مهد لإنهاء حرب كادت تطول قول الأدميرال روبرت باينز، وقد رفض الأوامر بمتابعة القتال: " لن أشرك دولتين عظيمتين في حرب بسبب نزاع حول خنزير".
كان ذلك عام 1859.
ففي جزيرة سان خوان، تعايش المستوطنون البريطانيون والأمريكيون معا بسلام لفترة من الوقت، رغم ادعاء كل من الدولتين حقها في الجزيرة، واستمر وجود جانبين فيها، كل منهما يتبع لإحدى الدولتين.
لكن خنزيرا غادر ذات يوم الجانب البريطاني من الجزيرة، وأكل بعض البطاطس التي زرعها مزارع مجاور على الجانب الأمريكي، فأطلق المزارع الأمريكي النار على الخنزير سارق البطاطس، وصادف أن صاحب الخنزير موظف في شركة خليج هدسون، وقد أبلغ السلطات البريطانية عن" عملية القتل"، مطالبا إياها بالعدالة.
هددت السلطات البريطانية بالقبض على الأمريكي، فأثار التهديد غضب السكان الأمريكيين في الجزيرة، وأرسلوا بدورهم طلبا يناشدون فيه السلطات الأمريكية بتأمين الحماية العسكرية لهم، فأرسل الجنرال ويليام إس هارني إلى الجزيرة مجموعة مكونة من 66 رجلا ينتمون إلى فرقة المشاة التاسعة الأمريكية، ليأتي الرد من جيمس دوغلاس، حاكم كولومبيا البريطانية، بإرسال ثلاث سفن حربية بريطانية، رغبة منه في إظهار التفوق على الجانب الأمريكي.
ساد التوتر بين الفريقين، وبدأ الجانبان معا يزيدان من وجودهما العسكري ببطء، واستمرت المواجهة لمدة شهر.
لكن التحول الحكيم والحاسم حدث بعد وصول الأدميرال روبرت إل باينز، القائد العام للقوات البحرية البريطانية في المحيط الهادئ، الذي طلب منه توجيه قواته إلى جزيرة سان خوان وتصعيد الأمر، غير أن باينز رفض هذا الأمر، وقال مقولته التي جاءت لتعلن وقف المهزلة.
" حرب الكلب الضال" التي جرت سنة 1925، فقد كان سببها المباشر دخول كلب يملكه جندي يوناني من اليونان إلى بلغاريا، وقد تبعه الجندي لكي يرجعه، ولم يعجب هذا الجنود في بلغاريا، فأطلقوا الرصاص عليه فماتوللحادثة في التاريخ نظائربالنسبة لكثيرين سيبدو الحدث غريبا ومستهجنا، بنشأته وتطوراته ولاعقلانيته، ولكنه مع ذلك لم يكن وحيد نوعه، بل إن له في التاريخ نظائر وأشباه.
من ذلك" حرب الدلو الخشبي"، التي دارت رحاها سنة 1325م بين مدينتي مودينا وبولونيا الإيطاليتين، وكان سببها سرقة فرقة صغيرة من جنود مدينة مودينا دلوا خشبيا من مدينة بولونيا التي لم تتجاوز سكانها الحدث، بل اعتبروه إهانة لهم، وأعلنوا على مودينا حربا تسعرت نيرانها، واستمرت 12 عاما، وانتهت دون أن يحقق سكان بولونيا غايتهم في استعادة دلوهم المسروق، إذ يحتفظ بالدلو الخشبي في برج بمدينة مودينا حتى اليوم.
أما" حرب الكلب الضال" التي جرت سنة 1925، فقد كان سببها المباشر دخول كلب يملكه جندي يوناني من اليونان إلى بلغاريا، وقد تبعه الجندي لكي يرجعه، ولم يعجب هذا الجنود في بلغاريا، فأطلقوا الرصاص عليه فمات.
هذا الحدث استفز اليونان، فبدأت غزو بلغاريا، ونشبت بين البلدين حرب أدت إلى مقتل العشرات وجرح المئات، والبداية كانت كلبا ضالا!وعلى خلفية نزاع في مباراة لكرة القدم نشبت حرب الـ" 100 ساعة" بين هندوراس والسلفادور قبل أكثر من نصف قرن.
وفي التاريخ القديم نشبت حرب طروادة، التي دامت 10 سنوات، بسبب سيدة تدعى هيلين.
وبالعودة إلى التاريخ العربي تطالعنا أحداث حرب" البسوس"، التي جرت قبل الإسلام بين قبيلتي بكر وتغلب، واستمرت لنحو أربعة عقود، سفكت فيها الدماء، ونهبت الأراضي والممتلكات، وانتهكت الأعراض، وقد أطلق شرارتها قتل ناقة أتبعه قتل ملك.
وإضافة إلى ذلك، هناك حرب" داحس والغبراء" بين عبس وذبيان، التي دامت كذلك 40 سنة، وكان سببها سباقا بين حصان وفرس.
في تاريخنا الإسلامي سجل بحروف من نور موقف الحسن بن علي رضي الله عنهما، إذ تنازل عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه، وطوى صفحة حرب قامت بين الطرفين، في عام سمي بعام الجماعةبعض الحكمة في مواجهة الجنونبعد حرب ضروس طال أمدها، وأهلكت الحرث والنسل، وجدت الحكمة متنفسا لها، لتنهي حرب" داحس والغبراء" بتدخل الحارث بن عوف وهرم بن سنان للإصلاح بين عبس وذبيان، متعهدين بدفع ديات قتلى الحرب من أموالهما.
فكان فعلهما مثار استحسان وإعجاب كثيرين، ومنهم شاعر الحكمة زهير بن أبي سلمى، الذي لطالما أشاد بصنيعهما في شعره، ومن ذلك قوله:يمينا لنعم السيدان وجدتما.
على كل حال من سحيل ومبرمتداركتما عبسا وذبيان بعدما.
تفانوا ودقوا بينهم عطر منشموقد قلتما إن ندرك السلم واسعا.
بمال ومعروف من القول نسلمواعتزال الحرب، إن لم يكن ثمة سبيل لإطفائها، هو من أبسط بدهيات الحكمة تجاه حرب تؤججها الرعونة، ويغيب فيها العقل.
وهذا ما تجلى في موقف الحارث بن عباد، الذي رفض خوض القتال في حرب البسوس، وقال في ذلك قولته التي جرت مثلا: " تلك حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل"، وذلك قبل أن يقتل المهلهل ولده بجيرا، فيثور وينادي بالحرب.
وفي تاريخنا الإسلامي سجل بحروف من نور موقف الحسن بن علي رضي الله عنهما، إذ تنازل عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه، وطوى صفحة حرب قامت بين الطرفين، في عام سمي بعام الجماعة.
وبذلك استحق الحسن أن يكون سيدا، كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الصحيح: " إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".
وإذا ما انتقلنا إلى عالم اليوم وجدنا، للإنصاف، أن العالم المتحضر صار أكثر عقلانية في إثارة الحروب.
وقد يكون مرد ذلك، إلى حد بعيد، إلى اعتبار التجارب الأليمة والحصاد المر الذي جناه العالم عقب حربين عالميتين أحدثتا قدرا هائلا من التدمير والقتل.
وليس المقصود أن الحروب لم تعد موجودة، لكن القصد أن دولا كثيرة ألزمت نفسها باتفاقيات وقواعد وسياسات تحد من دور النزوات الفردية الطائشة في إثارة الحروب، وصارت مثل هذه الوقائع بالنسبة إلى تلك الدول أشياء معيبة من الماضي تخطتها وتجاوزتها، وبقيت تاريخا يشار إليه لأخذ العبرة، وللتدليل على أن الحروب التي تحركها نزوات غير منضبطة، ويدير رحاها أشخاص يفتقرون إلى الشعور بالمسؤولية، هي حروب مهلكة تحرق الأخضر واليابس، فلا ينبغي لها أن تكون.
إن حربا يشعلها مثل ذلك القائد إثمها عظيم، وهو إثم لا يتحمله وحده، وإنما يشاركه في ذلك شعب سمح بوصوله إلى منصب القيادة ورضي به، ويتحمله أيضا مقاتلون ساروا خلفه وائتمروا بأمرهورغم الاتجاه أكثر نحو عقلنة قرار الحرب، فإن هذا لا ينفي استمرار وجود قيادات في بقاع من العالم هنا أو هناك، لا تتورع عن إشعال حروب تنهك العباد وتحرق البلاد، دون أن يكون لها مسوغ حقيقي معتبر، بل دافعها السعي لتحقيق مطامع شخصية، أو إرضاء هوى مريض، أو إشباع نزوة خرقاء.
ولئن تستر القائد بشعارات يدعي فيها الغيرة للوطن أو مناصرة الحق أو الحمية للمقدسات، محاولا بذلك إخفاء حقيقة دوافعه، فإن العاقل المتبصر، الذي يمتلك الحد الأدنى من القدرة على تحليل الأمور، سيكتشف زيف تلك الشعارات وبطلانها.
إن حربا يشعلها مثل ذلك القائد إثمها عظيم، وهو إثم لا يتحمله وحده، وإنما يشاركه في ذلك شعب سمح بوصوله إلى منصب القيادة ورضي به، ويتحمله أيضا مقاتلون ساروا خلفه وائتمروا بأمره.
فصحيح أن للقائد الحق في أن يكون مطاعا، ولكن ذلك مرتبط بواجب الشعب في الحيلولة دون أن يصل إلى القيادة من ليس أهلا لأن يطاع.
فظيعة هي آثار الحرب المجنونة، وليست الكارثة فيها أن يموت الإنسان، بل أن يكون موته لغايات دنيوية دنيئة، أو أن يكثر القتل في أبناء البلد الواحد والدين الواحد والعرق الواحد، ولا يدري القاتل لم قتل، ولا المقتول فيم قتل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك