ازدادت المخاطر التي يواجهها صحافيون كثيرون أثناء تغطيتهم العدوان على لبنان، بعدما صارت غالبية المدن الجنوبية تحت النار، ولم يعد هناك أي مكانٍ آمن للتجوّل ونقل الرسائل أو حتى للإقامة، في ظلّ الاعتداءات الاسرائيلية المتكرّرة التي طاولت الأطقم الصحافية ومقارهم، والتهديدات التي وصلتهم على غرار السكان للمغادرة والإخلاء.
أصرّ عدد من الصحافيين على البقاء في الميدان، رغم التحديات والتضييق على حركة تنقلهم وقتل جيش الاحتلال عدداً من زملائهم، وذلك لتوثيق الاعتداءات وكشفها للرأي العام، ونقل الحدث كما هو بالصوت والصورة، خاصةً في زمن تفرض فيه الأخبار المضلّلة والخاطئة نفسها على الساحة الإعلامية ومنصّات التواصل.
كذلك، تمسّك الصحافيون بأهمية الوجود على الأرض والبقاء على مسافة قريبة من الناس للتواصل معهم، ونقل معاناتهم، وتوثيق المجازر وحجم الدمار الذي تخلّفه الاعتداءات الإسرائيلية التي توسعت رقعتها بعد سريان الهدنة في 17 إبريل/نيسان الماضي، ما أسفر عن استشهاد المراسلة آمال خليل في 22 إبريل، في بلدة الطيري الجنوبية، بعد استهدافها مباشرةً ومنع فرق الإسعاف من إنقاذها طوال أربع ساعات.
وفي ظلّ احتلال إسرائيل وسيطرتها بالنار على أكثر من 60 قرية حدودية، وتكثيف ضرباتها بعد الهدنة نحو مدنٍ رئيسية جنوبية، كالنبطية وصور، تضاعفت صعوبات التغطية أمام الصحافيين، فسُجّل في الأيام الماضية استهداف إسرائيل مباني ونقاطاً على مسافة قريبة جداً من بعض المراسلين، خلال تغطيتهم، وعلى مقربة من أماكن إقامتهم، ما ألحق ضرراً بها، مثل تحطّم الواجهات والنوافذ بفعل شدّة الانفجارات.
كذلك، تلقى صحافيون مقيمون وعاملون في الجنوب، خاصةً في مدينة صور، منذ أيام، اتصالات مسجّلة أو مباشرة من الاحتلال الاسرائيلي، تتضمّن إمّا مطالبات بالإخلاء كحال السكان، أو بتحديد هويتهم، وأماكن وجودهم والنقاط التي يتمركزون فيها وسبب التغطية، وكأنه بات على الصحافي أن يأخذ إذناً من جيش الاحتلال للتغطية على أرض لبنانية، مع الإشارة، إلى أن مدينة صور مثلاً، كانت من المناطق الآمنة نسبياً، ويلجأ إليها الصحافيون كونها مركزاً أساسياً للتغطية والإقامة في فنادقها.
وقالت مراسلة التلفزيون العربي، جويس الحاج خوري، التي لم تترك الميدان منذ بداية الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، إن هذه الحرب لا تشبه أي تغطية سابقة، لا حرب 2006، ولا عدوان 2024، موضحةً: " هذه المرّة لم نكن نبحث عن الخطر، بل كان الخطر يبحث عنا".
أضافت في حديث مع" العربي الجديد": " لم تعد هناك جبهات واضحة أو أهداف محددة.
في المناطق الحمراء، يصبح كلّ من يتحرك هدفاً محتملاً، ويصبح الانتقال من شارع إلى آخر قراراً يسبقك إليه سؤال واحد: هل سنعود؟ "، تابعت: " في البقاع، دخلنا بلدات اعتقدنا أنها آمنة، لنكتشف أنها على لوائح الاستهداف.
كان الموت يسبق الخرائط، وكانت الطائرات تغيّر قواعد اللعبة في كل لحظة"، مشيرةً إلى أنّ" الأصعب كان دخول البلدات التي خلت من أهلها، مدن وقرى أُطفئت فيها الحياة فجأة، شوارع بلا أطفال، منازل بلا أصوات، وأبواب تركها أصحابها خلفهم على أمل العودة.
هناك فهمت معنى أن تكون صحافياً، أن تسير إلى حيث يهرب الجميع، وأن تدخل إلى الأماكن التي لم يعد فيها من يروي ما حدث".
تابعت: " كانت مدينة صور الحكاية الأصعب.
أن تستيقظ كل يوم على تهديد جديد، وأن تتلقى اتصالات تطلب منك المغادرة فوراً، وأن تسمع الغارات وهي تسقط على بعد أمتار منك، فذلك ليس مجرد عمل ميداني، بل اختبار يومي للحياة.
ومع ذلك، لم أغادر، لأن صور لم تكن مدينة تحت النار فحسب، بل كانت مدينة تقاوم كي تبقى مدينة.
كانت الحياة فيها أقوى من الخوف، وكان أهلها يتمسكون بأيامهم رغم كل شيء".
أشارت الحاج خوري إلى أنه" كلما اقترب الخطر أكثر، ازداد اقتناعي بأن البقاء ليس شجاعة شخصية، بل واجب مهني وإنساني.
فحين يغادر الجميع، يصبح نقل الحقيقة مسؤولية أكبر من الخوف نفسه".
وحول كيفية اختيار أماكن التغطية في ظل الخطر، قالت الحاج خوري إن" اختيار الموقع يعتمد بالدرجة الأولى على قدرته على توفير رؤية واسعة للمناطق المستهدفة وإبراز المشهد الميداني بوضوح، ما يدفع العديد من المؤسسات الإعلامية إلى التمركز في الموقع نفسه غالباً، ما يوفّر قدراً من الحماية بسبب وجود عدد أكبر من الصحافيين"، كما أشارت إلى أن تقييم مخاطر أي مكان يجري بالتشاور مع المسؤولين المحليين والجيش اللبناني قبل اعتماده موقعاً للتغطية.
أردفت: " في هذه الحرب حتى الأماكن الآمنة لم تعد كذلك؛ ففي عمليات القصف التي طاولت مدينة صور، وصلت شظايا الصواريخ الإسرائيلية إلى محيط غرف الصحافيين في استراحة المدينة، كان القصف قريباً جداً والغارات عنيفة والعصف قوي".
بدوره، قال مراسل قناة العالم في لبنان، حسين عز الدين، لـ" العربي الجديد"، إنه بقي خلال حرب 2024 في القطاع الشرقي وكان يتجوّل في كل القرى المحاذية لفلسطين المحتلة، مثل الخيام وكفركلا والعديسة وغيرها، قبل احتلالها اليوم كاملةً، وكان يُنجز عمله من باب ملاحقة الحدث، فالمراسل على الأرض لا يكتفي وفق تعبيره بنقل ما يراه فحسب، بل الأهم توثيق ما يشاهده وينقله بالعين المجرّدة والصورة الحقيقة الصادقة.
وأشار عز الدين إلى أن مهمة المراسل الميداني محفوفة بالمخاطر، ولا سيّما أنّ الحروب باتت متفلّتة من ضوابط الالتزام بالأعراف والقوانين الدولية، ومنها حماية الصحافي على اعتبار أنه مدني وغير عسكري على أرض المعركة، معتبراً أن" هذه المواثيق سقطت بدليل استهداف إسرائيل الطواقم الإعلامية أكثر من مرة، سواء بعمد أو من دون عمد، رغم علمها أنهم صحافيون ويقومون بالتغطية وواجبهم المهني".
الحروب باتت متفلّتة من ضوابط الالتزام بالأعراف والقوانين الدوليةولفت عز الدين إلى أن المراسل ينسّق عادة مع جهات عدة قبل التجوّل أو الدخول إلى قرى أمامية، موضحاً: " مثلاً، كنا نبلغ الدولة عبر مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، التي تنسّق بدورها مع يونيفيل.
الأخيرة تنسّق مع العدو لإعلامه بوجود طواقم صحافية.
مع ذلك، وخلال جولة سابقة في بلدة يارون، ورغم أن الجولة الإعلامية كانت منسّقة وبمرافقة الجيش اللبناني وحضور يونيفيل، تعرّضنا للقصف المباشر ووقعت إصابات بصفوف الصحافيين".
وشدّد عز الدين على أن" العمل متعب وشاق ومحفوف بالمخاطر، ولا سيّما أننا صرنا اليوم على أرض مكشوفة، وكنّا نعتبر أن هناك أماكن كثيرة بعيدة من الاستهداف، لكنها صارت اليوم على قوائم الطائرات الحربية الإسرائيلية، ومنها مدينة صور التي تتعرّض للقصف اليومي"، محذراً من أنها" قد تطاول الصحافيين، خاصةً أن العدو لا يريد لنا أن ننقل الصورة كما هي، ونفّذ مرات كثيرة غارات تحذيرية بجانبهم لدفعهم للمغادرة".
بدوره، تحدّث المراسل في قناة الجديد اللبنانية، إبراهيم الغريب، لـ" العربي الجديد"، عن تجربته الأولى في تغطية الحرب الإسرائيلية على الخطوط الأمامية، مشيراً إلى أنه سيخرج من فترة وجوده في منطقة إبل السقي خلال الأشهر الثلاثة الماضية بخبرة مهنية كبيرة، لكن مع ندوب نفسية لا يتصوّر أنه قد يشفى منها على المدى القريب.
تطرّق الغريب إلى تحديات ومخاطر عدة عاشها ولا يزال في ظل التصعيد الإسرائيلي، وعن خبرات اكتسبها بفعل وجوده مع صحافيين مخضرمين يملكون باعاً طويلاً في التغطيات الميدانية: " لم يعد بإمكاننا أن نضع كاميراتنا أينما كان، أو أن نستعمل هواتفنا بكل الأوقات"، تابع: " السطح الذي نقف عليه يكشف بلدة دبين التي تبعد أقل من كيلومتر، وبإمكاننا أن نرى الدبابات الإسرائيلية بالعين المجردة ونسمع صوت جنازيرها ونشمّ رائحة البارود، لكن لا يمكننا أن نصوّر كل شيء، فحياتنا على المحكّ".
أشار الغريب إلى أنه" مع دخول القوات الإسرائيلية بلدة دبين، تغيّر المشهد على المستوى الأمني، وصرنا نسمع أصواتاً أفقدتني القدرة على النوم ليلاً، إضافةً إلى القلق المتزايد، خاصةً أنّنا نعرف حجم التفجيرات التي يرتكبها الاحتلال في كل قرية يتوغل فيها"، كما أشار إلى أن الفندق الذي يقيم فيه تعرّض لأضرار أكثر من مرة، بما في ذلك تحطم الزجاج، ما دفعه مع زملائه إلى اعتماد طرقٍ بدائية للحماية، مثل النوم والنافذة مفتوحة أو الاستلقاء على الأرض".
قال الغريب إنه يعيش كل ليلة كأنها الليلة الأخيرة، أو" كأن الضوء لن يطلع عليّ في الصباح"، كما يلازمه شعوره يومي بالخطر وبأنه قد لا يرى عائلته مرّة ثانية.
ولفت إلى أنه بعد عودته من عطلة عيد الأضحى في منزله في منطقة طرابلس شمالي لبنان إلى الجنوب، شعر لأول مرة بأنه لا يريد مواصلة التغطية أو الحضور في مكان خطر إلى هذا الحد، بعيداً عن عائلته.
أضاف: " إذا أصابني مكروه، سيصيبني وأهلي"، وهو شعور يزداد خاصة مع كل استهداف جديد للصحافيين، " فإسرائيل لا رادع لها، ولا شيء يمنعها من قتل الصحافيين".
تابع الغريب: " هذه التجربة علّمتني الكثير، وجعلتني أتعرّف إلى زملاء أصبحوا مثل عائلتي، لكن الأكيد أنها أيضاً تركت عليّ آثاراً نفسياً، وسأذهب فور انتهائها إلى العلاج النفسي".
بدورها، قالت رئيسة اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، إلسي مفرّج، لـ" العربي الجديد"، إن التدهور الدراماتيكي للوضع الأمني في جنوب لبنان أثّر على المناطق التي يوجد فيها الصحافيون.
أوضحت مفرج: " رصدنا تعرّض الصحافيين لأكثر من تهديد إسرائيلي خلال الأيام الماضية، إما عبر رسائل مسجلة تطلب منهم الإخلاء كباقي السكان في الجنوب، وإمّا من خلال اتصالات مباشرة لسؤالهم عن سبب وجودهم، وتحديد موقعهم، ونصحهم بالمغادرة، إلى جانب تنفيذ ضربات على مقربة من أماكن وجود المراسلين، كما حصل السبت الماضي في النبطية".
ورأت مفرج أن هذه الإنذارات والضربات التحذيرية تهدف غالباً إلى تخويف الصحافيين لإبعادهم من الجنوب، خاصةً أنهم لا يشكلون أي خطر أمني، وأضافت: " أماكن وجود وإقامة الصحافيين معروفة، وهويتهم معلنة من خلال الدروع الواقية والخوذات والشارات على السيارات".
وتوقفت مفرّج عند مجموعة توصيات ونصائح مهمة للمراسلين الميدانيين، أهمها عدم تعريض حياتهم للخطر، والانسحاب بأي لحظة يشعرون فيها بالخطر بناءً على خطّة واضحة، إضافةً إلى البقاء على تواصل مع الإسعاف والجهات المعنية وغرف الأخبار، كما أشارت إلى أنه من واجب المؤسسات الإعلامية أن تؤمن حياة الصحافيين في حالات الحرب، وأن تقدّم لهم بدلاً يومياً يتناسب مع حجم التهديد والخطر الذي يتعرّضون له، إضافةً إلى عدم الضغط عليهم أو تخييرهم بين العمل والتغطية في أماكن خطرة، منبهةً إلى أنّه أمر غير قانوني.
ودعت مفرج المؤسسات الإعلامية للتعامل مع الصحافيين المستقلين كالموظف الثابت لناحية التأمين الصحي، وتدريبهم على أصول التغطية الميدانية، مع تزويدهم بمعدّات الحماية والتنسيق المستمر معهم حول أماكن حركتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك