عمان- تتجدد الحرب، وتتجدد معها الأسئلة حول أسباب عجز القوى الكبرى عن منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة إقليمية أوسع، رغم ما تمتلكه من أدوات ضغط سياسية وعسكرية واقتصادية هائلة.
اضافة اعلانغير أن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن المشكلة لا تكمن في غياب القدرة على التدخل، بل في طبيعة المصالح التي تحكم سلوك الفاعلين الدوليين وحدود ما يريدونه فعلا من هذا الصراع.
ولا يعكس فشل القوى الكبرى في منع الانزلاق نحو مواجهة إقليمية واسعة، وفق تأكيدات مختصين في الشأن الإستراتيجي والسياسي لـ" الغد"، نقصا في النفوذ أو الأدوات، بقدر ما يعكس تعارضا بين مصالح هذه القوى ومتطلبات الحل الحقيقي.
ووفق تحليلات الخبراء، حين تصبح إدارة الصراع أكثر فائدة من إنهائه، وحين تتراجع فعالية الوساطة الدولية أمام تصاعد منطق القوة، يتحول منع الحرب من قرار سياسي إلى معادلة معقدة تتحكم بها حسابات النفوذ والمصالح أكثر من الدعوات للتهدئة.
وفي هذا السياق، يرى الخبراء أنه في ظل هذا الواقع، يبدو الشرق الأوسط اليوم أمام مرحلة تزداد فيها هشاشة التوازنات، فيما تتراجع قدرة الدبلوماسية على اللحاق بإيقاع الميدان، محذرين من عدم اقتصار الخطر الحقيقي فقط على حجم العمليات العسكرية، بل في إمكانية انتقال المواجهة إلى الممرات البحرية الحيوية والمنشآت النفطية وشبكات التجارة الدولية، لتتحول الأزمة بعدها إلى تحد عالمي يمس أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والاستقرار الاقتصادي الدولي.
وفي قراءة لأسباب عجز القوى الكبرى عن احتواء التصعيد، يرى الخبير والمحلل العسكري والإستراتيجي د.
نضال أبو زيد، أن المشكلة لا ترتبط بغياب القدرة على منع المواجهة، بقدر ما ترتبط بتقاطع المصالح السياسية والعسكرية للقوى الفاعلة.
ويرى أبو زيد أن فشل القوى الكبرى في منع الانزلاق نحو مواجهة إقليمية واسعة لا يعود إلى عجزها عن ذلك، بل إلى وجود مصالح مباشرة تدفعها إلى الإبقاء على مستوى معين من التصعيد.
ويؤكد أبو زيد أن المستفيد الأكبر من عودة القتال هو رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، إذ إن تجدد العمليات العسكرية يشكل طوق نجاة له من الأزمات الداخلية التي كان يواجهها، وفي مقدمتها أزمة تجنيد الحريديم، وما رافقها من استنزاف كبير للجيش، إلى جانب الضغوط السياسية التي بلغت ذروتها مع جلسة الكنيست الخاصة بحل نفسه والدعوة إلى انتخابات مبكرة.
وبحسب أبو زيد، فإن عودة المواجهة بهذا الشكل منحت نتنياهو فرصة لتصدير أزماته الداخلية من خلال فتح جبهة عسكرية مع إيران، وهو ما ساهم في إعادة ترتيب أولويات المشهد السياسي والأمني داخل الكيان.
ويشير إلى أن ما يحدث حاليا يعكس إعادة ضبط لشكل الصراع من قبل الولايات المتحدة الأميركية، بحيث نأت بنفسها عن المواجهة المباشرة، ودفعت بإسرائيل لتكون في واجهة الأحداث، ما أدى إلى تكريس معادلة صراع إيراني صهيوني، بدلا من أن يظهر باعتباره مواجهة بين إيران والولايات المتحدة.
ويلفت إلى أن واشنطن تؤكد في تصريحاتها، أنها ليست طرفا في هذه الحرب ولم توافق عليها، رغم أنها الداعم الرئيسي لإسرائيل، مؤكدا أن إسرائيل لا تستطيع الذهاب إلى مثل هذا النوع من العمليات العسكرية من دون موافقة أميركية.
ويضيف أن القوى العظمى أرادت إعادة تشكيل الصراع بهذه الصورة لوضع إيران أمام موقف شديد الحساسية، بحيث تصبح غير قادرة على استهداف القواعد الأميركية في المنطقة، في ظل إصرار واشنطن على أنها ليست مشاركة بشكل مباشر في الحرب.
ويلفت أبو زيد إلى أن المنطقة تقف اليوم أمام شكل جديد من الحروب، تكون فيه الولايات المتحدة داعمة ومساندة من دون أن تكون طرفا معلنا في القتال، وفقا للرواية الأميركية، وهو ما يخلق معادلة سياسية وعسكرية معقدة تزيد من صعوبة احتواء التصعيد أو منعه.
ويشير أبو زيد إلى أن نتنياهو يبدو هذه المرة مجبرا على تحقيق أهداف عسكرية وسياسية ملموسة، ليس فقط لمعالجة أزماته الداخلية، وإنما أيضا لإرضاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإعادة ترطيب العلاقة بينهما، وهو ما قد يدفع باتجاه استمرار العمليات العسكرية بدلا من احتوائها.
وفي محاولة لفهم أسباب عجز المجتمع الدولي عن كبح التصعيد، يؤكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الألمانية الأردنية د.
بدر الماضي، أن هذه القوى أسست في الأصل لإدارة الصراعات وليس لحلها، مشيرا إلى أن رؤيتها الأولى والأخيرة تقوم على إدارة النزاعات بما ينسجم مع مصالحها الإستراتيجية، وليس إنهاءها بصورة نهائية.
ويقول الماضي: إن كثيرا من حالات النزاع، إن لم تكن أغلبها، تنعكس بشكل أو بآخر على مصالح القوى الكبرى، بمعنى أن استمرارية الصراع قد تخدم مصالح دولة كبرى معينة، وقد تؤثر في الوقت ذاته على مصالح دولة أخرى، وهو ما يجعل إدارة الصراع أكثر انسجاما مع حسابات هذه القوى من الوصول إلى حلول حاسمة له.
ويضيف أن القضية الأهم تتمثل في أن هذه القوى لا ترى أن مثل هذه الصراعات تؤثر بشكل مباشر على استقرارها أو على القيمة السياسية والتنموية التي حققتها عبر عقود طويلة، موضحا أن الدول الكبرى أنجزت مكاسب تنموية وسياسية ضخمة، وهي ليست مستعدة للتضحية بها من أجل دول أو أطراف تمثل في كثير من الأحيان أدوات لتحسين شروط تعاملها مع الأحداث والتطورات العالمية.
ويتابع الماضي أن وجود صراع في الشرق الأوسط أو في إفريقيا أو في آسيا لا يشكل ضررا مباشرا لهذه الدول، طالما أن هذا الصراع يبقى بعيدا عن المركز التنموي الذي بنته، وعن التقدم الذي حققته عبر مسيرة طويلة من البناء وإعادة البناء، سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا.
ويضرب الماضي مثالا على ذلك بالموقف الصيني، موضحا أنه لا يمكن للصين أن تضحي بتجارتها الدولية مع الولايات المتحدة وأوروبا أو مع دول الخليج العربي من أجل إيران، لكنها في الوقت ذاته تحاول الحفاظ على علاقتها مع إيران، باعتبار أن جزءا كبيرا من النفط الذي تعتمد عليه الصناعات الصينية يأتي عبرها.
ويشير إلى أن بكين تعمل على إيجاد توازن دقيق بين علاقاتها مع دول الخليج العربي وإيران، وبين مصالحها مع الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، بحيث إذا لم تستطع إنهاء الصراع فإنها تسعى إلى إدارة هذا التوازن بما يضمن المحافظة على مصالحها مع مختلف الأطراف.
وفيما يتعلق بالولايات المتحدة الأميركية، يرى الماضي أن لها أهدافها الأساسية والرئيسة، وأن استقرار المنطقة في الشرق الأوسط ليس بالضرورة منسجما مع طبيعة المشروع الإسرائيلي، معتبرا أن إسرائيل أسست وجودها على بقاء النزاعات مستمرة في المنطقة، سواء كانت نزاعات إقليمية أو طائفية أو جغرافية أو بمختلف التصنيفات الأخرى.
ويقول: إن الكيان الصهيوني يحاول تأجيج هذه الصراعات والإبقاء عليها مشتعلة، بما يؤدي إلى استمرار انشغال الولايات المتحدة الأميركية والقوى الكبرى في تقديم الدعم له، وهو ما يترك أثرا مباشرا على طبيعة الصراع في المنطقة ويعقد فرص الوصول إلى حلول دائمة.
ويؤكد الماضي أن القوى الكبرى ليس من مصلحتها أن تدخل في مواجهة مباشرة من أجل إنهاء هذا الصراع أو غيره من الصراعات، وإنما تحاول دائما إدارة المشهد من مسافة بعيدة، معتبرا أن ذلك يعكس التحول الذي شهدته العلاقات الدولية خلال الخمسين عاما الماضية.
ويبين أن النمط التقليدي القائم على المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى لم يعد هو السائد، بل أصبح النمط الجديد يقوم على كيفية التعامل مع الأزمات بطريقة لا تؤثر بشكل مباشر على استقرار هذه الدول، وفي الوقت نفسه لا يكون الحسم النهائي للصراع أولوية بالنسبة لها.
ويجدد الماضي التأكيد على أن عدم الحسم في بعض الأحيان لا يمثل ضررا بالنسبة للقوى الكبرى، بل لا يشكل تهديدا مباشرا لها، ما دامت هذه الصراعات تبقى بعيدة عن مراكز نفوذها واستقرارها ومصالحها الإستراتيجية.
وبعد تجدد الحرب، لا يعود السؤال مقتصرا على أسباب التصعيد بقدر ما يتجه نحو فهم أسباب عجز القوى الكبرى عن منعه؛ ففي هذا السياق، يعتبر الخبير الأمني والإستراتيجي د.
بشير الدعجة، أن فشل الولايات المتحدة وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، في منع الانزلاق نحو مواجهة إقليمية واسعة، لا يرتبط بضعف نفوذها أو محدودية قدراتها، بل بطبيعة الصراع نفسه، الذي تجاوز كونه مواجهة عسكرية بين دولتين ليصبح صراعا على شكل الشرق الأوسط المقبل، وعلى هوية القوة المهيمنة فيه، وعلى توزيع النفوذ والثروات وممرات الطاقة والموقع الجيوسياسي للمنطقة بأكملها.
ويؤكد الدعجة أن قراءة المشهد من زاوية التصعيد العسكري الراهن فقط، تعد قراءة ناقصة، إذ إن جذور الصراع تعود إلى أكثر من أربعة عقود، منذ قيام الثورة الإيرانية العام 1979، حيث تراكمت عوامل التوتر والصدام تدريجيا حتى وصل الطرفان إلى مرحلة أصبح فيها التراجع بالنسبة لكل منهما أكثر تكلفة من الاستمرار في المواجهة.
ويلفت إلى أن المفارقة تكمن في أن جميع القوى الكبرى تعلن رفضها للحرب، لكنها في الوقت ذاته تجد مصالح معينة في استمرار التوتر ضمن حدود يمكن التحكم بها.
ويتابع أن الولايات المتحدة تستخدم التصعيد مبررا لتعزيز وجودها العسكري في المنطقة، بينما تستفيد روسيا من تحويل جزء من الاهتمام الغربي بعيدا عن ملفات دولية أخرى، في حين توظف الصين الأزمة لتعزيز موقعها كوسيط دولي صاعد، فيما تحقق شركات الصناعات الدفاعية العالمية أرباحا ضخمة مع كل جولة جديدة من التصعيد.
وبحسب الدعجة، فإن ما يجري لا يعكس فشلا دوليا كاملا بقدر ما يعكس نجاحا نسبيا في إدارة الأزمة دون حلها؛ فهناك فرق بين منع اندلاع حرب شاملة وبين معالجة الأسباب التي تولد الحروب، وقد نجحت القوى الكبرى حتى الآن في الحد من الانفجار الكامل للصراع، لكنها أخفقت في إزالة العوامل التي تدفع إليه.
ويحذر في الوقت ذاته، من دخول المنطقة مرحلة تختلف جذريا عن العقود الماضية، إذ كانت المواجهة تدار سابقا عبر وكلاء وحلفاء وأذرع عسكرية منتشرة في عدة ساحات، بينما انتقلت اليوم إلى مرحلة الضربات المباشرة بين الدول، وهو تحول إستراتيجي بالغ الخطورة يضيق هامش الخطأ ويرفع احتمالات سوء التقدير، بحسب تعبيره.
ويشير إلى أن العلوم العسكرية تتحدث عن مفهوم" التصعيد غير المقصود"، حيث تبدأ الأطراف مواجهة محدودة وهي تعتقد أنها قادرة على ضبط مسارها، قبل أن تجد نفسها أمام حرب واسعة لم تكن تخطط لها.
ويقول: إن التاريخ يقدم نماذج عديدة على ذلك، أبرزها الحرب العالمية الأولى التي انطلقت من حادث أمني محدود نسبيا قبل أن تتحول إلى واحدة من أكبر الكوارث البشرية في التاريخ.
ويضيف الدعجة أن مصدر القلق الدولي الحقيقي لا يكمن في البيانات السياسية أو التصريحات الدبلوماسية، بل في الموقع الجغرافي الذي تدور فيه المواجهة؛ فالمنطقة تضم ما يقارب نصف الاحتياطي النفطي العالمي، وتعبر من خلالها نسبة كبيرة من تجارة النفط المنقولة بحرا، ما يجعل أي اضطراب واسع فيها تهديدا مباشرا للاقتصاد العالمي بأسره.
ومن هذا المنطلق، فإن الخطر لا يرتبط فقط بعدد الصواريخ أو طبيعة الأهداف المستهدفة، وإنما بإمكانية امتداد الصراع إلى مضيق هرمز أو البحر الأحمر أو المنشآت النفطية وشبكات الملاحة والتجارة الدولية، الأمر الذي قد يحول الأزمة من نزاع إقليمي إلى أزمة عالمية متعددة الأبعاد.
ويؤكد أن أحد أكثر العوامل تعقيدا، يتمثل في اقتناع كل طرف بأنه يخوض معركة تتعلق بأمنه القومي ووجوده الإستراتيجي؛ فإسرائيل تنظر إلى منع خصومها من امتلاك قدرات متقدمة باعتباره مسألة بقاء، بينما ترى إيران أن التراجع تحت الضغط سيجعلها أكثر عرضة للاستهداف والعزلة.
وعندما تتقدم الحسابات الوجودية على الاعتبارات السياسية، تتراجع فرص التسوية لمصلحة منطق القوة.
ويرى الدعجة أن السؤال المهم لم يعد ما إذا كانت القوى الكبرى قادرة على منع الحرب، بل ما إذا كانت ما تزال قادرة على السيطرة على ديناميكيات التصعيد إذا خرجت الأحداث عن مسارها.
ويضيف أن العالم يقف اليوم أمام لحظة تشبه مراحل تاريخية سبقت أزمات كبرى، حيث يدرك الجميع حجم المخاطر ويعلنون رغبتهم في تجنبها، لكنهم في الوقت نفسه يواصلون اتخاذ خطوات قد تقود إليها.
ويلفت إلى أن الشرق الأوسط لا يقف اليوم على حافة مواجهة واسعة بسبب قوة إيران أو إسرائيل فقط، وإنما أيضا نتيجة تآكل منظومة الردع والوساطة الدولية؛ فكلما تراجع دور السياسة والدبلوماسية، ازدادت قدرة الميدان على فرض معادلاته.
وفي مثل هذه الظروف تصبح موازين القوة هي اللغة الأكثر تأثيرا في رسم مسار الأحداث، وفق الدعجة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك