قال رئيس قطاع البحوث بالمجموعة المالية هيرمس أحمد شمس الدين، إن عودة التصعيد الجيوسياسي في المنطقة من شأنها إعادة الضغوط الصعودية على أسعار النفط، بما ينعكس على معدلات التضخم العالمية ويغير الكثير من الافتراضات التي بنت عليها الأسواق توقعاتها خلال الفترة الماضية.
وفي مقابلة مع" العربية Business"، أوضح شمس الدين أن المستثمرين العالميين كانوا خلال الأشهر الماضية يراهنون على تهدئة التوترات الإقليمية، وهو ما انعكس في وجود خصم سعري (Discount) على أسعار النفط والأصول المختلفة، إلا أن أي تصعيد جديد سيؤدي إلى إعادة تسعير المخاطر بشكل سريع.
أسعار النفط تقفز 5% بعد تجدد الحرب بين إسرائيل وإيرانقال شمس الدين إن السيناريو الأساسي لدى المجموعة المالية هيرمس يفترض استقرار أسعار النفط ضمن نطاق يتراوح بين 75 و80 دولارًا للبرميل في حال نجاح المساعي السياسية وعودة الهدوء إلى المنطقة.
وأضاف أن الأسواق لا تتحرك وفق أوضاع العرض والطلب الحالية فقط، بل وفق توقعات المستثمرين للمستقبل، لذلك فإن أي اتفاق أو تهدئة قد يدفع الأسعار سريعًا نحو هذا النطاق السعري، مع بقاء علاوة مخاطر تتراوح بين 5 و10 دولارات للبرميل فوق مستويات ما قبل الأزمة.
في المقابل، حذر من أن استمرار التصعيد وتحوله إلى أزمة ممتدة تؤثر على سلاسل الإمداد العالمية قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات 150 دولارًا للبرميل أو أكثر، مشيرًا إلى أن حالة الهدوء النسبي التي شهدتها الأسواق كانت تستند أساسًا إلى قناعة بأن المفاوضات ستقود في النهاية إلى تسوية أو إلى ما وصفه ب" الرشد السياسي" في إدارة الأزمة.
اقتصادات الخليج لم تعد سلة واحدةوأشار شمس الدين إلى أن النظرة التقليدية لدول الخليج باعتبارها اقتصادات نفطية متشابهة لم تعد دقيقة، موضحًا أن كل اقتصاد خليجي بات يمتلك محركات نمو مختلفة خلال السنوات السبع إلى العشر الماضية.
وأوضح أن بعض الاقتصادات تعتمد بدرجة أكبر على التدفقات الأجنبية وأعداد المقيمين والزوار، بينما ترتكز اقتصادات أخرى على المحتوى المحلي والاستثمارات الداخلية، وهو ما يجعل مستويات المرونة الاقتصادية تختلف من دولة إلى أخرى.
وأضاف أن دول الخليج حققت خلال السنوات الأخيرة تقدمًا ملحوظًا في تنمية القطاعات غير النفطية، وهو ما وفر لها مصادر نمو إضافية إلى جانب القطاع النفطي، وإن كانت بعض هذه القطاعات قد تواجه تباطؤًا مؤقتًا في الزخم نتيجة التطورات الجيوسياسية الحالية.
السعودية في وضع مالي أقوى من المتوقعوفيما يتعلق بالاقتصاد السعودي، أكد شمس الدين أن المملكة تتمتع بمتانة مالية كبيرة، لافتًا إلى أن أسعار النفط الحالية تصب في مصلحة الميزانية العامة والميزان التجاري.
وأوضح أن أرقام الربع الأول قد تكون خادعة إذا تم تعميمها على كامل العام، إلا أن النظرة السنوية تشير إلى أن الأداء المالي للمملكة سيكون أفضل بكثير مما كانت تتوقعه الأسواق في بداية الأزمة.
وأشار إلى أن المخاوف التي سادت في بداية التصعيد بشأن اتساع العجز المالي دفعت بعض المستثمرين إلى التساؤل عما إذا كان العجز قد يصل إلى 6% أو حتى 10% من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت أن الوضع المالي أكثر تماسكًا مما كان يُعتقد.
وأضاف أن بعض القطاعات تأثرت بالتوترات الإقليمية، خصوصًا القطاعات المرتبطة بالاستهلاك والسياحة وتوقعات زيادة أعداد الوافدين والزوار، إلا أن قطاعات أخرى واصلت أداءها القوي.
البنية التحتية والبنوك في الصدارةلفت شمس الدين إلى أن الاستثمارات المحلية في السعودية لا تزال نشطة، وهو ما انعكس على أداء سوق الأسهم السعودية حتى خلال فترات التوتر.
وأوضح أن قطاع البنية التحتية والخدمات اللوجستية يحظى باهتمام استثماري متزايد، متوقعًا استمرار هذا الزخم لسنوات مقبلة، مشيرًا إلى أن المجموعة المالية هيرمس أعدت مؤخرًا دراسة تناولت فرص النمو في عدد من الشركات المدرجة المرتبطة بهذه القطاعات.
كما أكد أن القطاع المصرفي السعودي، سواء البنوك المدرجة أو المؤسسات المالية الخاصة، سيظل من أبرز القطاعات التي تستقطب اهتمام المستثمرين خلال المرحلة المقبلة.
مصر تواجه ضغوط الطاقة رغم قوة السياحةوبالانتقال إلى الاقتصاد المصري، أوضح شمس الدين أن تأثير ارتفاع أسعار النفط على مصر يختلف عن تأثيره على اقتصادات الخليج، نظرًا لكون مصر مستوردًا للطاقة.
وأشار إلى أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط تؤدي إلى زيادة عجز الحساب الجاري المصري بنحو 1.
5 مليار دولار، وهو رقم كبير بالنسبة لميزان المدفوعات.
وأضاف أن قطاع الطاقة يمثل التحدي الأكبر حاليًا، في ظل تراجع إنتاج بعض حقول الغاز الطبيعي مقارنة بالتوقعات السابقة، إلى جانب ارتفاع فاتورة الواردات النفطية والغازية.
ورغم ذلك، أكد أن قطاع السياحة لا يزال في وضع قوي للغاية، مشيرًا إلى أن مصر سجلت مستويات قياسية في أعداد السائحين، وأن الاستثمارات الجديدة في القطاع تتزايد بشكل ملحوظ، خاصة مع اقتراب الطاقة الاستيعابية الحالية من حدودها القصوى.
وفيما يتعلق بسعر صرف الجنيه المصري، أوضح شمس الدين أن التركيز المبالغ فيه على تدفقات المستثمرين الأجانب في أدوات الدين لا يعكس الصورة الكاملة.
وأشار إلى أن تحركات الأموال الأجنبية قد تؤثر على سعر الصرف في حدود تتراوح بين جنيهين وثلاثة جنيهات صعودًا أو هبوطًا، إلا أن العامل الحاسم على المدى المتوسط والطويل يتمثل في قدرة الاقتصاد المصري على توليد إيرادات دولارية مستدامة.
وأوضح أن مصر كانت تتجه قبل اندلاع الأزمة الأخيرة نحو مستويات تقارب 45 جنيهًا للدولار، مدعومة بتحسن الصادرات وزيادة إيرادات السياحة وتوقعات تعافي إيرادات قناة السويس، فضلًا عن تحسن نظرة المؤسسات الدولية للاقتصاد المصري.
وأضاف أن استمرار تحسن أساسيات الاقتصاد وعودة الاستقرار الجيوسياسي سيدعمان انخفاض سعر الصرف إلى ما دون مستوى 50 جنيهًا للدولار، مدفوعًا بتحسن تدفقات السياحة وإيرادات قناة السويس وتراجع الضغوط المرتبطة بالطاقة وخدمة الدين.
وأكد أن المستثمرين الدوليين يركزون بصورة أكبر على قدرة مصر على توليد العملة الأجنبية وخدمة التزاماتها الخارجية، أكثر من تركيزهم على التدفقات قصيرة الأجل إلى أدوات الدين، مشددًا على أن قوة الاقتصاد الحقيقي والعملية الإنتاجية هي العامل الأساسي في تحديد اتجاه سعر الصرف على المدى الطويل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك