سكاي نيوز عربية - أزمة غزة.. هل يحسم "تحييد السلاح" معضلة الانقسام الفلسطيني؟ العربي الجديد - جيش الاحتلال يستعد لاحتمال تكثيف العدوان على غزة فرانس 24 - وزير الدفاع الأميركي يزور غونتانامو الأربعاء CNN بالعربية - "سري للغاية".. تكهنات حول حفل زفاف تايلور سويفت وترافيس كيلسي Euronews عــربي - قطع طرق النفط العراقي في شرق سوريا.. مطالب معيشية ومصير معتقلي "داعش" يفجّران الغضب روسيا اليوم - الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال رئيس شبكة تحويل أموال "حماس" ونائبه في غزة وكالة شينخوا الصينية - (وسائط متعددة) الكويت: أنظمة الدفاع الجوي تعترض أهدافا معادية قناة الجزيرة مباشر - Iran Announces Targeting of 21 US Sites in Response to Attacks and Warns of Wider Escalation DW عربية - 90 دقيقة قد تصنع الفارق.. تمارين تقلل خطر الوفاة والخرف الجزيرة نت - الأردن يوقف استقدام العمالة الوافدة
عامة

هذا ما تخشاه أجهزة الأمن في تونس هذه الأيام

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 ساعة

في واحدة من أكثر الشهادات إثارة للاهتمام حول الدولة التونسية، برر مدير سابق للأمن الوطني كثيرا من الانحرافات الأمنية التي عرفتها البلاد، ليس بسلوك الأفراد، بل بما سماه" العقيدة الأمنية" التي حكمت المؤ...

في واحدة من أكثر الشهادات إثارة للاهتمام حول الدولة التونسية، برر مدير سابق للأمن الوطني كثيرا من الانحرافات الأمنية التي عرفتها البلاد، ليس بسلوك الأفراد، بل بما سماه" العقيدة الأمنية" التي حكمت المؤسسة لعقود.

قال الرجل تقريبا إن العقيدة السائدة كانت تقوم على معادلة واضحة: 90% من عمل الأجهزة دفاعا عن الدولة وأمنها، و10% دفاعا عن النظام.

وربما يختلف كثيرون حول دقة هذه النسبة، بل قد يذهب بعضهم إلى اعتبارها معكوسة تماما.

لكن الأهم من الأرقام نفسها هو الاعتراف بوجود عقيدة أمنية حكمت علاقة الأجهزة بالدولة والسلطة والمجتمع لعقود، وخلطت بدرجات متفاوتة بين حماية الدولة وحماية النظام القائم.

قد يبدو هذا الكلام، للوهلة الأولى، محاولة للتخفيف من مسؤولية الأجهزة في عقود القمع والانتهاكات.

لكنه في الواقع يفتح بابا أعمق للنقاش:ما هي العقيدة الأمنية فعلا؟

كيف نشأت في تونس؟ وكيف تغيرت؟

وهل نحن اليوم أمام عودة سريعة إلى عقيدة حماية النظام، أم أمام تحولات أعمق يصعب التراجع عنها؟الحديث عن" العقيدة الأمنية" لا يقتصر على التعليمات اليومية، أو على طبيعة القيادات الموجودة داخل الأجهزة.

فالعقيدة الأمنية، في معناها العميق، هي مجموع التصورات التي تحدد: من هو العدو؟ ما الذي يجب حمايته؟ ما حدود استعمال القوة؟ وما طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع؟نشأت العقيدة الأمنية في تونس داخل دولة الاستقلال، في سياق بناء دولة مركزية قوية خرجت من الاستعمار وهي تخشى التفكك والجهويات والصراعات الأيديولوجية.

ومع الوقت، اختلطت حماية الدولة بحماية النظام، ثم بحماية الحزب الحاكم وشخص الرئيس.

هكذا تحول الأمن تدريجيا من وظيفة دستورية لحماية المجتمع والمؤسسات إلى أداة لضبط المجال السياسي، ومراقبة المجتمع، ومنع كل ما يمكن أن يفهم كتهديد لاستقرار النظام القائم.

في بعض الأنظمة، تبنى العقيدة الأمنية أساسا على حماية السلطة السياسية، ولو على حساب الحريات والقانون.

أما في الأنظمة الديمقراطية، فتقوم العقيدة الأمنية على حماية الدولة والدستور والمجتمع، وعلى اعتبار المواطن صاحب حقوق، لا مجرد موضوع للمراقبة والسيطرة.

ولهذا، فإن إصلاح العقيدة الأمنية لا يعني فقط تغيير القوانين أو الوجوه، بل يعني أيضا تغيير الثقافة السياسية التي تعرف معنى الأمن نفسه داخل الدولة.

هذا السؤال ليس نظريا بالنسبة إلي.

فقد كنت مشاركا في النقاشات التي رافقت صياغة دستور 2014، كما أشرفت إداريا بين أواخر 2011 ومنتصف 2013 على جهاز الأمن الرئاسي، في مرحلة دقيقة حاولت فيها الدولة التونسية إعادة تعريف العلاقة بين الأمن والجمهورية.

وأذكر جيدا كيف انتقل الأمن الرئاسي، خلال تلك الفترة، من عقيدة مرتبطة بحماية شخص الرئيس وعائلته، إلى عقيدة مرتبطة بحماية الدولة والمؤسسات.

لأول مرة، أصبح الجهاز معنيا أيضا بحماية قيادات معارضة كبرى ومرشحين للانتخابات، وبضمان أمن المسار السياسي نفسه، لا أمن السلطة القائمة فقط.

لاحقا، ومن خلال عضويتي في لجنة الأمن والدفاع بالبرلمان بين 2014 و2019، تابعت من قرب التحولات العميقة داخل المؤسسة الأمنية، بما فيها صراعاتها الداخلية، وهواجسها، وحدود الإصلاح الممكن فيها.

في تقديري، لم تكن الدولة الأمنية في تونس كتلة واحدة متجانسة كما يصور أحيانا.

بل كان هناك دائما تعايش بين" دولتين عميقتين" داخل أجهزة الدولة نفسها:دولة المصالح والشبكات والولاءات والانغلاق.

ودولة أخرى تؤمن بالإصلاح، وبالحياد، وبالمصلحة العليا للدولة، وبفكرة الأمن الجمهوري.

وقد استفادت المؤسسة الأمنية كثيرا من الثورة، أكثر مما يعترف به كثيرون.

الثورة أعادت الاعتبار المعنوي والمادي للأمنيين، وأخرجت المؤسسة تدريجيا من المواجهة المباشرة مع المجتمع، وفتحت الباب أمام مناخات جديدة أكثر احترافية وأقل توترا.

كما أن محاسبة بعض القيادات الأمنية بعد الثورة تركت أثرا عميقا داخل المؤسسة، خوفا من العقاب من جهة، ورسالة واضحة بأن زمن الحصانة المطلقة قد انتهى من جهة أخرى.

ثم جاء التداول السياسي السريع بين 2011 و2019 ليعمق هذا التحول.

فالأجهزة التي رأت وزراء ورؤساء حكومات وأحزابا يتغيرون باستمرار، أصبحت أكثر حذرا من الاصطفاف السياسي، وأكثر ميلا إلى الاحتماء بالنص القانوني وبالحياد المهني.

وتراجعت، نسبيا، بعض التجاوزات الجسيمة والممارسات الأكثر عنفا مقارنة بمراحل سابقة؛ بسبب تطور قيمي داخل جزء من المؤسسة، وبفعل الخوف المتزايد من المساءلة كذلك.

وهاجس المحاسبة حاضر بقوة داخل أغلب القيادات الأمنية اليوم.

لكن، سيكون من الخطأ تصوير هذا التحول وكأنه أصبح نهائيا أو مكتملا.

فالإصلاح الأمني في تونس لا يزال هشا ومترددا وغير محسوم بالكامل، ولا تزال داخل المنظومة بقايا ثقافة قديمة قائمة على الغلق والولاء والخوف من الرقابة المدنية.

كما أن بعض الانتهاكات والتجاوزات لم تختفِ تماما، خاصة في المناخات السياسية المتوترة، أو في الملفات ذات الطابع السياسي والأمني الحساس.

غير أن الفارق الجوهري مقارنة بالماضي يتمثل في أن هذه الممارسات لم تعد تمارس داخل نفس مناخ الحصانة المطلقة، ولا بنفس اليقين القديم بأن الدولة ستوفر دائما الحماية لمنفذي التعليمات.

وهذا، في حد ذاته، تحول عميق في العلاقة بين الأمن والقانون والمجتمع، حتى وإن بقي تحولا غير مكتمل وقابلا للانتكاس.

كثيرون من داخل الأجهزة يعتقدون أن من سيدفع الثمن القضائي عن مرحلة ما بعد 25 يوليو/تموز2021 هم أساسا القيادة السياسية، وبعض الوزراء وفي مقدمتهم وزيرا العدل والداخلية الحاليان، وقرابة أربعين قاضيا من المتخصصين حصريا في القضايا السياسية والمنفذين للتعليمات الفوقية، وأربعة من القيادات العليا العسكرية والأمنية التي تورطت مباشرة في إدارة المرحلة.

أما بقية الأجهزة، فهي حريصة، إلى حد بعيد، على تجنب التورط المباشر.

رغم الانغلاق السياسي الحالي، لا تزال قطاعات من المعارضة تشيد أحيانا باحترافية تعامل الأجهزة مع بعض التحركات الاحتجاجية، كما ينوه بعض الموقوفين السياسيين بطريقة التعامل الإنساني أثناء الإيقاف أو داخل السجون، مقارنة بمراحل سابقة من تاريخ الدولة التونسية.

ولا يقتصر اختبار العقيدة الأمنية الجمهورية على الملفات السياسية الكبرى أو على الصراع بين السلطة والمعارضة في العاصمة.

فجزء مهم من هذا الاختبار يجري يوميا في الجهات، حيث تواجه الدولة احتجاجات اجتماعية واقتصادية مرتبطة بالتلوث في قابس، وبطالة أصحاب الشهادات، والماء، والتهميش التنموي.

هناك، يتحدد المعنى الحقيقي للأمن الجمهوري: هل يكون الأمن أداة لاحتواء الغضب الاجتماعي بالقوة، أم مؤسسة تحمي حق الناس في الاحتجاج، وتحافظ في الوقت نفسه على السلم العام والمؤسسات؟هذا التطور النسبي في السلوك الأمني يعكس تحولا حقيقيا، ولو بقي غير مكتمل وهشا، في العقيدة الأمنية، مقارنة بمراحل سابقة، ويؤكد أن قطاعات داخل المؤسسة لا تريد أن تتحول إلى ماكينة قمع، أو طرف مباشر في الصراع السياسي.

صحيح أن كثيرا من القيادات الأمنية كانت مرتاحة لما حدث ليلة 25 يوليو/تموز2021.

فقد شعرت أن الدولة استعادت نفسها من فوضى سياسية مرهقة، ومن محاولات بعض الفاعلين السياسيين توسيع الرقابة المدنية على الأجهزة بطريقة ارتجالية، أو توظيفها داخل معاركهم الخاصة.

كما أن نهاية مرحلة النقابات الأمنية، بكل ما حملته من فوضى وضرب للتراتبية والانضباط، كانت محل ارتياح داخل قطاعات واسعة من المؤسسة، خصوصا بعد إفشال مشروع قيس سعيد لتوحيد النقابات الأمنية داخل هيكل واحد موال للسلطة، كان يمكن أن يتحول عمليا إلى ما يشبه مليشيا سياسية حاملة للسلاح داخل الدولة.

لكن من الواضح أيضا أن جزءا مهما من هذه القيادات غير مرتاح اليوم للوجهة التي ذهبت إليها البلاد.

هناك قلق حقيقي من شخصنة الدولة، ومن إدارة المؤسسات بمنطق الولاء، ومن الحرص المحموم لجر أجهزة الدولة إلى معارك عبثية ضد الخصوم والمعارضين والإدارة.

وحتى ضد أجزاء من الدولة نفسها.

كما أن استهداف عديد القيادات الأمنية لمرحلة ما بعد الثورة بدعوى علاقاتهم السابقة بفاعلين سياسيين قبل 2021 خلق خوفا إضافيا داخل المؤسسات، ورسخ قناعة بأن الولاء الشخصي لا يوفر دائما الحماية.

والأهم من ذلك كله أن أغلب الأجهزة اليوم تخشى انهيار الدولة وانفلات المجتمع أكثر مما تخشى التغيير السياسي نفسه.

فهي تدرك أن أخطر السيناريوهات ليس انتقالا منظما أو تسوية سياسية عقلانية، بل انتفاضة شعبية واسعة، غاضبة ومدمرة، بلا أفق سياسي واضح، وبلا أجسام وسيطة قادرة على امتصاص غضب الشارع وتأطيره.

لذلك تبدو، في العمق، أقرب إلى تفضيل تغيير هادئ وعقلاني يحفظ الدولة ويمنع الانفجار، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحمل مسؤولية أي انتقال سياسي جديد، ولا أن تظهر كطرف صانع للقرار.

وقد أثبتت تجارب الانتقال الديمقراطي، خصوصا في إسبانيا بعد فرانكو، أن استقرار الديمقراطية لا يقوم على الدساتير والانتخابات وحدها، وإنما كذلك على نجاح الدولة في إعادة تعريف وظيفة أجهزتها الأمنية: من حماية السلطة إلى حماية النظام الدستوري نفسه.

وتونس، رغم خصوصياتها، تواجه اليوم السؤال ذاته: كيف ننتقل من دولة تخشى المجتمع، إلى دولة تحميه؟الجواب لا يكمن في إضعاف الدولة أو في تسييس أجهزتها أكثر، بل في ترسيخ عقيدة جمهورية تجعل الأمن جزءا من الشرعية الدستورية لا أداة فوقها.

وهنا يجب التوقف عند مسألة شديدة الحساسية: ما معنى" العقيدة الأمنية الجمهورية" أصلا؟لا علاقة لهذا المعنى بالتضاد الشكلي مع النظام الملكي.

فالجمهورية هنا تعني، قبل كل شيء، خضوع القوة العامة للدستور والقانون، وارتباطها بالمواطنين لا بالحاكم، وبالمؤسسات لا بالأشخاص، وبالمصلحة العامة لا بالولاءات الخاصة.

في الدول الديمقراطية الحديثة، تقوم هذه العقيدة على فكرة بسيطة ولكن حاسمة: الأجهزة الأمنية والعسكرية ليست ملكا للحاكم، بل مؤسسات للدولة وللدستور وللمجتمع.

لكنها، في المقابل، لا تتحول إلى وصي سياسي فوق الشعب، ولا إلى سلطة تقرر من يحكم ومن يعزل.

العقيدة الجمهورية لا تعني" حكم الأجهزة"، بل تعني إخضاع القوة المسلحة للقانون بدل إخضاع القانون للقوة.

ومعيار الأمن الجمهوري الحقيقي ليس الولاء للحاكم، وإنما احترام القانون وحماية المواطنين والمؤسسات، ورفض الانزلاق إلى التعذيب، أو المحاضر المفبركة، أو تصفية الخصوم أمنيا وتعطيلهم إداريا، ورفض التحول إلى أداة داخل الصراع السياسي، أو إلى جهاز يعمل بمنطق التعليمات الشخصية لا بمنطق القانون.

أما تغيير السلطة السياسية، فيجب أن يبقى شأنا دستوريا ومدنيا وشعبيا، لا وظيفة للأجهزة.

هذه النقطة بالذات أساسية اليوم في تونس.

فالبلاد لا تحتاج إلى انقلاب جديد يبرر بإنقاذ الدولة، بل تحتاج إلى استكمال تحول هادئ نحو دولة جمهورية حقيقية، تكون فيها الأجهزة محايدة ومحترفة ومحصنة من التوظيف السياسي.

وإذا كانت هناك رسالة ينبغي أن تصل اليوم إلى المؤسسة الأمنية، فهي التالية: حيادكم هو حمايتكم.

وابتعادكم عن الانتهاكات هو الضمانة الوحيدة لمستقبلكم ولمستقبل الدولة.

أما الانخراط في صناعة القمع والمحاضر والتعليمات، وحجب جوازات السفر وبطاقات السوابق العدلية، فلن يحمي أحدا على المدى الطويل.

لقد تغير المجتمع التونسي.

وتغيرت الدولة نفسها.

وتغيرت نظرة الأمنيين إلى دورهم أيضا.

وربما تكون هذه واحدة من أعمق التحولات التي أفرزتها الثورة التونسية، حتى وإن بقيت غير مكتملة ومهددة دائما بالانتكاس.

فحين تتحول المؤسسة الأمنية من حامية للدولة إلى أداة في يد السلطة ضد الدولة والمجتمع والتاريخ، لا تكون الدولة وحدها هي المهددة، بل المؤسسة نفسها ومستقبل الجمهورية بأكمله.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك