في نمط الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية السابقة كانت أمريكا وإسرائيل هما من تطلقان الضربات المباشرة على إيران ثم تقوم إيران بردة الفعل وإطلاق صواريخها باتجاه إسرائيل أو القواعد الأمريكية.
ليلة أمس الأول شكلت نقطة تحول في النهج الإيراني في هذه الحرب، فقد فوجئت دولة الاحتلال بصواريخ إيران الباليستية في سمائها لتطلق صافرات الإنذار وتقوم بتعطيل الدراسة اليوم التالي استعداداً للرد والتصعيد وسط تشنج وعربدة إسرائيلية سواء بالتهديد بضرب مواقع الطاقة الإيرانية أو بقرار منع دخول المساعدات تماماً عن أهل غزة! فالكيان الصهيوني مرة أخرى بكل خسة يطلق شره الشيطاني على المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين أولاً! ، الجرأة الإيرانية في ضرب إسرائيل تنبئ عن تصعيد خطير في السياسة الإيرانية ويمكن تفسير ذلك في عدة أسباب:أولاً جاهزية القرار: فقبل الضربة الإسرائيلية بساعات، صدرت تحذيرات إيرانية علنية بأن أي استهداف جديد للضاحية سيقابل برد «حاسم ومؤلم»، فهي تدرك جيداً الغدر الصهيوني.
وبعد القصف مباشرة نُفذ الرد الصاروخي، ما يوحى بأن القرار كان جاهزاً مسبقاً.
ما يثبت جدية إيران في تهديدها وعدم خوفها من الانجرار للحرب مرة أخرى.
ثانياً استعادة قوة الردع: خلال الأشهر الماضية تعرضت إيران لانتقادات داخلية وإقليمية بسبب عدم الرد السريع على بعض الضربات الإسرائيلية.
لذلك قد تكون القيادة الإيرانية رأت أن عدم الرد على قصف الضاحية سيُفسر على أنه تراجع أو ضعف، خصوصاً بعد أن ربطت «طهران» علناً بين أمن لبنان وأمن محور حلفائها.
بحيث تتخلى إيران عن سياسة الاحتواء وعدم البدء، بذلك تدخل في مرحلة إظهار قوة أكبر بتخلصها من قوقعة «رد الفعل».
ثالثاً عدم جدية المفاوضات: إيران أدركت أن أمريكا غير قادرة على إلزام إسرائيل باحترام قرار المفاوضات، التقارير تشير إلى أن إدارة ترامب كانت تحاول منع استهداف «بيروت» خشية انهيار التفاهمات الجارية مع إيران.
عندما وقع القصف رغم ذلك، ربما اعتبرت «طهران» أن الرسائل الدبلوماسية لم تعد كافية وأن الرد العسكري المحدود ضروري لفرض معادلة جديدة.
رابعاً إثبات قوة لاكتساب أوراق تفاوضية: أثبتت إيران أنها لا تخشى الحرب ولا تخشى الرد عندما تتجاوز إسرائيل الخطوط الحمراء، بالتالي يعطي ذلك انطباعاً أنها ستظل متمسكة بجميع شروطها ومطالبها في التفاوض.
بحسب عدة تقارير، أبلغ ترامب نتنياهو بأنه لا يرغب في رد إسرائيلي قد ينسف المفاوضات الجارية مع إيران.
كما انتقد الضربة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت وقال إنها لم تكن منسقة مع «واشنطن»، وطالب إيران وإسرائيل بالعودة إلى المسار التفاوضي، لكن لا يبدو أن حكومة الاحتلال ستستمع نظراً للإضرار بصورتها كـ«فزاعة» للشرق الأوسط خوفاً من أن تصبح الطرف الأضعف، لذلك تطبق وحشيتها أولاً على الطرف الأضعف وهم المدنيون.
السيناريو الأكثر ترجيحاً أن الاحتلال أكثر جبناً من أن يشن غارات قوية في العمق الإيراني دون دعم أمريكي، لذلك قد يتمثل الرد في غارات على مواقع غير حيوية أو استهداف أشخاص بحيث يحفظ الاحتلال صورته كقوة دون الوقوف ضد رغبة ترامب.
أما ترامب فيبدو في وضع مختلف عن الأشهر السابقة.
فبعد الحرب الواسعة التي بدأت مطلع 2026، أصبح يركز على تثبيت اتفاق أو تفاهم مع إيران وإعادة الهدوء إلى المنطقة.
لذلك جاءت رسالته للطرفين: إيران أطلقت صواريخها وانتهى الأمر، وإسرائيل يجب ألا ترد بطريقة تفجر المفاوضات.
لذلك يمكن القول إن هناك حالياً شداً وجذباً بين نتنياهو وترامب؛ نتنياهو يريد الحفاظ على قوة الردع الإسرائيلية، بينما ترامب يحاول منع أي خطوة قد تعيد المنطقة إلى مواجهة إقليمية واسعة.
ومن الناحية السياسية، إذا وقع رد إسرائيلي خلال الساعات المقبلة، فالأرجح أنه سيكون محدوداً ومدروساً وليس هجوماً كبيراً على إيران، ما لم تُطلق «طهران» موجات جديدة من الصواريخ أو تقع خسائر إسرائيلية كبيرة.
الحكومة اللبنانية تتمسك بالحلول الدبلوماسية والتفاوض الذي أثبت هشاشته حتى الآن والرئيس اللبناني له كامل الحق في رفض التدخلات الإيرانية في بلاده، ولكن في ظل مواجهة الاجتياح الإسرائيلي ومحدودية قدرة الحكومة اللبنانية على فرض قراراتها أو إحراز أي انتصار عسكري وفي ظل علو صوت الميدان على صوت المفاوضات يبدو أن «طهران» فقط من تستطيع ردع العدو عن سفك مزيد من الدماء اللبنانية باستخدام مبدأ «القوة مقابل القوة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك