في إحدى أكثر الشهادات شهرة عن القرن العشرين، كتب القسّ الألماني مارتن نيمولر: " في البداية، جاؤوا من أجل الشيوعيين، فلم أتكلّم لأنّني لم أكن شيوعياً.
ثم جاؤوا من أجلي، ولم يبق أحد ليتكلّم".
بقيت هذه الكلمات حيّة في الذاكرة العامة للشعوب التي تعاني اضطرابات ما بعد صدمة الحروب، لأنّها كشفت آليةً اجتماعيةً تتكرّر بأشكال مختلفة في التعامل مع البشر بوصفهم ممثّلين لهُويّات جماعية لا لأنّهم أفراد مستقلّون.
وهذه الآلية نفسها عادت في الأيام الماضية إلى الواجهة في سورية مع دعواتٍ ظهرت إلى مقاطعة السوريين العلويين بعد نشر أدلّة جديدة توثّق الجريمة البشعة التي ارتكبها أمجد يوسف بحقّ أطفال عائلة الطبيبة رانيا العباسي.
لا يحتاج أحد إلى شرح حجم الصدمة التي تثيرها هذه الجريمة، ولا إلى تبرير الغضب الذي تولّده بشاعتها.
غير أنّ النقاش انتقل تدريجياً إلى مساحة أوسع من حدود المسؤولية الجنائية والأخلاقية التي يتحمّلها نظام الأسد، لينتقل في اتجاه مساءلة الجماعة التي ينتمي إليها المجرم، العلويين تحديداً.
وعندما تُطرح المقاطعة ردّاً مشروعاً على جريمة ارتكبها فرد، فإنّها بهذا المعنى تفترض وجود ترابط بين أفراد الجماعة على نحو يجعلهم شركاء في التخطيط والمسؤولية أو مستحقّين للعقاب، ولو لم تكن لهم أيّ علاقة بالفعل الأصلي.
هذه الفكرة تبدو للوهلة الأولى محدودة التأثير، لكنّها تفتح الباب أمام إعادة رسم الحدود بين الفئات التي يُنظر إليها جزءاً من المجتمع السوري ومن يُنظر إلى مجرّد وجودهم مشكلةً ينبغي التعامل معها.
المشكلة هنا تكمن في الافتراض الذي يقوم عليه هذا النوع من التفكير.
القانون الحديث قام أساساً على فكرة أنّ المسؤولية شخصية، وتاريخ العدالة الحديثة برمّته يمكن قراءته بوصفه محاولة طويلة لفصل الفرد عن الأحكام المسبقة المرتبطة بالهُويّة.
لهذا تبدو العودة إلى منطق المسؤولية الجماعية تراجعاً عن أحد أكثر الإنجازات الأخلاقية والسياسية أهمّيةً التي تُبنى بموجبها المجتمعات الحديثة.
الأخطر أنّ الخبرة التاريخية تفيد بأنّ المجتمعات لا تنتقل دفعة واحدة من التعايش إلى ارتكاب المجزرة، وصولاً إلى الإبادة.
التحوّلات الكُبرى تمرّ عادةً بمراحل متدرّجة تصعب ملاحظتها في أثناء وقوعها.
يبدأ الأمر بإعادة تعريف فئة معيّنة باعتبارها مختلفة أو غير مرغوب فيها، ثمّ تُبنى حولها سرديات تجعل وجودها في المجال العام بمثابة احتمال للخطر، ثم يصبح الحديث عن تقليص حضورها أو الحدّ من العلاقات معها أمراً يمكن طرحه من دون أن يثير صدمةً كبيرة.
لا يعني هذا أنّ كلّ دعوة إلى المقاطعة تحمل في داخلها مشروعاً للإبادة أو أنّ أصحابها يسعون إلى العنف.
مثل هذا الاستنتاج سيكون تبسيطًا مُخلّاً بالواقع.
لكن التاريخ لا يكتسب أهميته من خلال تشابه النتائج النهائية فقط، وإنّما من خلال الأنماط التي تتكرّر قبل الوصول إلى هذه النتائج، وهو الجانب الأكثر أهمّيةً.
وما يستحق الانتباه أنّ عمليات القتل الكُبرى بدأت بمحاولات لإعادة تنظيم المجال الاجتماعي بطريقة تجعل بعض البشر أقلّ حضوراً وأقلّ اندماجاً وأقلّ استحقاقاً للتضامن، ولم تبدأ بشعارات تدعو إلى القتل مباشرةً.
لهذا السبب، اهتم علماء الاجتماع والمؤرّخون بمفهوم" المسافة الاجتماعية" أي درجة القرب أو البعد التي يشعر بها الناس تجاه جماعات أخرى.
فالعنف الواسع لا يصبح ممكناً إلا عندما تضعف الروابط التي تجعل الناس يرون بعضهم جيراناً وأهلاً متساوين في الكرامة الإنسانية.
وكلّما تراجعت المعرفة المباشرة بالآخر، ازدادت قابلية اختزاله في صورة عامة.
وهذا يجعل الأحكام تجاه الآخرين أكثر سهولةً وأقلّ مقاومةً للمراجعة.
لهذا تبدو دعوات مقاطعة العلويين خطيرةً بسبب المنطق الذي تستند إليه، وليس بسبب آثارها العملية المباشرة؛ فهي تنقل النقاش من سؤال العدالة إلى سؤال الهُويّة، وما إن يحدث هذا الانتقال حتى يصبح من الصعب رسم حدود واضحة للعنف المُحتمَل أن يترتب عليه لاحقاً.
وربّما لهذا السبب استعصت كلمات نيمولر على التقادم، فهي لا تتحدّث عن لحظة تاريخية بعينها بقدر ما تلتقط آلية تتكرّر كلّما بدأ البشر بالنظر إلى بعضهم من خلال الانتماءات.
وما يمنح دعوات المقاطعة خطورتها ليس عدد القائلين بها، وإنّما عدد الصامتين عنها، ما يمنحها القدرة على التحوّل إلى جزء مألوف وطبيعي من اللغة العامّة.
كتب ألبير كامو في رواية" الطاعون" أنّ الكوارث لا تفاجئ البشر لأنّها مستحيلة، وإنّما لأنّها تبدو كذلك إلى أن تقع، ولهذا كان الطاعون يجد دائماً مدينة تظنّ أنّها استثناء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك