سلّط التصاعد الحاد في الصراع العسكري بين إسرائيل وإيران عقب ضربات متبادلة، الضوء على حالة الضبابية التي تعيشها أسواق المنطقة، خاصة بعدما ترافق التصعيد مع قيام جماعة أنصار الله في اليمن بفرض إغلاق جزئي على مضيق باب المندب واستهداف العمق الإسرائيلي.
وانعكست هذه التطورات فوراً على بورصات الخليج، فعلى سبيل المثال أغلقت المؤشرات الرئيسية لبورصة الكويت تعاملات أمس الاثنين على تراجع جماعي، كما هبط مؤشر سوق دبي المالي أمس الاثنين بنسبة 1.
3% بضغط من تراجع سهم" إعمار العقارية" بنسبة 1.
2% وسهم" سالك" بنسبة 1.
6%.
وتراجع مؤشر سوق أبوظبي للأوراق المالية بنسبة 0.
9% متأثراً.
وفي المقابل، أبدى المؤشر الرئيسي للسوق السعودي" تاسي" تماسكاً لافتاً ليغلق على انخفاض طفيف بنسبة 0.
1% فقط، بدعم من صعود سهم شركة" أرامكو السعودية" بنسبة 0.
7% مستفيداً من قفزة أسعار خام برنت بنسبة 4.
47%.
كما وصلت المخاوف إلى قطاع الطيران الإقليمي الذي يشهد أزمة تشغيلية غير مسبوقة بسبب عودة التوترات في ظل اعتماد مسارات بديلة أطول وأكثر كلفة، بالتزامن مع ارتفاع قياسي في أسعار وقود الطائرات الذي بلغ متوسطه 152 دولاراً للبرميل، وأدت هذه الضغوط المتراكمة إلى خفض التوقعات لصافي أرباح شركات الطيران العالمية لعام 2026 إلى 23 مليار دولار مقارنة بـ 45 ملياراً في عام 2025، مع ترجيح دخول شركات الطيران الخليجية الكبرى في منطقة الخسائر المالية الفعلية وصعوبة الحفاظ على هوامش ربحيتها؛ وفقاً لما أورده تقرير نشره اتحاد النقل الجوي الدولي (إياتا) أمس الاثنين.
وعلى صعيد السلع الأساسية والأمن الغذائي، يفاقم الحصار البحري واستمرار التوتر من حالة طوارئ حادة داخل دول مجلس التعاون الخليجي التي تستورد ما بين 70% إلى 90% من احتياجاتها الغذائية، ومع تعطل سلاسل التوريد عبر المضائق ارتفعت تكاليف الشحن الجوي والبري البديل بنسب تراوحت بين 10% إلى 20% لتأمين المواد سريعة التلف، ما خلق ضغوطاً تضخمية ملموسة محلياً، فضلاً عن تعطل ما يقارب ثلث صادرات الأسمدة واليوريا العالمية المنتجة في الخليج والتي لا يمكن شحنها بكفاءة في ظل هذه الظروف؛ وفقاً لما أورده تقرير نشره موقع" يوراسيا ريفيو" أمس الاثنين.
ومن شأن عودة حدة التصعيد أن تفرض ضغوطاً مالية ثقيلة على الميزانيات الخليجية، ما يدفع صناديق الثروة السيادية في المنطقة إلى تبني استراتيجيات دفاعية صارمة لإدارة المخاطر، حسب محللين.
وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير في الاقتصاد السياسي، رائد المصري، لـ" العربي الجديد"، أن تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل، الناتج عن عدم وقف إطلاق النار في لبنان من قبل الجانب الإسرائيلي، من شأنه أن يؤدي إلى تصعيد حاد في الخلافات ويهدد الاتفاق المرتقب الذي تأمله دول العالم بين واشنطن وطهران رغم إعلان طهران وقف هجماتها على إسرائيل منتصف يوم أمس واتجاه الأمور نحو التهدئة المؤقتة.
ويرى المصري أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يسعى إلى تخريب عمليات التسوية والاتفاقات لتحقيق استحقاقات داخلية وشخصية، غير أن هذا التوجه" لا يؤثر جذرياً على الاستثمارات وتدفقات وأسعار النفط مقارنة بحرب الخليج السابقة، لأنه يبقى بعيداً نسبياً عن صميم موضوع الطاقة، بينما يتأثر قطاع الطيران وشركات النقل الجوي كثيراً بإعادة تحديد المطارات وإغلاق المجالات الجوية في منطقة الشرق الأوسط، ما يرفع مخاوف المستثمرين بشأن كلف التأمين العالية وتعقيدات الحركة"، حسب تقديره.
ومن شأن هذا القلق أن يحد من عجلة النمو في المنطقة ودول الخليج خلال النصف الثاني من عام 2026، حسب ترجيح المصري، " خاصة في ظل وقائع مقلقة وغير مستقرة لا تلتزم بها إسرائيل ولا تستطيع الولايات المتحدة لجمها بسبب خشيتها من اللوبي الصهيوني وحاجة ترامب لأصواته في الانتخابات النصفية القادمة، ما يجعل جميع الملفات والمصالح الدولية مؤقتة ومتشابكة بعوامل سياسية داخلية أميركية"، حسب رأيه.
في السياق، تشير الخبيرة المختصة بالشأن الإيراني، شيماء المرسي، لـ" العربي الجديد"، إلى أن بيئة الاستثمار الخليجية تقف أمام معادلة معقدة في ظل تجدد جولات الصراع المباشر، واستئناف الضربات العسكرية الإيرانية، فرغم بقاء خام برنت فوق مستويات 95 دولاراً ووصوله إلى حاجز 97 دولاراً للبرميل، وهو ما يمنح الميزانيات الخليجية أريحية مالية لتجاوز مستويات التعادل واستدامة الإنفاق الرأسمالي، إلا أن المشهد النفطي يعيش حالة" انفصال هيكلي واضح"، حيث يعكس خفض أرامكو لأسعار البيع الرسمية لآسيا لشهر يوليو/ تموز المقبل بمقدار 9.
50 دولارات للمرة الثانية على التوالي عمق التحدي الذي يواجهه القطاع، حسب تقديرها.
فالخليج لا يواجه مجرد صدمة عسكرية عابرة، بل يعاني من ضغط متزايد على هوامش التكرير الآسيوية خاصة في الصين، وتدفق النفط نحو ممرات بديلة خارج نقاط الصراع، ومن هنا ترى المرسي أن صانع السياسة النفطية الخليجية بات يفضل حماية الحصص السوقية والاستقرار الاستراتيجي طويل الأجل على حساب الاستفادة اللحظية من طفرات الأسعار الناشئة عن الهلع، ما يعيد ترتيب الأولويات الاستراتيجية بعيدا عن المكاسب قصيرة المدى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك