في الشرق الأوسط لا تبدأ الحروب دائما بإعلان رسمي، بل غالبا بإشارة خاطئة، أو ضربة محسوبة تتحول إلى خطأ إستراتيجي، أو رهان سياسي يخرج عن السيطرة.
وما نشهده اليوم، إذا صحت المؤشرات المتداولة، قد يكون أخطر من مجرد تبادل صاروخي بين إيران وإسرائيل، إنه اختبار حقيقي لمستقبل النظام الإقليمي بأكمله.
بعد الإشارات الناعمة من الرئيس الأميركي.
اضافة اعلانالرد الإيراني المباشر أو غير المباشر بضرب إسرائيل، تكشف أن المنطقة انتقلت من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة بداية الانفجار.
فخلال الأشهر الماضية سعت القوى الكبرى والإقليمية إلى إبقاء المواجهة تحت سقف معين، بحيث تستخدم القوة للردع لا للحسم، ولإرسال الرسائل لا لفتح الجبهات الشاملة.
لكن المشكلة أن هذا النموذج أصبح يقترب من نهايته.
الرد الإيراني ليس ردا رمزيا بل ردا محدودا حتى الساعة، وقد يتصاعد إلى حرب فصل أو عدم فصل للدور اللبناني.
فهل تنأى الولايات المتحدة الأميركية بنفسها عن هذا الرد.
أم هل يتكرر سيناريو حرب الـ12 يوما.
إن إسرائيل تجد نفسها اليوم أمام معضلة إستراتيجية معقدة.
فمن جهة، تريد استعادة صورة الردع التي تعرضت للاهتزاز بفعل تعدد الجبهات وتزايد التهديدات الصاروخية.
ومن جهة أخرى، تدرك أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران لن تكون شبيهة بالحروب السابقة مع الفصائل الفلسطينية أو حتى مع حزب الله.
فالمعادلة تغيرت، فهناك قدرات صاروخية أكبر، ومساحات اشتباك أوسع، واحتمالات تدخل إقليمي ودولي أكثر تعقيدا.
أما إيران، فهي تتحرك ضمن حسابات لا تقل تعقيدا.
فطهران تدرك أن عدم الرد على أي استهداف مباشر أو غير مباشر لحلفائها يضعف شبكة النفوذ التي بنتها خلال عقود.
لكنها في الوقت نفسه تعرف أن الانزلاق إلى حرب شاملة قد يهدد مكتسباتها الإقليمية ويضع اقتصادها تحت ضغوط غير مسبوقة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما قدرة إيران على الرد، بل إلى أي مدى تستطيع التحكم في نتائج الرد بعد أن انطلق.
اللافت في هذه المرحلة أن الصراع لم يعد عسكريا فقط، بل أصبح صراعا على شكل الشرق الأوسط المقبل.
فهناك مشروعان يتواجهان: الأول يسعى إلى فرض واقع أمني جديد تقوده إسرائيل مدعومة بتحالفات إقليمية ودولية، والثاني يحاول الحفاظ على توازن ردع تقوده إيران عبر شبكة من الحلفاء المنتشرين في أكثر من ساحة.
المؤشر الأخطر ليس عدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل تآكل المسافة الفاصلة بين الحرب المحدودة والحرب الشاملة.
ففي السابق كانت هناك قنوات احتواء تسمح بامتصاص الضربات المتبادلة.
أما اليوم فإن سرعة الأحداث، والضغوط السياسية الداخلية، والخطاب المتشدد لدى أطراف الصراع، كلها عوامل تجعل اتخاذ قرار التصعيد أسهل من اتخاذ قرار التهدئة.
ولا يمكن تجاهل الدور الأميركي في هذه المعادلة.
فالولايات المتحدة لا ترغب في حرب إقليمية واسعة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التخلي عن التزاماتها الأمنية تجاه إسرائيل.
أو فرض الشروط الإيرانية، وهذا يعني أن أي توسع كبير للمواجهة قد يدفع واشنطن إلى الانخراط بصورة أعمق، وهو ما يرفع مستوى المخاطر على المنطقة بأسرها.
لكن السؤال الأكثر أهمية يتعلق بالنتائج السياسية.
فإذا استمرت دوامة التصعيد، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة رسم موازين القوى.
لن يكون الأمر مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبارا لمستقبل التحالفات، ولمكانة القوى الإقليمية، وللقدرة على فرض قواعد اشتباك جديدة.
ما يحدث اليوم قد يكون بداية جولة تصعيد تنتهي خلال أيام، وقد يكون أيضا الشرارة الأولى لتحول إستراتيجي أكبر.
التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى غالبا لا تبدأ عندما يريد الجميع الحرب، بل عندما يعتقد كل طرف أنه قادر على التحكم في حدودها.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فالشرق الأوسط يقف مرة أخرى أمام لحظة مفصلية، إما عودة الأطراف إلى منطق الردع المتبادل واحتواء الأزمة، وإما الانزلاق إلى مواجهة تتجاوز حدود لبنان وغزة وإسرائيل لتطال بنية النظام الإقليمي كله.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال من أطلق الصاروخ الأول، بل من سيكون قادرا على إيقاف الصاروخ الأخير؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك