تراجعت أسهم شركات أشباه الموصلات مجدداً خلال تعاملات الثلاثاء، مواصلة موجة الهبوط التي بدأت يوم الجمعة، مع عودة المستثمرين إلى بيع أكبر الرابحين في موجة الصعود التي شهدتها الأسواق خلال الربيع.
وخفت حدة عمليات البيع قبل الإغلاق بعد أن ارتد مؤشر" فيلادلفيا" لأشباه الموصلات من أدنى مستوياته.
إلا أن حجم الأضرار الكامنة تحت السطح كان واضحاً مع تسجيل مؤشر الرقائق أكبر انخفاض له منذ يوليو (تموز) 2002.
لم يكن يوم الثلاثاء مجرد موجة بيع واسعة في السوق، بل ضربة جديدة لقيادة أسهم الذكاء الاصطناعي التي قادت الارتفاعات السابقة.
إذ كان عدد الأسهم المرتفعة ضمن مؤشر" ستاندرد آند بورز 500" يفوق عدد الأسهم المتراجعة، حيث ارتفع 356 سهماً مقابل تراجع 146 سهماً.
وقد تركزت الخسائر في القطاع الذي كان الأكثر استفادة من موجة الصعود.
لماذا تتركز الخسائر في أسهم الذكاء الاصطناعي والرقائق؟أظهر تحليل أن أسوأ 50 سهماً أداء في مؤشر" ستاندرد آند بورز 500" منذ 2 يونيو (حزيران) حققت مكاسب بلغت 44 في المئة خلال الفترة الممتدة من 30 مارس (آذار) إلى 2 يونيو، في حين لم تتجاوز مكاسب بقية أسهم المؤشر 3 في المئة خلال الفترة نفسها.
ومنذ 2 يونيو، انخفضت هذه المجموعة من الأسهم القيادية السابقة بمتوسط 10.
7 في المئة، بينما لا تزال بقية أسهم مؤشر" ستاندرد آند بورز 500" مرتفعة بنحو 1.
6 في المئة.
وضمت قائمة الأسهم الأكثر تضرراً العديد من الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، إذ تراجعت أسهم" سوبر مايكرو" و" برودكوم" بنحو 20 في المئة لكل منهما منذ مطلع الشهر الجاري، في حين هبط سهم" كوالكم" بنحو 17 في المئة.
كيف تأثرت القيمة السوقية لعمالقة الرقائق؟كانت الخسائر من حيث القيمة السوقية أكثر تركزاً، فقد كانت" برودكوم" و" إنفيديا" أكبر شركتين من حيث خسائر القيمة السوقية ضمن مؤشر" ستاندرد آند بورز 500"، بينما جاءت" مايكرون" و" آيه إم دي" أيضاً ضمن أكبر 10 خاسرين.
ومحا قطاع أشباه الموصلات نحو 1.
4 تريليون دولار من قيمته السوقية خلال موجة البيع التي استمرت 5 أيام.
وكان للارتداد الذي شهده السوق منتصف يوم الثلاثاء أهمية، لكن البائعين لا يزالون يسيطرون على قطاع الرقائق حتى يعود مؤشر" سوكس" للإغلاق فوق مستوى 13 ألف نقطة مجدداً.
وتظل الرسالة التي تبعثها حركة السوق واضحة في الوقت الحالي: لم يعد الفائزون في سباق الذكاء الاصطناعي يحظون بحصانة من عمليات البيع.
هل كانت موجة البيع مجرد" جرس إنذار" للمستثمرين؟وفقاً لبنك" ويلز فارغو"، فإن موجة البيع التي قادها قطاع التكنولوجيا يوم الجمعة كانت بمثابة" جرس إنذار" للمستثمرين، إذ سبق للبنك أن حذر من مخاطر التكدس في استثمارات الذكاء الاصطناعي.
وقال المحلل أوهسونغ كوون إن" الاندفاع" الذي دعم الارتفاعات الأخيرة للأسهم قد انتهى على الأرجح، ما يجعله أقل حماساً للأسهم في الوقت الراهن.
ومع ذلك، يرى أن موجة البيع التي شهدت هبوطاً حاداً لكل من مؤشر" ناسداك 100" ومؤشر" ستاندرد آند بورز 500" كانت مدفوعة بإعادة تموضع المستثمرين أكثر من كونها ناتجة عن تدهور في الأساسيات الاقتصادية، ما يعني تباطؤ وتيرة الصعود وليس بداية تراجع طويل الأمد.
وكتب كوون في مذكرة للعملاء: " مع استمرار الحرب وقيام شركات الحوسبة السحابية العملاقة بجمع رؤوس الأموال لتمويل النفقات الرأسمالية، نعتقد أن الرهان الضيق على شراء أسهم أشباه الموصلات سيعود مجدداً.
لكن موجة الصعود المدفوعة بالحماس المفرط انتهت على الأرجح، ونتوقع تباطؤ وتيرة الارتفاع.
احتفظ بأسهم الذكاء الاصطناعي، وبِع عقود الشراء".
كيف ينظر المحللون الآخرون إلى التراجع الأخير؟تتوافق تصريحات كوون مع آراء استراتيجيين آخرين رأوا في التراجع الأخير الذي تجدد الثلاثاء إشارة تحذيرية.
فقد خفض بنك" جيه بي مورغان" نظرته قصيرة الأجل إلى" حذر تكتيكي"، مشيراً إلى أن المستثمرين قد يواصلون بيع بعض شركات الذكاء الاصطناعي التي قادت الارتفاعات الأخيرة.
وفي الوقت نفسه، حذر بنك" أوف أميركا" المستثمرين من ضرورة توخي الحذر، في ظل تزايد مؤشرات السوق الهابطة التي قد تشير إلى اقتراب بلوغ الأسواق ذروتها.
وخلال تعاملات الثلاثاء، قادت أسهم التكنولوجيا السوق إلى الانخفاض مجدداً، مع تراجع مؤشر" ناسداك 100" بنحو 2 في المئة.
ما هي أبرز المخاطر التي تهدد استمرار صعود الذكاء الاصطناعي؟بالنسبة إلى كوون، لا يزال أمام سوق الأسهم مجال لمواصلة الصعود، لكنه شدد على أهمية إدراك المستثمرين للمخاطر المستقبلية، في ظل وجود عدة سيناريوهات سلبية قد تعرقل المسار الصاعد.
ومن أبرز هذه المخاطر احتمال تباطؤ موجة الإنفاق الضخمة الممولة بالديون على الذكاء الاصطناعي إذا لم تبدأ شركات التكنولوجيا الكبرى في تحقيق عائد مناسب على استثماراتها.
وكتب كوون: " إن التضخم في تكاليف سلاسل التوريد يعني أن هذه الشركات ستضطر إلى تمرير التكاليف المرتفعة إلى مختبرات الذكاء الاصطناعي للحفاظ على العائد على الاستثمار، في وقت بدأ فيه المستخدمون النهائيون يتساءلون عن جدوى العائد من استخدام الذكاء الاصطناعي".
ويتمثل خطر آخر في معادلة العرض والطلب.
فبينما يتجاوز الطلب العرض حالياً، من المتوقع أن تتضاعف الطاقة الإنتاجية سنوياً خلال السنوات الخمس المقبلة، ما سيؤدي إلى سوق أكثر توازناً.
وقال كوون: " إذا بدأ التوازن بين العرض والطلب بالتحقق، فإننا نتوقع تباطؤ الإنفاق الرأسمالي.
لكننا لا نزال حالياً في المراحل المبكرة من الذكاء الاصطناعي المعتمد على النصوص".
هل لا يزال هناك مجال لصعود الأسهم الأميركية؟من جانب آخر، يرى جاك كافري، مدير المحافظ الاستثمارية في وحدة إدارة الأصول التابعة لـ" جيه بي مورغان"، أن الأسهم الأميركية لا تزال تمتلك مجالاً إضافياً للصعود، في ظل استمرار نمو أرباح الشركات رغم بعض المؤشرات التي توحي بأن الأسواق ربما ارتفعت أكثر من اللازم.
وأوضح كافري أن الأرباح مرشحة للنمو بنسبة 22 في المئة أو أكثر خلال عام 2026، رغم مرور الاقتصاد الأميركي بعدة سنوات من التوسع الاقتصادي.
وأضاف أن أرباح الشركات سجلت نمواً بمعدلات متوسطة من خانتين خلال العام الماضي، ومن المرجح أن يتكرر الأمر في عام 2027.
وكانت موجة الصعود في الأسهم الأميركية خلال عام 2026، المدعومة جزئياً بالإنفاق المؤسسي على البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، قد اصطدمت بعقبة يوم الجمعة بعد صدور تقرير قوي للوظائف عزز الرهانات على أن الخطوة المقبلة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي ستكون رفع أسعار الفائدة.
إلا أن الأسهم تعافت هذا الأسبوع مع استمرار انتعاش تداولات الذكاء الاصطناعي لليوم الثاني على التوالي.
لماذا تختلف آراء" وول ستريت" حول السوق؟يتناقض تفاؤل كافري مع تحذيرات صدرت من مؤسسات أخرى في" وول ستريت".
فقد ذكر بنك" أوف أميركا" في مذكرة يوم الجمعة أن هناك" عدداً كبيراً جداً من الإشارات التحذيرية"، ونصح المستثمرين بـ" جني الأرباح".
كما أشار استراتيجيو" سيتي غروب" إلى أن المتداولين يبنون مراكز بيع على المكشوف في الأسهم الأميركية بوتيرة قوية، وأن هبوط مؤشر" ناسداك 100" بنحو 5 في المئة يوم الجمعة، وهو الأكبر منذ 14 شهراً، لم يؤد إلا إلى تقليص جزئي لمستويات التعرض للمخاطر لدى المستثمرين.
وقال كافري إنه لا يتوقع أن تؤدي التراجعات قصيرة الأجل إلى تغيير قصة الأرباح الأساسية.
وأضاف: " إذا سألتني عما سيحدث خلال الخمس عشرة دقيقة المقبلة، فلا أملك رؤية خاصة.
أما إذا سألتني عما سيحدث خلال فترة تتراوح بين 15 و24 شهراً، فسأعود للحديث عن العلاقة بين الأرباح والتوقعات".
واعترف بأن معنويات المستثمرين ربما أصبحت مرتفعة بعض الشيء، لكنه أشار إلى أن مؤشرات مثل مؤشر التقلبات وفوارق العائد الائتمانية" لا تشير إلى وجود الكثير مما يدعو للقلق حالياً".
وختم قائلاً: " إذا واصلنا رؤية مراجعات إيجابية لتوقعات الأرباح، فإن قصة الصعود لا تزال تمتلك مقومات الاستمرار.
وستكون هناك، بلا شك، ارتدادات وتراجعات على طول الطريق، ما يعني أن فترات التصحيح ستكون قصيرة لكنها حادة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك