حذّر أطباء من تزايد جاذبية السجائر الإلكترونية و«الفيب» لدى المراهقين والشباب، تحت تأثير المحتوى الرقمي والإعلانات غير المباشرة، وسط اعتقاد خاطئ بأنها أقل ضرراً من التدخين التقليدي، مشيرين إلى أنه على الرغم من مواصلة دولة الإمارات جهودها للحد من التدخين وتعزيز الوعي الصحي وتبنيها نهجاً متكاملاً يجمع بين التوعية والوقاية والعلاج والدعم التقني للحد من انتشار هذه الظاهرة، فإن بعض منصات التواصل الاجتماعي تلعب دوراً في تطبيع هذه الممارسات والترويج لها بصورة جذابة، مؤكدين في الوقت ذاته أن التكنولوجيا نفسها يمكن أن تتحوّل إلى جزء من الحل عبر التطبيقات الصحية والاستشارات الرقمية الداعمة للإقلاع عن التدخين.
وتفصيلاً، أكد استشاري طب الأسرة بمستشفيات الظفرة التابعة لشركة صحة، الدكتور فواز جاسم محمد، أن دولة الإمارات حققت خلال السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في جهود مكافحة التدخين، بفضل التشريعات المنظمة والحملات التوعوية والخدمات العلاجية المتخصصة، الأمر الذي أسهم في رفع مستوى الوعي الصحي لدى أفراد المجتمع، ورغم ذلك لايزال التدخين يُشكل تحدياً صحياً قائماً، لا سيما مع تزايد انتشار السجائر الإلكترونية وأجهزة «الفيب» بين فئة الشباب، مؤكداً أن جميع منتجات التبغ والنيكوتين، بمختلف أشكالها، تنطوي على مخاطر صحية متفاوتة وقد تؤدي إلى الإدمان ومضاعفات صحية على المدى الطويل، وحذّر فواز من أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت سلاحاً ذا حدين، وفي بعض الأحيان قد تسهم في تطبيع التدخين أو إظهاره بصورة جذابة، خصوصاً لدى المراهقين، لكنه أكد أن التكنولوجيا أصبحت أداة مهمة في دعم الإقلاع عن التدخين عبر التطبيقات الصحية.
وقال: «التكنولوجيا أصبحت أداة مهمة في دعم الإقلاع عن التدخين، من خلال التطبيقات الصحية التي تساعد على متابعة التقدم، وتقديم التذكير والتحفيز، وتوفير النصائح اليومية والدعم السلوكي، كما أن الاستشارات الطبية عن بُعد والمتابعة الرقمية أسهمتا في تسهيل وصول المدخنين إلى الدعم والعلاج بشكل أسرع وأكثر مرونة»، مشيراً إلى أن أبرز التحديات تتركز في الإدمان على النيكوتين، والأعراض الانسحابية التي يواجهها المدخن مثل التوتر واضطرابات المزاج والرغبة الشديدة في التدخين، إضافة إلى العوامل الاجتماعية والنفسية، لذلك من المهم أن تتم عملية الإقلاع بدعم طبي ونفسي مناسب، مع متابعة مستمرة لزيادة فرص النجاح.
وأيدته في الرأي، استشارية طب الأسرة بمدينة الشيخ طحنون بن محمد الطبية، الدكتورة سلمى حمد الدرمكي، قائلة: «هناك منصات رقمية تسهم في انتشار التدخين الإلكتروني بين الشباب عبر محتوى ترويجي مضلل، وقد تسهم بعض المحتويات والإعلانات غير المباشرة في تشجيع الشباب على تجربة السجائر الإلكترونية من خلال عرضها بصورة جذابة خصوصاً مع تنوع النكهات والتصاميم الحديثة لها، وفي المقابل، تُستخدم هذه المنصات أيضاً لنشر حملات التوعية الصحية وتثقيف المجتمع بمخاطر التدخين وآثاره السلبية، لذا يعتمد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على نوعية المحتوى المتداول ومدى وعي الأفراد في التعامل معه».
وأضافت: «يمكن تعزيز الوقاية المبكرة من التدخين في المدارس والجامعات من خلال تكثيف البرامج التوعوية التي تشرح الأضرار الصحية والنفسية للتدخين والسجائر الإلكترونية، كما تسهم الندوات والأنشطة الطلابية في نشر الوعي وتشجيع الطلبة على تبني أسلوب حياة صحي»، وشددت على أن دور الأسرة والمعلمين يُعد مهماً في توجيه الشباب وتقديم الدعم لهم، إضافة إلى تطبيق القوانين التي تمنع التدخين داخل المؤسسات التعليمية، حيث من المتوقع أن تسهم هذه الجهود مجتمعة في الحد من انتشار التدخين بين فئة الشباب وتعزيز بيئة صحية وآمنة.
وأشارت إلى أن الوصول إلى مجتمع خالٍ من التدخين يتطلب تعزيز الجهود التوعوية والتثقيفية بين مختلف فئات المجتمع، خصوصاً فئة الشباب، مع التركيز على مخاطر التدخين التقليدي والإلكتروني، كما يُعد دعم برامج الإقلاع عن التدخين وتسهيل الوصول إلى العيادات والخدمات العلاجية من الخطوات المهمة لتحقيق هذا الهدف، لافتة إلى أن القوانين التي تحد من التدخين في الأماكن العامة، إلى جانب دور الأسرة والمدارس ووسائل الإعلام، تسهم في نشر ثقافة صحية وتشجيع الأفراد على تبني أسلوب حياة خالٍ من التدخين حفاظاً على صحة المجتمع وجودة الحياة.
وأكدت الدرمكي إمكانية الاستفادة من التكنولوجيا بشكل كبير في دعم الإقلاع عن التدخين، إذ أصبحت التطبيقات الصحية والمنصات الرقمية وسائل فعالة تساعد المدخنين على تغيير سلوكهم الصحي بطريقة منظمة ومستمرة، حيث تتيح التطبيقات الذكية للمستخدم وضع خطة زمنية للإقلاع عن التدخين، مع تحديد عدد السجائر التي يتم تقليلها تدريجياً يوماً بعد يوم، ما يساعد على التحكم بالرغبة في التدخين وتقليل الاعتماد على النيكوتين.
وبيّنت أن فوائد التطبيقات تتضمن أيضاً تذكيراً يومياً ورسائل تحفيزية تشجع المستخدم على الاستمرار وعدم العودة إلى التدخين، وعرض إحصاءات توضح التحسّن الصحي الذي يطرأ على الجسم بعد التوقف عن التدخين، كما توفر بعض التطبيقات أيضاً حساباً للمبالغ المالية التي تم توفيرها بعد الإقلاع، ما يمنح المستخدم دافعاً إضافياً للاستمرار، إضافة إلى خاصية الاستشارات الطبية الإلكترونية التي تتيح للمدخنين التواصل مع مختصين للحصول على النصائح والدعم النفسي، من دون الحاجة إلى زيارة العيادات بشكل مستمر، ما يجعلها أداة مهمة في الوقاية والعلاج ودعم بناء مجتمع أكثر صحة وخالياً من التدخين.
من جانبها، حذّرت استشارية في طب الأسرة في عيادات صحة، والبورد الأميركي في طب نمط الحياة، ودبلوم في علم النفس الإكلينيكي والإقلاع عن التدخين، الدكتورة حليمة عبدالله حريب الشحي، من الدور المتزايد الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار التدخين الإلكتروني بين فئة الشباب، مشيرة إلى أن المحتوى الرقمي، بما في ذلك المقاطع الترويجية والتحديات المنتشرة عبر المنصات، يسهم في تطبيع سلوك التدخين الإلكتروني وتقديمه بصورة جذابة ومضللة، مشيرة إلى أن كثيراً من المراهقين يتأثرون بما يشاهدونه من مؤثرين أو محتوى ترفيهي يربط السجائر الإلكترونية بالموضة أو أسلوب الحياة العصري، من دون إدراك كامل لمخاطرها الصحية والنفسية.
وأكدت ضرورة تكثيف الرقابة على المحتوى الرقمي وتعزيز الحملات التوعوية الموجهة عبر المنصات نفسها، إلى جانب دور الأسرة في متابعة ما يتعرض له الأبناء على الإنترنت، مشددة على أن الوقاية تبدأ من الوعي المبكر بخطورة هذه الممارسات وتأثيرها طويل الأمد في صحة أبنائنا.
من جانبه، أشار استشاري أمراض القلب في مدينة الشيخ شخبوط الطبية - أبوظبي، الدكتور سيد جارديزي، إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تُعد ظاهرة مزدوجة التأثير في ما يتعلق بانتشار التدخين الإلكتروني بين الشباب، إذ تسهم من جهة في ترسيخ هذا السلوك عبر محتوى ترويجي غير مباشر ومقاطع تُظهر السجائر الإلكترونية كخيار عصري أو أقل ضرراً، ما قد يدفع المراهقين إلى التجربة من دون إدراك كافٍ للمخاطر الصحية، وفي المقابل، يمكن لهذه المنصات أن تؤدي دوراً إيجابياً فاعلاً في الحد من الظاهرة، من خلال نشر محتوى توعوي موثوق، وتقديم معلومات علمية مبسطة، إلى جانب مشاركة تجارب حقيقية لمتعافين، وتنظيم حملات رقمية تصحح المفاهيم الخطأ حول التدخين الإلكتروني.
وحذّر جارديزي من أن التعرض المزمن للنيكوتين يؤدي إلى زيادة مستقبلاته في الدماغ، ما يسبب أعراضاً انسحابيه تشمل التهيج، والقلق، وضعف التركيز، والرغبة الشديدة في التدخين، وقد تكون هذه الأعراض قوية إلى درجة تطغى على رغبة الشخص في الإقلاع، وغالباً ما يصبح التدخين جزءاً راسخاً من الروتين اليومي للمدخن، إذ يرتبط في ذهنه بتخفيف التوتر أو بأوقات الوجبات أو بالجلسات الاجتماعية، مشيراً إلى استمرار هذه الروابط النفسية والسلوكية حتى بعد زوال أعراض الانسحاب الجسدية، ما يجعل المدخنين السابقين أكثر عرضة للعودة إلى التدخين عند مواجهة مواقف مشابهة.
وأشار مدير قسم أمراض الرئة في مدينة الشيخ خليفة الطبية، الدكتور مروان نجيب، إلى وجود زيادة ملحوظة في الإقبال على عيادات الإقلاع عن التدخين، ما يعكس تنامي الوعي الصحي ورغبة الأفراد في تحسين نمط حياتهم، لافتاً إلى أن القطاع الصحي في الإمارات لا يكتفي بانتظار المراجعين، بل ينظم حملات توعوية وورش عمل، والتعاون مع الجهات الحكومية لنشر الوعي وبناء مجتمع أكثر صحة.
وقال: «نحتاج إلى تكامل الجهود التشريعية والصحية والتعليمية والإعلامية، مع التركيز على الوقاية المبكرة، ودعم المدخنين بدلاً من وصمهم»، مشدداً على أن التكنولوجيا يمكن أن تُسهم بشكل فعّال في دعم الإقلاع عن التدخين، من خلال التطبيقات الصحية، والمتابعة الرقمية، والرسائل التحفيزية، والاستشارات عن بُعد، بما يسهل الوصول إلى الدعم في أي وقت.
وأشار إلى أن المساعدة التي توفرها عيادات الإقلاع تشمل مختلف أنواع التدخين مثل السجائر والمدواخ والشيشة والسجائر الإلكترونية (Vaping)، ويتم استخدام أدوات تشخيصية متقدمة، تشمل جهاز قياس أول أكسيد الكربون، واختبارات وظائف الرئة، وفحوص الأوعية الدموية، إضافة إلى أشعة الصدر والتحاليل المخبرية للكشف عن الأضرار الصحية الناتجة عن التدخين.
6 خطوات للتغلب على التحدياتحددت الاستشارية في طب الأسرة في عيادات صحة، والبورد الأميركي في طب نمط الحياة ودبلوم في علم النفس الإكلينيكي والإقلاع عن التدخين، الدكتورة حليمة عبدالله حريب الشحي، ست خطوات للتغلب على التحديات التي تواجه الراغبين في الإقلاع عن التدخين، شملت: تحديد سبب واضح ومحفّز للإقلاع، وتجنب المحفزات المرتبطة بالتدخين في الأسابيع الأولى، واستخدام العلاجات الموصوفة بانتظام وعدم إيقافها مبكراً، وممارسة الرياضة والنشاط البدني لتخفيف التوتر والرغبة في النيكوتين، والحصول على دعم الأسرة والأصدقاء، إضافة إلى التذكّر أن الانتكاسة لا تعني الفشل، بل هي جزء قد يحدث في رحلة التعافي ويمكن التعلم منه والعودة للمحاولة مجدداً، مشيرة إلى أنه في ظل توفير الدولة العلاجات الحديثة والدعم المتخصص، باتت فرص النجاح في الإقلاع عن التدخين أعلى بكثير من السابق، خصوصاً عند الجمع بين العلاج الدوائي والدعم السلوكي والمتابعة المستمرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك