في وقت يسعى فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إعادة فتح مضيق هرمز واحتواء البرنامج النووي الإيراني، يبدو أن الولايات المتحدة وإيران تتحركان على مسارين تفاوضيين مختلفين تمامًا، وذلك بحسب تحليل كتبه بريت ماكجورك، مبعوث الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن إلى الشرق الأوسط، نشرته شبكة «CNN» الأمريكية.
وقال إنه في الوقت الذي تنظر فيه واشنطن إلى المفاوضات باعتبارها أداة لفرض الإرادة السياسية عبر الضغوط الاقتصادية والعقوبات، تنظر إليها طهران من زاوية مختلفة، إذ ترى أن امتلاك ورقة ضغط ثمينة يمنحها القدرة على انتزاع تنازلات من الطرف الآخر مهما بلغت قوة خصمه.
خلال سنوات عمله، شارك المسؤول الأمريكي السابق في جولتين من المفاوضات المعقدة مع طهران للإفراج عن مواطنين أمريكيين محتجزين في سجن إيفين.
ويقول إن تلك التجربة أوضحت أن ميزان القوة التقليدي لا يكون حاسمًا في مثل هذه الملفات، فرغم أن الولايات المتحدة تمثل القوة الأعظم عالميًا، فإن الطرف الإيراني كان يمتلك العنصر الأهم على طاولة التفاوض، الرهائن أنفسهم.
وبحسب روايته، فإن طهران أدركت منذ وقت مبكر أن امتلاك ما يريده الطرف الآخر يمنحها أفضلية تفاوضية كبيرة، وهو النهج الذي اعتمدته منذ أزمة السفارة الأمريكية عام 1979، عندما تحولت قضية الرهائن إلى إحدى أدوات الضغط الرئيسية في علاقتها مع واشنطن.
ويضيف أن الإيرانيين لم يكونوا يشعرون بعجلة الوقت، بل كانوا يراهنون على أن استمرار معاناة الرهائن سيؤدي تدريجيًا إلى زيادة الضغوط السياسية على الإدارة الأمريكية، وبالتالي رفع قيمة التنازلات المطلوبة مقابل الإفراج عنهم.
اتفاق 2023 والأموال المجمدةيستشهد الكاتب بصفقة سبتمبر 2023 التي أُفرج بموجبها عن خمسة أمريكيين محتجزين في إيران بعد أشهر من المفاوضات.
وتضمنت الصفقة إطلاق سراح عدد من الإيرانيين المحتجزين في الولايات المتحدة، إلى جانب تحويل نحو 6 مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمدة من كوريا الجنوبية إلى حسابات مقيدة في قطر لاستخدامها في المعاملات الإنسانية غير الخاضعة للعقوبات.
لكن الاتفاق لم يعش طويلًا، إذ أعيد تجميد الأموال بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023 التي نفذتها حركة حماس ضد إسرائيل، في ظل اتهامات أمريكية لإيران بدعم الحركة.
يرى «ماكجورك» أن إيران تطبق اليوم المنطق نفسه ولكن على نطاق أوسع بكثير، فبدلًا من احتجاز مواطنين أمريكيين، باتت تمتلك ورقة ضغط ذات تأثير عالمي تتمثل في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية.
ومن وجهة نظره، تتعامل طهران مع المضيق باعتباره أصلًا استراتيجيًا يمنحها القدرة على فرض شروطها، تمامًا كما كانت تفعل في ملفات الرهائن.
ويشير إلى أن إيران تستخدم التهديدات العسكرية والصواريخ والطائرات المسيّرة لتعزيز سيطرتها على الممر البحري، ما يجعل إعادة فتحه أولوية اقتصادية وسياسية للولايات المتحدة وحلفائها.
ويستدل الكاتب على هذا المنطق بتصريحات محسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني، خلال مقابلة مع شبكة CNN.
فقد أكد رضائي أن إعادة فتح المضيق مرتبطة بالإفراج عن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل «اختبارًا للثقة» يجب على واشنطن اجتيازه إذا كانت جادة في التفاوض.
ويرى الكاتب أن هذه التصريحات تكشف بوضوح طبيعة التفكير الإيراني، إذ تعتبر طهران أن ما تملكه من أوراق ضغط يجب أن يقابله ثمن ملموس قبل تقديم أي تنازل.
في المقابل، تعتمد إدارة ترامب على استراتيجية تقوم على زيادة الكلفة الاقتصادية على إيران من خلال العقوبات وتشديد القيود على صادراتها النفطية.
وتهدف هذه السياسة إلى دفع الاقتصاد الإيراني نحو مزيد من الضغوط المالية، على أمل أن يجبر ذلك القيادة الإيرانية على تقديم تنازلات.
غير أن الكاتب يشكك في قدرة هذا النهج على تحقيق أهدافه سريعًا، مشيرًا إلى أن التيار المتشدد بات يمتلك نفوذًا أكبر داخل مؤسسات الحكم الإيرانية.
ويضع أسماء مثل محسن رضائي وأحمد وحيدي في مقدمة الشخصيات التي تقود هذا التوجه، معتبرًا أنهم أقل استعدادًا للاستجابة للضغوط الاقتصادية مقارنة بسابقيهم.
وبحسب التحليل، تواجه الولايات المتحدة ثلاثة خيارات رئيسية، الأول هو مواصلة سياسة الصبر والرهان على أن تؤدي العقوبات والأزمة الاقتصادية إلى إضعاف موقف طهران مع مرور الوقت.
أما الثاني فهو تقديم تنازلات مالية وسياسية مقابل إعادة فتح المضيق والعودة إلى الوضع السابق، وهو خيار قد يُنظر إليه داخليًا باعتباره تراجعًا عن الأهداف التي أعلنتها الإدارة الأمريكية.
ويبقى الخيار الثالث هو التصعيد العسكري ومحاولة فرض السيطرة على المضيق بالقوة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر توسع الصراع إلى مناطق أخرى تشمل البحر الأحمر وباب المندب وربما مناطق أبعد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك