لم يكد حبر مانشيتات الأمس يجف حتى تفجّر الشرق الأوسط برمتّه في الساعات الماضية، منزلقاً، ربما، إلى جولة كسر عظم إقليمية ومباشرة أطاحت كلياً بمفاعيل هدنة الثامن من نيسان الماضية، لتعيد رسم قواعد الاشتباك بالدم والنار، واضعةً عواصم المنطقة والقرار الدولي أمام مشهد صاعق قد يؤدي إلى مواجهة مفتوحة وشاملة لا سقف لها بين طهران وتل أبيب.
وترى مصادر سياسية متابعة عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن هذه الخطوة التي أقدم عليها “الحرس الثوري”؛ بإطلاقه موجتين متتاليتين من الصواريخ الباليستية الكثيفة مستهدفاً العمق الإسرائيلي، تعكس حجم الإصرار الإيراني على عدم التفريط بالورقة اللبنانية ورفض مسار مفاوضات واشنطن بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية.
صفارات الإنذار والانفجارات التي دوَّت في القدس وتل أبيب وبير السبع وحيفا، هي انعكاس للدور التخريبي الإيراني على مفاوضات واشنطن لإفشالها، وجاء هذا القصف الصاروخي المباغت رداً مباشراً على غارات الطيران الإسرائيلي العنيفة التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، وفق المصادر.
ولم يتأخر الرد الإسرائيلي المضاد؛ إذ شن سلاح الجو فجراً غارات جوية واسعة وعنيفة بالصواريخ الباليستية الجوية على أهداف عسكرية حيوية في قلب العاصمة طهران، وأصفهان، وتبريز، ومجمع البتروكيماويات الاستراتيجي في بندر ماهشهر بجنوب غرب إيران، متجاهلاً رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالعدول عن الرد السريع لحماية فرص الاتفاق الشامل.
وتقرأ أوساط دبلوماسية هذا الانفجار الميداني، بكونه يمثل الترجمة الفعلية والدموية لمحاولة إيران تثبيت معادلة ردع إقليمية جديدة مفادها “الضاحية مقابل حيفا وتل أبيب”، مشيرة عبر موقع “القوات”، إلى أن طهران تعلن أنها مستعدة لإحراق المنطقة لحماية نفوذها وفصيلها المسلح في لبنان، “الحزب المحظور”، لا سيما بعد اتساع جبهة المحور بدخول الحوثيين على خط النيران بقصف يافا وحظر الملاحة في البحر الأحمر.
عسكرياً وسياسياً، يضع هذا الصدام الصاروخي المباشر جبهة بعبدا والسرايا الحكومية أمام حتمية تاريخية؛ إذ تثبت هذه التطورات دقة القراءة السيادية للرئيسين جوزيف عون ونواف سلام ومعهما سائر القوى والمواقع السيادية وفي مقدمتها معراب، بأن بقاء قرار السلم والحرب خارج سلطة الدولة وبيد الحرس الثوري يحوّل اللبنانيين إلى مجرد وقود لخدمة المصالح الإيرانية على طاولات التفاوض الدولية.
بالتالي، ومع دخول المنطقة في المحظور الإقليمي الشامل، تصبح خريطة طريق الدولة اللبنانية وحراكها الدبلوماسي التفاوضي لحصر السلاح وبسط سلطة الدولة بقواها الذاتية من جيش وقوى أمنية من دون إبطاء، هي طوق النجاة الوحيد والشرعي لمنع تحويل لبنان إلى أرض محروقة في حرب الكبار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك