تبدأ غداً الخميس واحدة من أكبر عمليات الاكتتاب في تاريخ أسواق المال العالمية، مع تسعير الطرح العام الأولي لشركة سبيس إكس المملوكة للملياردير إيلون ماسك، في خطوة قد تفتح الباب أمام موجة غير مسبوقة من اكتتابات شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتعيد رسم موازين العرض والطلب في وول ستريت.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه احتياجات الشركات إلى التمويل لمواصلة الإنفاق الضخم على البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، وسط توقعات بأن تشهد السوق الأميركية تدفق كميات كبيرة من الأسهم الجديدة للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة" فاينانشال تايمز"، اليوم الأربعاء، فإن الأسواق الأميركية تقف على أعتاب تحول تاريخي قد ينهي أكثر من عشرين عاماً من تراجع المعروض الصافي للأسهم، وهي الظاهرة التي دعمت صعود الأسهم الأميركية وأسهم التكنولوجيا على وجه الخصوص طوال السنوات الماضية.
تستعد فيه شركات عملاقة للانتقال من أسواق التمويل الخاصة إلى البورصات العامة عبر طروحات يتوقع أن تكون من بين الأكبر في تاريخ قطاع التكنولوجيا.
وتتصدر شركة سبيس إكس موجة الاكتتابات التاريخية، إذ تستهدف تسعير اكتتابها غدا الخميس وبدء تداول أسهمها في اليوم التالي، مع سعيها إلى جمع ما يصل إلى 86 مليار دولار في صفقة قد تمنحها تقييماً يقترب من 1.
75 تريليون دولار، وهو أعلى تقييم تستهدفه شركة عند إدراجها في الأسواق العامة.
وفي المقابل، بدأت شركتا أوبن إيه آي وأنثروبيك اتخاذ الخطوات التنظيمية اللازمة للإدراج في البورصة عبر تقديم ملفات اكتتاب سرية للجهات التنظيمية الأميركية خلال الأسابيع الأخيرة، من دون تحديد موعد نهائي للطرح حتى الآن.
ومع احتدام المنافسة في سباق الذكاء الاصطناعي وارتفاع كلفة بناء مراكز البيانات العملاقة وشراء الرقائق المتقدمة وتوسيع القدرات الحاسوبية، بدأت الشركات الكبرى بالتخلي تدريجياً عن سياسات إعادة شراء الأسهم التي هيمنت على وول ستريت طوال العقدين الماضيين، والاتجاه بدلاً من ذلك إلى تعزيز رؤوس أموالها عبر إصدارات جديدة من الأسهم.
وفي هذا السياق، جمعت شركة ألفابت، المالكة لغوغل، نحو 85 مليار دولار من خلال طرح أسهم جديد لتمويل استثماراتها المتنامية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، في خطوة تعد من أكبر عمليات جمع التمويل في تاريخ الشركة.
كما أفادت صحيفة" فاينانشال تايمز" بأن شركة ميتا تدرس تنفيذ عملية مماثلة لتوفير الموارد المالية اللازمة لتوسيع استثماراتها في مراكز البيانات وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يعكس حجم التحول الذي تشهده شركات التكنولوجيا الكبرى في أساليب تمويل خططها التوسعية.
وعلى مدى أكثر من عشرين عاماً، استفادت الأسواق الأميركية من ظاهرة اقتصادية مهمة تمثلت في تراجع عدد الأسهم المتاحة للتداول.
فقد اعتمدت الشركات الكبرى بصورة متزايدة على برامج إعادة شراء الأسهم، بينما أدت عمليات الاستحواذ والشطب من البورصات إلى سحب المزيد من الأسهم من السوق.
وأسهمت هذه العوامل في خلق بيئة من" ندرة الأسهم"، حيث ظل المعروض يتراجع بصورة مستمرة، ما وفر دعماً إضافياً لارتفاع الأسعار وساعد على تعزيز مكاسب المستثمرين.
ووفقاً لتقديرات بنك غولدمان ساكس، فإن المعروض الصافي من الأسهم الأميركية، والذي يقاس عبر طرح الأسهم الجديدة مطروحا منه الأسهم التي يتم سحبها من السوق عبر إعادة الشراء أو الاستحواذات، سيقترب من الصفر خلال عام 2026، بعد أن ظل سلبياً منذ عام 2003.
ويتوقع البنك، بحسب الصحيفة، أن يشهد عام 2027 تدفقاً أكبر للأسهم الجديدة إلى السوق، خصوصاً بعد انتهاء فترات الحظر المفروضة على بيع الأسهم الخاصة بالاكتتابات المرتقبة خلال العام الجاري.
ونقلت الصحيفة عن أجاي راجادياكشا، رئيس الأبحاث العالمية في بنك باركليز، قوله إن ما يحدث يمثل تحولاً جذرياً، في إشارة إلى التغير الذي تشهده سوق الأسهم الأميركية بعد سنوات طويلة من تراجع المعروض من الأسهم.
وأضاف أن الإنفاق المتسارع على الذكاء الاصطناعي يترك مساحة أقل أمام الشركات لإعادة شراء أسهمها، ويحول بعض أكبر الشركات الأميركية من مشترٍ صاف للأسهم إلى مصدرٍ صاف لها.
وتابع قائلاً: " سيمنحنا ذلك اختباراً واضحاً لمعرفة مدى اعتماد موجة الصعود الواسعة في سوق الأسهم خلال العقد الماضي على الانخفاض الصافي في عدد الأسهم المتاحة للتداول".
وخلال السنوات الماضية، شكلت برامج إعادة شراء الأسهم أحد أهم أدوات الشركات الأميركية لدعم أسعار أسهمها وتحسين ربحية السهم الواحد.
إلا أن طفرة الذكاء الاصطناعي فرضت واقعاً جديداً على الشركات التكنولوجية الكبرى.
فبناء مراكز البيانات العملاقة وشراء الرقائق المتطورة وتطوير النماذج الذكية يتطلب استثمارات بمئات المليارات من الدولارات خلال السنوات المقبلة، وهو ما يدفع الشركات إلى البحث عن مصادر تمويل إضافية.
وشهدت سوق الاكتتابات الأميركية انتعاشاً ملحوظاً خلال عام 2026.
وتشير بيانات شركة ديلوجيك المتخصصة في بيانات أسواق رأس المال والصفقات المالية إلى أن 60 شركة أميركية طرحت أسهمها للاكتتاب العام منذ بداية العام، وجمعت نحو 40 مليار دولار، وهو أعلى مستوى للنشاط منذ عام 2021.
هل تستنزف الاكتتابات سيولة السوق؟ورغم التفاؤل الذي يحيط بقطاع الذكاء الاصطناعي، بدأ عدد من المستثمرين التعبير عن مخاوف متزايدة بشأن قدرة السوق على استيعاب الكميات الضخمة من الأسهم الجديدة.
ويشير مراقبون إلى أن صناديق الاستثمار والمؤسسات المالية لا تستطيع زيادة مخصصاتها للأسهم الجديدة بصورة غير محدودة، ما يعني أن جزءاً من الأموال اللازمة للمشاركة في الطروحات المرتقبة قد يأتي من بيع أسهم أخرى مدرجة بالفعل.
وتعزز هذه المخاوف التراجعات التي شهدتها أسهم التكنولوجيا خلال الأيام الأخيرة.
فقد تعرضت شركات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات لموجة بيع واسعة أدت إلى خسائر بمئات المليارات من الدولارات في قيمتها السوقية، بينما خسر الشريك المؤسس لشركة أوراكل لاري إليسون نحو 47 مليار دولار من ثروته خلال أسبوع واحد فقط، نتيجة هبوط سهم الشركة وسط الضغوط التي تعرض لها القطاع.
وتعزز هذه المخاوف المؤشرات التي بدأت تظهر بالفعل في الأسواق خلال الأسابيع الأخيرة، حيث فقدت مجموعة الشركات الأميركية العملاقة المعروفة باسم" العظماء السبعة" أكثر من تريليون دولار من قيمتها السوقية منذ إعلان سبيس إكس خططها للاكتتاب الشهر الماضي، وسط تزايد الاعتقاد بأن المستثمرين بدؤوا إعادة هيكلة محافظهم الاستثمارية استعداداً لموجة الطروحات الضخمة المرتقبة.
وقال مدير الاستثمار في شركة" فيديريتد هيرميس"، جوردان ستيوارت، إن المستثمرين باتوا يركزون على الفرص الجديدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مضيفاً: " الجميع يبحث عن الفرصة التالية".
ورجح، بحسب" فاينانشال تايمز" أن يأتي جزء من الأموال اللازمة للمشاركة في الاكتتابات الجديدة من التخارج الجزئي من بعض أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى المدرجة بالفعل.
كما نقلت الصحيفة عن مسؤول بارز في أسواق رأس المال في أحد البنوك الاستثمارية العالمية قوله إن السوق مقبلة على سحب كبير للسيولة نتيجة أحجام الطروحات المرتقبة، مضيفاً: " لا شك في أن هذه الطروحات ستسحب قدراً كبيراً من السيولة من السوق.
لم نشهد من قبل اكتتابات بهذا الحجم.
نحن نتحدث عن مبالغ ضخمة للغاية".
لكن في المقابل، يرى عدد من المحللين أن المخاوف المرتبطة بزيادة المعروض من الأسهم قد تكون مبالغاً فيها، بالنظر إلى الحجم الضخم لسوق الأسهم الأميركية ووفرة السيولة العالمية الباحثة عن فرص استثمارية جديدة.
ونقلت الصحيفة عن رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي في" دويتشه بنك"، جيم ريد، قوله إن المخاوف من تعرض السوق لموجة بيع واسعة بسبب الزيادة المرتقبة في الإصدارات الجديدة قد تكون في غير محلها، مشيراً إلى أن الطلب على الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا يزال قوياً وأن شهية المستثمرين تجاه القطاع لم تظهر حتى الآن علامات تراجع جوهرية.
غير أن خبراء آخرين يدعون إلى التعامل بحذر مع موجة التفاؤل الحالية، مستندين إلى سوابق تاريخية شهدت فيها الأسواق نشاطاً استثنائياً في الاكتتابات العامة قبل فترات من التصحيح الحاد.
فالتاريخ المالي يظهر أن فترات الذروة في الطروحات الأولية غالباً ما تتزامن مع مستويات مرتفعة من التفاؤل وتقييمات قياسية للأصول.
وقال رئيس الاستثمار في شركة" ريتشارد بيرنستاين أدفايزرز"، ريتشارد بيرنستاين للصحيفة: " الأرقام القياسية للإصدارات الجديدة تعد واحدة من العلامات الكلاسيكية للفقاعات المالية".
وأضاف أن الاكتتابات المنتظرة لشركات سبيس إكس وأوبن إيه آي وأنثروبيك قد تتجاوز، حتى بعد احتساب أثر التضخم، إجمالي الأموال التي جُمعت خلال فقاعة شركات التكنولوجيا بين عامي 1999 و2000.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك