امتحان البكالوريا بأهميته والجدية المصاحبة له، يذكّرنا بامتحان أهمّ وأكثر جدية، هو امتحان الحياة الذي يخوضه كلّ واحد منّا.
وإذا كان عدد أبنائنا الذين يخوضون امتحان البكالوريا هذا العام في بلادنا الجزائر لا يتجاوز 529 ألف طالب، فإنّ أكثر من 35 مليون جزائري فوق سنّ البلوغ هم الآن يخوضون امتحان الحياة، ذلك الامتحان الذي لا نعلم كم يدوم؛ فقد يطول ثمانين سنة، أو سبعين، أو أربعين، وقد يدوم سنة أو شهورا أو أياما أو ساعات… امتحان البكالوريا معلومة مدّته مسبقا ويعرف الطّالب متى تسحب منه ورقة الامتحان، ولكنّ امتحان الحياة لا تعرف له مدّة، وقد تسحب ورقة العمر في أيّ لحظة، وفجأة ومن دون مقدّمات.
على خلاف امتحان البكالوريا، فإنّ امتحان الحياة لا يكون في قاعة مغلقة، إنّما ميدانه الحياة كلّها؛ في المسجد، في البيت، في السّوق، في مكان العمل، وفي الشّارع… والمراقبون في هذا الامتحان ليسوا بشرا يمكن أن يغفلوا أو يتغافلوا، ولكنّهم ملائكة لا يغادرون صغيرة ولا كبيرة إلا أحصوها، الواحد منهم يكتب مثقال الذرّة ويراقب النّظرة والهمسة.
ربّما أمضينا سنوات طويلة في هذا الامتحان، لكنّنا لا ندري إن كنّا نسير في طريق النّجاح أم في طريق الفشل.
ولا ندري عندما تسحب منّا ورقة العمر كيف تكون حالنا! ولا ندري بم يختم لنا! لكنّنا يمكن أن نعرف اتّجاهنا من أحوالنا ومن اهتماماتنا وممّا نجده في قلوبنا.
فالله شكور يقذف في قلب عبده المستقيم على طاعته السائر في طريق النجاح أنسا وطمأنينة تزداد مع قرب نهاية الامتحان، فمن لم يجد هذا الشعور في قلبه ووجد بينه وبين الله وحشة وفي نفسه ثقلا للطّاعة وضيقا من القرآن والمواعظ والخطب والدروس والحديث عن الموت والآخرة، فليعلم يقينا أنّه يسير في طريق خسارة الامتحان، وليقرع قلبه بأنّ الخسارة في هذا الامتحان لا تعوّض.
وإذا كان من فشل في امتحان البكالوريا يمكنه أن يكرّر المحاولة مرتين وثلاثا وأكثر، فإنّ الخسارة في امتحان الحياة لا يمكن تداركها، فليست هناك فرصة ثانية بعد أن تنتهي الفرصة الأولى والوحيدة.
في أيام امتحان البكالوريا، جلس كلّ واحد من أبنائنا على طاولة الامتحان وحيدا ليمتحن وحده، لا معين له ولا مثبّت إلا الله، ولا شيء ينفعه في تلك الساعات غير ما بذله من جهد في المراجعة والاستعداد.
الكتب والكراسات والهاتف، كلّ شيء أصبح بعيدا عنه.
قلبه ينبض خوفا ممّا تحمله ورقة الامتحان، فربّما يسأل في موضوع أهمله ولم يراجعه، وربّما يسأل في موضوع لم يعطه حقّه من المراجعة، وربّما وهو أمام ورقة الامتحان ينظر حواليه فيرى التلاميذ المجتهدين منهمكين في الإجابة والفرحةُ بادية على وجوههم، بينما لا يستطيع هو أن يحرّك القلم، فيتحسّر على كسله ولهوه وعبثه وإضاعة وقته واستهزائه بالتلاميذ المجتهدين قبل ذلك.
يندم أشدّ النّدم وهو يتذكّر ردّ فعل والديه المكسورين عندما تظهر نتائج الامتحان… هذا الموقف يذكّر كلّ واحد منّا بتلك اللحظة التي تسلب فيها روحه ويمرّ عليه شريط حياته، فيتذكّر تقصيره وتفريطه وعمره الذي أمضاه في اللغو واللهو والعبث.
ويذكّرنا –كذلك- بموقف آخر تحت التراب، حينما يسأل الواحد منّا عن ربّه ودينه وقدوته، فيشعر بالخزي والخسارة وهو الذي اتخذ إلهه هواه وكان اللهو والعبث دينه وديدنه وكان اللاعبون والعابثون قدوته… كما يذكّرنا بموقف آخر أشدّ ألما هو موقف تطاير الصحف يوم القيامة، يوم ينتظر العبد صحيفته وكلّه خوف ورهبة أن تأتيه في شماله فلا يجد فيها إلا المعاصي والذّنوب والغفلة والتفريط.
لا نريد لأبنائنا أن يخافوا في هذه الأيام المهمّة من مسارهم، ولكنّنا نريد لنا نحن أن ننظر ونتأمّل ونعتبر؛ اهتمامنا بهذا الامتحان يجب أن يجعلنا نراجع حساباتنا ونعيد النظر في موقفنا من الامتحان الإجباريّ الأهمّ الذي نخوضه نحن وزوجاتنا وأبناؤنا وبناتنا… في امتحان البكالوريا نعين أبناءنا ونهتمّ بأن نقدم لهم كلّ الدّعم الذي نستطيعه، ولكن في امتحان الحياة: ((كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة))، ((يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه)).
نهتمّ بأبنائنا المقبلين على امتحان البكالوريا ونوفّر لهم الأجواء المناسبة ليراجعوا ويخوضوا غمار الامتحان ويكونوا من النّاجحين، ولكن ماذا قدّمنا لهم ليكونوا من الناجحين في امتحان الحياة؟ ماذا قدّمنا لهم ليكون دينهم أغلى ما يملكون في هذه الدّنيا ولتكون قضايا الدّين على رأس أولوياتهم؟ ماذا قدّمنا لهم ليكونوا يوم القيامة ممّن يقول: ((هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَه))… نحن نتعب بتعب أبنائنا ونسهر بسهرهم ونشاركهم تحضيراتهم لهذا الامتحان خطوة بخطوة، ونرقب بلهفة تلك اللحظة بعد شهر من الامتحان، عندما تعلن النتائج، ننتظر تلك الرسالة المهمّة التي تبشّرنا بنجاح أبنائنا لتطير قلوبنا فرحا.
فهل فكّرنا في لحظة أهمّ، لحظة تطاير الصحف يوم القيامة؟ وهل تساءلنا إن كان أبناؤنا يومها سيأخذون كتبهم بأيمانهم ويفرحوا وينطلقوا في أرض المحشر بحثا عنا ليبشّرونا بنجاحهم إن كنّا نحن أيضا من الناجحين، لنأخذ بأيديهم ونسير معا في زمرة الذين اتّقوا ربّهم إلى الجنّة.
((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْء)).
واجب علينا أن نهتمّ بنجاح أبنائنا في امتحان البكالوريا، لكنّ الأوجب من ذلك أن نهتمّ بنجاحهم في امتحان الآخرة، ونأخذ بأيديهم إلى رحاب الاستقامة على طاعة الله ونحبّب الدّين والتديّن والاستقامة إلى قلوبهم، وتكون حالنا كحال تلك الأمّ التي توقظ أبناءها كلّ يوم عند صلاة الفجر وهي تقول: “قوموا يا أبنائي، فأنا لا أريد أن أفقد أحدا منكم في الجنّة”.
اهتمّوا بامتحانات أبنائكم، وعلّموهم أن يهتمّوا بها ويحرصوا على النجاح والتفوّق فيها… علّموهم أنّ كلّ امتحان في الدّنيا منه فرصة أخرى، فلا داعي للخوف والهلع والذّعر… علّموهم أنّهم مسؤولون عن تقديم الأسباب وليسوا مسؤولين عن النتائج… علّموهم أن يجعلوا تعبهم ونصبهم خالصا لله… علّموهم أن يستعينوا بالله ويذكروا اسمه ويدعوه قبل كلّ اختبار قائلين: “بسم الله، اللهمّ لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا”… ادعوا لهم بالتوفيق والنجاح، وادعوا لهم قائلين: ((رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وتَقَبَّلْ دُعَاء))، ((رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ))، ((رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)).
نحن نفرح بأبنائنا المقبلين على امتحان البكالوريا عندما يعمرون المساجد في آخر جمعة قبل الامتحان، ويصلّوا الفجر في وقتها في أيام الامتحان، ونفرح لهم عندما يطلبون الدّعاء بالتوفيق والنّجاح.
لكن لا يليق أبدا أن ينسوا الله وينسوا المساجد وينسوا الجمعة وصلاة الفجر بعد آخر امتحان أو بعد ظهور النتائج.
لا يليق بنا وبأبنائنا أن تكون حالنا كما قال الله: ((وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْل)).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك