في تطور لافت في مسار الحرب الأوكرانية، وجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي طلبا للقاء مباشر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في خطوة تعكس حجم التحولات التي تشهدها الساحة الدولية مع تطور الأحداث بالشرق الأوسط، وتتبدل أولويات القوى الكبرى وفق منطق المصالح لا العواطف.
زيلينسكي لم يكتف بالدعوة إلى اللقاء، بل طرح فكرة وقف شامل لإطلاق النار خلال فترة التفاوض، مقترحا عقد الاجتماع في دولة محايدة مثل سويسرا أو تركيا أو إحدى الدول العربية، بعيدا عن موسكو وكييف اللتين أثقلتهما سنوات المواجهة.
وقد بدت الرسالة الأوكرانية استثنائية مقارنة بخطاب التصعيد الذي طبع المرحلة الماضية، لتكشف عن رغبة متزايدة في فتح نافذة للحوار بعد أشهر طويلة من الاستنزاف سجلت فيها روسيا تقدما كبيرا في ساحات القتال.
الكرملين استقبل المبادرة بقدر من التهكم والانفتاح، معلنًا أن زيلينسكي مرحب به في موسكو في أي وقت، غير أن الموقف الروسي سرعان ما عاد إلى ثوابته المعروفة، إذ أكد الرئيس بوتين في اليوم التالي أن" أي لقاء على مستوى القمة يجب أن يسبقه اتفاق جدي وطويل الأمد يحدد أسس التسوية ويضمن استقرارها".
ويأتي هذا التطور في ظرف دولي بالغ التعقيد، فمع اتساع دائرة التوتر في الشرق الأوسط وتصاعد المواجهة المرتبطة بإيران، بدأت واشنطن تعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية وهو ما عبر عنه زيلينسكي نفسه عندما أقرّ بأن استمرار الأزمة الإيرانية قد يؤدي إلى تراجع مستوى الدعم الأمريكي لبلاده.
كما أن جزءا من القدرات العسكرية الغربية التي كانت مخصصة لأوكرانيا بات تتجه نحو ايران ولم يكن مستغربًا أن تتحدث مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي" كايا كالاس" عن انتقال بعض الإمكانات الدفاعية المطلوبة لأوكرانيا نحو الشرق الأوسط.
وهنا تنكشف الحقيقة العارية التي طالما حُجبت بالشعارات البراقة؛ فطالما شكّل الدعم الغربي المتدفق وقودًا لـ" حرب بالوكالة" أريدَ منها استنزاف روسيا وتصفية حسابات القوى الكبرى على الساحة الأوكرانية.
وبمجرد أن تحولت البوصلة الأمريكية والأوروبية نحو الشرق الأوسط، بدا واضحًا أن الغطاء قد رُفع، وأن" الوكالة" قد بلغت نهايتها، لتجد أوكرانيا نفسها وحيدة في مواجهة تبعات حربٍ لم تكن في العمق حربها.
في هذا السياق، يمكن قراءة المبادرة الأوكرانية باعتبارها محاولة لاقتناص لحظة سياسية جديدة فرضتها التحولات الدولية.
أما روسيا، التي تبدو أقل تأثرا بتبدل الأولويات الغربية بل والمستفيدة من الأحداث بالرفع الجزئي عن العقوبات، فتواصل إدارة الصراع من موقع أكثر ارتياحا، مستفيدة من عامل الوقت ومن التحسن النسبي في عائدات الطاقة ومن تراجع زخم الضغوط الغربية مقارنة بما كان عليه الوضع في السنوات الأولى للحرب، لذلك لا يبدو طلب اللقاء مجرد خطوة بروتوكولية أو مبادرة دبلوماسية عابرة، بل هو انعكاس لموازين قوى باتت تتغير بشكل ملحوظ وبارز.
فالعالم الذي كان يضع أوكرانيا في صدارة اهتماماته قبل أشهر قليلة، بات منشغلا بملفات أخرى أكثر إلحاحا.
وفي عالم السياسة، لا مكان للثوابت الدائمة؛ فالمصالح وحدها هي التي تحدد اتجاه البوصلة، أما الشعوب فتبقى، في كثير من الأحيان، الطرف الذي يدفع الكلفة الأكبر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك