًا ولكن هناك الكثير من الجديد، ومنذ أقل قليلاً من عشر سنوات طرحت رؤية حول تفسير الصراعات الإقليمية حولنا وكيف أنها لا تحسم كونها تحولت إلى منصات لممارسة النفوذ من جانب القوى الإقليمية والدولية فى ظل عالم يشهد تحولات وانتقالاً من عالم هيمنة واشنطن إلى حالة غموض وعدم تبلور، ولن أدخل فى هذا الحديث الآن وتعقيداته والكل من المتخصصين وغيرهم يشاركون فى هذا الحوار، وأتركه جانبًا بعض الوقت لطرح ما أظنه إضافة لتفسير تعثر التسويات.
على أنه ربما يكون من المفيد تذكر ما يعرفه الكثيرون من أن أغلب الحروب المعاصرة إن لم يكن النسبة الأكبر بعد الحرب العالمية الثانية لم تعرف انتصارًا للطرف الأقوى عسكريًا وسياسيًا، من فيتنام إلى حروب أفغانستان السوفيتية والأمريكية إلى حرب غزو الولايات المتحدة للعراق؛ ففى كل هذه الحالات لم تخرج القوى الكبرى منتصرة، دمرت خصومها بدرجة كبيرة ولكنها لم تنتصر.
ومن منظور قد لا يتقبله كثيرون فإن القوى الوطنية بكل ملابساتها قد حرمت القوة الغازية الأكبر من النصر؛ قد تبدو حالة فيتنام هى الأكثر وضوحًا بهذا الصدد فقد انتصرت الحركة الوطنية أيا كان ما تمثله من توجهات سياسية ولكن كان النصر واضحًا، بينما فى أفغانستان انتصرت قوى محلية بدعم خارجى واضح ضد القوى السوفيتية، وبعد عقود من انتصار وهمى أمريكى سلمت السلطة لنفس الطرف الذى دخلت الحرب لإزالته أى طالبان، وأيا كانت نظرتنا لطالبان فإن القوى الوطنية انتصرت على الغزاة.
وفى حالة العراق أكثر تعقيدًا ولم تحسم بعد وما هو واضح أن الولايات المتحدة لم تحقق أهدافها والوضع ملتبس بشكل كبير ولا تبدو فصوله قد انتهت.
وكنت قد كتبت منذ سنوات وتحديدًا فى بدايات عام ٢٠١٨ بعنوان «تفسير بطء تسويات الأزمات الإقليمية» حول ملفات الصراع فى سوريا وليبيا واليمن وبشكل مختلف العراق ولبنان وانضمت إليها السودان تاليًا لدراستى سابقة الذكر، كان أن هذه الصراعات أصبحت جزءًا من حركة الصراع الدولى والإقليمى وشجعت الأطراف الخارجية والإقليمية لكى تحتفظ كل منها بأدوات وأوراق نفوذ لكى تصبح هذه القوى فاعلاً فى الترتيبات الدولية المقبلة.
وبمزيد من التأمل أيضًا هناك أشكال أخرى تعقد التسويات وهى الطبيعة الملتبسة لكل الحروب المعاصرة التى نراها أمامنا والتى تشكل مجتمعة سياق تحولات المجتمع الدولى التى قد تكتمل أو لا تكتمل، والمقصود بالالتباس هو —تبسيطًا للأمور— صعوبة تمييز الحق من الباطل.
ونظرة على الحرب الدامية المستمرة منذ سنوات وتحصد آلاف القتلى كل أسبوع وهى الحرب الأوكرانية ستوضح هذا الالتباس بمعنى أنه لا يوجد خير فى جانب وشر فى الجانب الآخر، فهناك تجاوزات غربية واستفزاز لموسكو وإهانة لمكانتها الدولية وتهديد لأمنها القومى عندما كان الحديث متزايدًا عن ضم أوكرانيا لحلف الناتو والاتحاد الأوروبى —وهو أمر عاد الحديث إليه مجددًا إلى السطح— وتعديات مؤكدة على الأقلية الروسية فى شرق أوكرانيا، وهناك عدوان صارخ وانتهاك للقانون الدولى ولسيادة دولة مستقلة على الجانب الآخر، وهنا أوافق الرئيس ترامب على أنه كان يمكن منع الحرب وهذا الاستنزاف وهذه الحماقة لو كان هناك عقلاء أخلصوا فى إخراج الطرفين من هذا المأزق ولكن هذا لم يحدث، وتتواصل حرب يسقط فيها مئات الألوف على الجانبين وتتواصل عملية الاستنزاف ومظاهر العنصرية والخلفيات المتداخلة وأيا كان من سينتصر فإن الحق مهزوم فى الحالتين.
واسترجاع تاريخ الصراع فى سوريا كاشف للغاية عن قدر غير عادى من الالتباس بين معسكرى الصراع قبل وصول الشرع للحكم، وفى الحقيقة أننى كنت أجد صعوبة شديدة فى تقبل تأييد أى من المعسكرين المتصارعين، فريق الأسد والحكم الذى لا يعبأ بشعبه، وفى الطرف الآخر معارضة مسلحة أغلب فصائلها لا تنتمى للعصر الحديث ولا تتسق مع مفاهيم الدين والأخلاق وتمارس عنفًا وتجاوزات بشعة فاقت النظام الفاسد بحيث وجد الكثيرون فى مرحلة نهايات هذا النظام أن استيعابه وإعادته للترتيبات الدولية والإقليمية خيارًا مقبولاً، ولكن النظام سقط بملابسات ليأتى نظام جديد بملابسات أيضًا تثير كثيرًا من الأسئلة، ولا أتصور أن الملفات قد أغلقت بعد.
ولو توقفنا عند نموذج فج للتدخل والعدوان الخارجى وانتهاك القانون الدولى وهو قيام الولايات المتحدة بخطف الرئيس الفنزويلى مادورو وزوجته وتقديمه للمحاكمة، وما تلى هذا من سيطرة واغتصاب على موارد فنزويلا النفطية، وما قدمه هذا من نموذج على جريمة أمريكية مكتملة الأركان، ومع ذلك كان يمكن توقع مظاهرات عارمة فى فنزويلا إزاء انتهاك سيادتها وغضب شعبى شديد ولكن الواضح أن هذا لم يحدث بما يكشف حالة الالتباس فى هذه القضية.
ربما نحتاج لمساحة أوسع للنقاش أيضًا حول كافة سمات حالات الصراع الدولى الأخرى سواء فى منطقتنا أو خارجها لنخلص ببساطة إلى أن العالم لم يكن أبدًا متسقًا ولا معاييره واضحة فيما هو حق وما هو باطل، ولكن عالمنا المعاصر تخطى كل الحدود وانهارت المعايير ويسوده الالتباس ومن شأن هذا أن يضيف إلى أسباب عدم حدوث التسويات وانتهاء الصراعات.
العالم لم يكن أبدًا متسقًا ولا معاييره واضحة فيما هو حق وما هو باطل، ولكن عالمنا المعاصر تخطى كل الحدود وانهارت المعايير ويسوده الالتباس ومن شأن هذا أن يضيف إلى أسباب عدم حدوث التسويات وانتهاء الصراعات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك