ربما يبقى مصطلح" الساعة البيولوجية" غامضا رغم أن عشاق كرة القدم اعتادوا سماعه منذ سنوات طويلة، ولطالما اقترنت تلك" الساعة البيولوجية" بمشكلات مزعجة تصاحب اللاعبين عند السفر لمسافات طويلة.
وقد يظن كثيرون أن تلك المشكلات يمكن التغلب عليها إذا سافر الفريق مبكرا واستقر بمقر إقامته قبل عدد أيام كاف على خوض المباراة الأولى، لكن المسألة ليست لسوء الحظ بهذه البساطة، وإنما ترتبط بمعايير طبية أخرى.
العدو الخفي في مونديال 2026منذ انطلاق بطولة كأس العالم عام 1930 ولمدة 80 عاما كاملة، عجز أي منتخب أوروبي عن التتويج بأي نسخة أقيمت خارج القارة العجوز، وبقيت تلك" اللعنة" قائمة حتى كسرها منتخب إسبانيا في مونديال 2010 في جنوب أفريقيا، ثم تكرر الأمر ذاته في النسخة التالية حين فازت ألمانيا بمونديال 2014 في البرازيل.
تعددت محاولات تفسير الإخفاق الأوروبي الطويل، وتجاوزت فنيات وتكتيكات كرة القدم وقياس قوة المنتخبات أو مهارات اللاعبين إلى اعتبارات أخرى فتحدث خبراء عن تأثير اختلاف درجات الحرارة، وإقامة مباريات على ملاعب مرتفعة عن مستوى سطح الأرض مما يؤدي إلى الإرهاق الشديد ويسبب مشكلات في التنفس، كما ترددت مرارا أحاديث عن تأثير اضطراب" الساعة البيولوجية" الناتج عن الرحلات الطويلة وما يفعله بساعات النوم وعمليات الاستشفاء.
للساعة البيولوجية مع كأس العالم حكايات كثيرة، ربما لم توثق علميا كما ينبغي لكنها تبقى مع ذلك جزءا أصيلا من إرث بطولات كأس العالم حين تقام بعيدا عن القارة الأوروبية.
في مونديال 1994 بالولايات المتحدة، اختار المنظمون مواعيد غير معتادة للمباريات بهدف زيادة نسبة المشاهدة التلفزيونية في آسيا وأوروبا.
أدى ذلك إلى بدء عدد كبير من المباريات في منتصف النهار فعانى اللاعبون من درجات الحرارة المرتفعة وظهر جليا تأثير تغيرات الساعة البيولوجية، وانعكس ذلك مباشرة على مردودهم في المباريات.
انطلقت المباراة النهائية لمونديال 1994 في الساعة 12: 30 ظهرا بتوقيت مدينة باسادينا بولاية كاليفورنيا في يوم شديد الحرارة فجاء أداء إيطاليا والبرازيل دون المستوى المتوقع، وهي المباراة النهائية الوحيدة في تاريخ المونديال التي انتهت بالتعادل السلبي، قبل أن تحسمها ركلات الترجيح.
وخلال مونديال 2002 بكوريا الجنوبية واليابان تسبب فارق التوقيت الكبير في إرباك المنتخبات القادمة من قارات بعيدة لا سيما من أوروبا.
وعانت منتخبات كبرى على رأسها المنتخب الفرنسي حامل اللقب من الإرهاق الشديد، كما عجز اللاعبون عن الوصول إلى قمة مستواهم في الوقت المناسب، لا سيما بعد موسم أوروبي مرهق لم ينته إلا قبل أيام من انطلاق المونديال.
عجز" الديوك" في المونديال الآسيوي الأول عن تحقيق أي انتصار بالمباريات الثلاث بمرحلة المجموعات، ولم يحرزوا حتى هدفا واحدا، وأُقصيت فرنسا مبكرا جدا بعدما كانت تُوِّجت بالمونديال السابق على أرضها في 1998، علما بأنها تأهلت إلى المباراة النهائية في المونديال التالي في ألمانيا 2006.
وأجبر مردود المنتخبات الكبرى في مونديال 2002 بكوريا الجنوبية واليابان مسؤولي الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على تأخير مواعيد انطلاق النسخ التالية، وحرصوا دائما على توفير فترة كافية بينها وبين نهاية الموسم الأوروبي.
وفي مونديال 2014 أثرت مواعيد المباريات التي أقيمت في أوقات متأخرة من فترة ما بعد الظهر أو مطلع المساء، والتنقل المكثف بين مناطق مناخية متباينة في أنحاء البرازيل بشكل كبير على أداء المنتخبات الأوروبية.
وشكل اللعب في مدينة ماناوس، الواقعة في قلب غابات الأمازون، تحديا بدنيا قاسيا للمنتخب الإيطالي خلال مباراته الأولى ضد إنجلترا، إذ تجاوزت درجات الحرارة 30 درجة مئوية واقترنت برطوبة خانقة.
وأقر وقتها نجم خط الوسط الإيطالي أندريا بيرلو بأن المنتخبين عانا بشدة من جراء هذه الظروف المنهكة.
ورغم فوز إيطاليا بنتيجة 2-1، وجّه مدربها تشيزاري برانديلي انتقادات حادة لفيفا، واصفاً عدم السماح بفترات راحة لتبريد الجسم أثناء المباراة بأنه" ضرب من الجنون"، بينما قال لاعبون إنهم كانوا يعانون مما يشبه" الهلوسة" بسبب الرطوبة ونقص الأكسجين والارتباك الزمني.
وفي مفاجأة صارخة أُقصي المنتخبان العريقان من البطولة بعد المباريات الثلاث الأولى فيما تأهل منتخبا أوروغواي وكوستاريكا المعتادان على نفس المنطقة الزمنية عن تلك المجموعة.
الساعة البيولوجية.
ما هي؟تتعدد التعريفات الطبية لكن أغلبها يصف الساعة البيولوجية بآلية توقيت داخلية تعمل على تنظيم عمليات فسيولوجية وسلوكية وفق دورات زمنية محددة مثل النوم والاستيقاظ، وتؤثر على درجات حرارة الجسم ومستويات الهرمونات (مثل إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم).
وترتبط الساعة البيولوجية ارتباطاً وثيقاً بـ" إيقاع اليوم" الذي يتبع دورة الليل والنهار، وتتأثر بعوامل خارجية مثل الضوء والظلام.
ترتبك ساعاتنا البيولوجية لأسباب مختلفة أبرزها السفر عبر مناطق زمنية كثيرة، مما يجبر الجسم على البقاء مستيقظاً في أوقات اعتاد فيها النوم، ويعطل الإفراز الطبيعي لهرمون الميلاتونين، ويعطل هذا الحرمان من النوم الطبيعي تعافي العضلات وتجديد الأنسجة بعد التدريبات.
وتبلغ درجة حرارة الجسم أعلى مستوياتها في وقت معين من اليوم (عادة في فترة ما بعد الظهر والمساء بحسب التوقيت الأصلي للاعب)، وهو الوقت الذي تكون فيه العضلات في أقصى درجات مرونتها وقوتها.
ولهذا فإن" الانقلاب البيولوجي" يعني أن يكون جسم اللاعب في حالة خمول خلال المباريات.
كما تعتاد أعضاء الجسم إفراز إنزيمات الهضم في أوقات محددة يومياً، ويسبب التغيير المفاجئ في أوقات الوجبات عسر الهضم أو الشعور بالثقل، مما يحد من قدرة اللاعب على بذل مجهود بدني عال.
ويؤدي اضطراب النوم إلى زيادة إفراز هرمون" الكورتيزول" (هرمون التوتر) مما يجعل اللاعبين أكثر عُرضة للانفعال السريع، وما يترتب عليه ذلك من تلقي بطاقات مجانية، وفقدان التركيز التكتيكي في الدقائق الأخيرة والحاسمة من المباريات.
وقبل كل ذلك ترتبط الساعة البيولوجية مباشرة بدرجة الانتباه واليقظة الذهنية، وقد يتأخر اللاعب الذي يعاني من إرهاق السفر في اتخاذ القرارات، سواء في التمرير أو التسديد أو حتى الهروب من مصيدة التسلل، وكلها مواقف تصنع الفارق، وتحسم نتيجة المباريات.
في مونديال أمريكا الشماليةخلال مونديال 2026، تمثل الرحلات الجوية الطويلة مصدر قلق كبيرا للاعبين المسافرين من أوروبا (يلعب أكثر من 70% من لاعبي المونديال في دوريات أوروبية) أو من آسيا أو أفريقيا إلى أمريكا الشمالية.
وعلى سبيل المثال، يخوض المنتخب الأسترالي مباراته الأولى في مدينة فانكوفر الكندية، بعدما يبلغها برحلة جوية تستغرق 14 ساعة ونصف الساعة من سيدني.
هذه الرحلة الشاقة ومثلها رحلات كثيرة لمنتخبات عدة في مونديال عام 2026 تسبب مشكلتي" إجهاد السفر" و" اضطراب الرحلات الجوية الطويلة" (Jetlag).
وينجم إجهاد السفر عن نقص ساعات النوم، وعادة ما تزول هذه الحالة بعد الحصول على قسط جيد من النوم، وربما قضاء يوم هادئ بعد الوصول.
أما اضطراب الرحلات الجوية الطويلة (Jetlag) فيحدث حين يختل التوافق بين الساعة البيولوجية للفرد والبيئة المحيطة به، ويحدث ذلك نتيجة عبور 3 مناطق زمنية أو أكثر.
يؤدي هذا الاختلال غالبا إلى اضطرابات في النوم، والشعور بالإرهاق، وتراجع الأداء الذهني والبدني، وقد يتفاقم الأمر وصولا إلى الانفعالات السريعة ومشكلات الجهاز الهضمي.
كما تختلف حدة تلك الاضطرابات ومدتها بناء على اتجاه السفر، وعدد المناطق الزمنية التي يتم عبورها، ويؤدي السفر شرقاً (أي تقديم الساعة البيولوجية للجسم) إلى أعراض أكثر حدة مقارنة بالسفر غرباً.
وتشير الدراسات إلى أن أداء اللاعبين يعتمد، جزئياً على الأقل، على مدى توافق توقيت المباراة مع ساعاتهم البيولوجية، ووجد باحثون أن أفضل مؤشر للتنبؤ بمستوى أداء الرياضيين هو الفترة الزمنية المنقضية منذ موعد استيقاظهم الطبيعي.
ويشير الأستاذ بجامعة برمنغهام في المملكة المتحدة رولاند براندستاتر إلى أن الرياضيين، بشكل عام، يقدمون أفضل مستويات أدائهم في الفترة المسائية.
ولا تقتصر المشكلة التي ستواجه اللاعبين في كأس العالم 2026 على كل ذلك، بل تكمن كذلك في أن أغلب المنتخبات لن تخوض جميع مبارياتها في مدينة واحدة، وإنما ستضطر للانتقال مرارا.
ويلعب منتخب أستراليا في سياتل بولاية واشنطن بعد 6 أيام من مباراة فانكوفر، ثم يرحل جنوبا إلى سانتا كلارا بولاية كاليفورنيا بعد 6 أيام أخرى.
وإذا تأهل الفريق للأدوار الإقصائية، فقد تكون مباراته التالية بالقرب من بوسطن على الساحل الشرقي، وهي رحلة تستغرق 5 ساعات بالطائرة من سانتا كلارا.
ونتيجة لذلك سيضطر اللاعبون للسفر بشكل متكرر ويتعرضون بالتالي لإجهاد السفر طوال فترة البطولة.
تشير القواعد الطبية إلى أن الجسم يحتاج تقريباً إلى يوم كامل للتعافي من كل ساعة من فارق التوقيت.
أي أن منتخباً قادماً من الشرق الأوسط للعب على الساحل الغربي لأمريكا (بفارق 10 ساعات)، يحتاج لاعبوه إلى 10 أيام كاملة لتتأقلم ساعتهم البيولوجية بنسبة 100%.
كما أن المنتخبات التي تضطر للسفر الداخلي بين المدن الأمريكية والمكسيكية والكندية خلال البطولة ستواجه فوارق توقيت إضافية (تصل إلى 3 ساعات)، مما يضاعف العبء البدني.
وللتغلب على تلك المعضلات، تلجأ الأجهزة الطبية للمنتخبات إلى حلول كثيرة مثل التعديل التدريجي لأوقات النوم ودفع اللاعبين لتقديم أو تأخير أوقات نومهم واستيقاظهم تدريجياً بحسب وجهة السفر وبمقدار ساعة أو ساعتين يومياً، ويحدث ذلك وهم لا يزالون في بلدانهم قبل نحو أسبوعين من السفر.
وبالنسبة لمونديال 2026 يفضل بالطبع إقامة المعسكرات الإعدادية الأخيرة في الولايات المتحدة أو كندا أو المكسيك أو في دول ذات توقيت مقارب قبل انطلاق البطولة بفترة كافية.
كما يمكن إعطاء جرعات مدروسة من" الميلاتونين"، وتبني حميات غذائية محددة لتسريع تكيف الجهاز الهضمي.
ويقدم مونديال 2014 بالبرازيل نموذجا مثاليا لمواجهة تلك العقبات كان القائمون على الاتحاد الألماني أصحابه حين رفضوا النزول في فنادق فرضتها اللجنة المنظمة آنذاك لأنها كانت تتطلب ساعات طيران طويلة وتعرض اللاعبين إلى مناخات متقلبة.
وبدلاً من ذلك، استغنت ألمانيا عن الفنادق التقليدية، وبنت" كامبو باهيا" وهو منتجع خاص بها تكلف ملايين الدولارات في منطقة نائية من ولاية باهيا.
ضم المجمع فيلات إقامة بسيطة وملعبًا للتدريب ومنتجعا صحيا صُمم لتحقيق أقصى قدر من تعافي اللاعبين والتعامل مع مناخ البرازيل القاسي.
وهكذا قلص أطباء منتخب" المانشافت" مسافات السفر الجوي بنسبة 40% مقارنة بالمنافسين، وضمنوا مناخاً مستقراً للتعافي، وتحكموا بشكل كامل في عمل الساعات البيولوجية للاعبين وفي أنظمتهم الغذائية، وكانت النتيجة تتويجا كاسحا بمونديال 2014، وفوزا تاريخيا على البرازيل بنتيجة 7-1 في مباراة نصف نهائي لن تنسى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك