تعيش سوق العملات المشفرة واحدة من أكثر مراحلها تقلبًا خلال الأشهر الأخيرة، بعدما فقدت عملة بيتكوين جزءًا كبيرًا من مكاسبها القياسية، لتعود التساؤلات مجددًا حول مستقبل أكبر عملة رقمية في العالم، وما إذا كان التراجع الحالي يمثل بداية لانهيار طويل الأمد أم مجرد محطة تصحيح تسبق موجة صعود جديدة.
وتراجعت بيتكوين من مستويات قاربت 125 ألف دولار إلى نحو 60 ألف دولار، متخلية عن المكاسب التي حققتها منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، والذي كان قد رفع شعار تحويل الولايات المتحدة إلى عاصمة عالمية لبيتكوين والعملات الرقمية.
يرى محللون أن الهبوط الأخير لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء نتيجة تداخل عدة مؤثرات اقتصادية واستثمارية، في مقدمتها استمرار عمليات البيع من قبل صناديق بيتكوين المتداولة في البورصة (ETF)، والتي سجلت خلال الأسبوعين الماضيين موجة تخارج ملحوظة ضغطت على الأسعار.
كما ساهم إعلان شركة" ستراتيجي" الأميركية، التابعة للمستثمر المعروف مايكل سايلور، بيع جزء محدود من حيازاتها من بيتكوين، في زيادة حالة القلق داخل السوق، وهو ما انعكس على معنويات المستثمرين وأدى إلى تصفية مراكز استثمارية بمئات ملايين الدولارات.
وفي الوقت ذاته، فضّل عدد من المستثمرين تحويل جزء من أموالهم نحو الاستثمارات المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي، الذي يشهد طفرة كبيرة، على حساب الأصول الرقمية ذات المخاطر المرتفعة.
وتلقت العملات المشفرة دفعة سلبية إضافية بعد صدور تقرير الوظائف الأميركي الأخير، والذي جاء أضعف من توقعات الأسواق، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مسار أسعار الفائدة الأميركية خلال الفترة المقبلة.
ويترقب المتعاملون كذلك اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي المقرر في 16 و17 يونيو/حزيران، وسط توقعات بأن يكون لقرارات البنك المركزي تأثير مباشر على حركة الأصول عالية المخاطر، وفي مقدمتها العملات الرقمية.
محلل مالي: ما يحدث تصحيح طبيعيوفي هذا الإطار، أوضح محلل الأسواق المالية سليم الملولي أن حالة التخبط الأخيرة في أسواق العملات الرقمية أمر طبيعي ومتوقع، إذ شهدت الأسواق خلال الأشهر الماضية نزولًا حادًا بعد موجة صعود قوية.
وفي حديث للتلفزيون العربي، بيّن الملولي أن أسباب هذا التراجع يمكن تقسيمها إلى جانبين:التحليل الفني: منذ فترة رئاسة ترمب الثانية، ارتفعت الأسواق المالية بشكل كبير إلى مستويات قياسية، حيث وصل البيتكوين إلى نحو 125 ألف، وكذلك الإيثريوم، وحتى الذهب والفضة.
هذا الصعود المتواصل لا يمكن أن يستمر بلا توقف، لذلك يحدث ما يُعرف بـ" التصحيح السعري"، حيث يعود السعر لاختبار مناطق سابقة، ويبدأ المستثمرون بجني الأرباح مما يؤدي إلى انخفاض السيولة في السوق، وهو أمر طبيعي.
الأسباب الأساسية: التفاؤل بعودة ترمب خلق بيئة مشجعة للأصول المالية والعملات الرقمية، خاصة مع وعوده بإنهاء النزاعات العالمية وضغطه على الفيدرالي الأميركي بشأن أسعار الفائدة.
وعن تأثير الحروب، أكد الملولي أن النزاعات، سواء في الشرق الأوسط أو غيره، تؤثر مباشرة على الأسواق، إذ يسيطر الخوف على المستثمرين فيتجهون إلى الأصول الآمنة مثل السندات بدلًا من العملات الرقمية عالية المخاطر.
كما أشار إلى أن قرارات الفيدرالي الأميركي لها تأثير مباشر على البيتكوين، حيث إن أي إشارة إلى رفع أو تثبيت الفائدة تزيد الضغط على العملات الرقمية وتدفعها نحو مزيد من التراجع.
وبخصوص التوقعات بانهيار البيتكوين إلى الصفر، نفى الملولي ذلك بشكل قاطع، موضحًا أن البيتكوين أصبح أصلًا ماليًا معتمدًا لدى المؤسسات والصناديق الاستثمارية وحتى بعض الدول، وبالتالي من المستحيل أن ينهار إلى الصفر، وإن كان من الطبيعي أن يشهد تصحيحات سعرية حادة كما حدث في 2017.
أما بالنسبة للمستثمرين الصغار الذين اشتروا العملات الرقمية بأسعار مرتفعة، فنصح الملولي بضرورة وجود إستراتيجية استثمارية واضحة وإدارة قوية للمخاطر، مع تحديد نقاط الدخول والخروج والأهداف المستقبلية، إضافة إلى معرفة متى يجب وقف الخسارة إذا عاكس السوق التوقعات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك