العربي الجديد - الذكاء الاصطناعي يحارب غلاء أسعار تذاكر كأس العالم 2026 القدس العربي - الضفة.. جيش الاحتلال الإسرائيلي يصيب فلسطينيا دهسا في نابلس- (فيديو) التلفزيون العربي - مزيد من الشهداء في غزة.. أسرى مبعدون يطالبون بحل ملف سفرهم الجزيرة نت - بالصور.. رحلة تعكس تاريخ آبل بمؤتمر المطورين السنوي العربي الجديد - كأس العالم 2026.. تحديات أمنية تواكب البطولة الأكبر تاريخياً وكالة سبوتنيك - رئيس الوزراء البريطاني: المستوطنات الإسرائيلية انتهاك صريح للقانون الدولي قناه الحدث - العفو الدولية تتهم إسرائيل بجعل ضم الضفة رسميا "هدفا سياسيا معلنا" سكاي نيوز عربية - "أنثروبيك" تطلق أقوى نماذجها للذكاء الاصطناعي قناة الشرق للأخبار - بسبب التوترات.. استمرار تكدس السفن في محيط مضيق هرمز القدس العربي - رئيس “شل”: إغلاق هرمز أدى إلى اضطرابات غير مسبوقة في أسواق الطاقة
عامة

هلكوت عزيز.. مهندس الضياء في الفضاء العام

رووداو عربية
رووداو عربية منذ 1 ساعة

إن أصحاب الرسائل الخالدة لا تحدهم قوالب الحياة الضيقة، فهم أينما دفعهم جبر الواقع، يخلقون واقعاً جديداً ويتركون خلفهم بصمة قومية وإنسانية لا تمحى ويمثل الراحل" هلكوت عزيز" النموذج الأبرز لتلك الحقيقة ...

إن أصحاب الرسائل الخالدة لا تحدهم قوالب الحياة الضيقة، فهم أينما دفعهم جبر الواقع، يخلقون واقعاً جديداً ويتركون خلفهم بصمة قومية وإنسانية لا تمحى ويمثل الراحل" هلكوت عزيز" النموذج الأبرز لتلك الحقيقة الفلسفية التي تؤكد أن الإبداع الحقيقي يولد من رحم المعاناة والسعي وراء العيش الكريم.

لقد جاهد بجد، وبشغف متقد، لينال شهادة في المسرح من قلب كوردستان النابض، غير أن الظروف القاسية التي مر بها الوطن غيّرت مساره نحو عالم الإعلام.

ولم يكن هذا التحول اختياراً عشوائياً، بل تجسد كـ ضرورة وجودية (Existential Necessity) تتماشى مع رؤية الفيلسوف مارتن هايدغر، حركتها غايتان نبيلتان: الأولى، أن يخدم وطنه بصورة أعمق عبر الكلمة والصورة والثانية، تأمين حياة كريمة تليق بعائلته، وهو ما يمثل في ذاته أسمى الرسائل الإنسانية والواجبات الأخلاقية النبيلة.

كركوك وسيميولوجيا المسرح الواقعيفي قلب كركوك الجريحة وفي فتره وجيزة، استطاع" هلكوت عزيز" أن يفرض وجوده كحقيقة ساطعة لا تقبل الجدل على أرض الواقع.

فغدا محط رضا المواطنين ومحرق أنظار كبرى المؤسسات الإعلامية، ولاسيما شبكة رووداو الإعلامية.

هناك وتحت وطأة الأحداث الجسام من الحرب ضد تنظيم داعش وملف الاستفتاء وهجمات الحشد الشعبي والجيش العراقي، تخطى عمله حدود الإعلام التقليدي التقريري.

هنا، تتجلى الرؤية الفلسفية للمخرج والمفكر أنطونين آرتو في مفهومه عن" مسرح القسوة" أو مسرح الواقع العنيف، حيث حوّل" هلكوت" ساحة الإعلام إلى ميدان لذلك المسرح الحقيقي، ولم تعد المايكروفونات والكاميرات مجرد أدوات تقنية، بل غدت شاهداً حياً وحسّياً على التضحيات وحقائق المنطقة.

لقد كان بمثابة فيلسوف للخبر، انتشل الأحداث من سرديات التاريخ الباردة وحولها إلى واقع معاش وملموس.

صياغة الفضاء العام والعبور نحو ضفة الضياءبعد أن شد الرحال نحو العاصمة العراقية بغداد وتولى إدارة مكتب رووداو، بدأت رحلة فلسفية جديدة في حياته.

فصار فاعلاً أساسياً في صياغة الفضاء العام (The Public Sphere) وهو المفهوم العميق الذي أرساه الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، حيث يتحول الإعلام إلى قوة للتوعية والحوار الحر، بعيداً عن هيمنة السلطة الأحادية.

وفي خضم مناخ سياسي عراقي عاصف ومربك يفوق فيه عدد السياسيين عن عدد المواطنين استطاع" هلكوت" النفوذ إلى تلك الأزقة الضيقة والمظلمة لدهاليز السلطة والحزبية في بغداد وبفضل فكره الثاقب وقوة حواره ورصانة أدواته، حوّل تلك الأزقة المعتمة إلى شوارع فسيحة تفيض بالضياء والوضوح في كلا الاتجاهين.

لقد كان بحق بمثابة وزارة للإعمار والتنوير في قلب السياسة العراقية المعقدة، لأنه جسر الهوة بين الرؤى المتباينة.

الليبرالية المهنية والوطنية القومية الخالصةمن المنظور الفكري والفلسفي، كان" هلكوت" تجسيداً للمثقف الليبرالي الواعي.

فقد ترفع عن الأطر الحزبية الضيقة وبلغ مرحلة الفضاء الحر، حيث كان صدح مايكروفونه يصل إلى الجميع دون تمييز أو مواربة.

ولم تكن هذه الحرية والموضوعية المهنية يوماً سبباً في إضعاف انتمائه القومي، بل كان ينبض خلف ذلك القناع المهني الديمقراطي قلب كوردستاني مخلص من العيار أربعة وعشرين (عيار 24).

فقد حافظ في قلب العاصمة العراقية على هويته وثقافته كقومي أصيل ومعتز بذاته، جامعاً بين العقل المنطقي والوجدان الوطني في نقطة التوازن المثلى.

بات" هلكوت" سفيراً للثقافة والإنسانية في بغداد، وخصوصاً لفناني وصحفيي كركوك، فكان بيته ومكتبه بمثابة الملاذ والمأوى لكل المبدعين الذين يقصدون المركز وسخر كل نفوذه ومكانته المتميزة لتذليل العقبات وتسهيل شؤونهم العلمية ودعم طلبة الماجستير والدكتوراه.

علاوة على ذلك، بلغت رسالته الإنسانية مداها حين أصبح بوابه للأمل وجسراً للرحمة لكل مريض يقصد مشافي بغداد للعلاج من كوردستان.

في الختام، أثبت" هلكوت عزيز" عبر مسيرته العملية مفهوم التطور التاريخي الجدلي (Dialectical Progress)؛ إذ بدأ من نقطة صغيرة، لكنه شيد صرحاً وجودياً وتاريخياً عظيماً.

والآن، حانت لحظة الرحيل، لحظة التوديع بأسمى قيم الإنسانية وأثقلها وزناً.

لقد ترجل هذا الفارس الجسور، مسلماً روحه بين دقات قلب الإبداع وواجب الحقيقة.

والآن، ببالغ الحسرة وبأصدق دموع الوفاء لكوردستان، وبعظيم الإخلاص وقدسية العمل المسرحي وبأمانة ونبل عالم الإعلام، نودع هذه الأيقونة الفذة في الوطنية والمهنية.

لقد رحل، لكن التاريخ الذي بناه على أسس الليبرالية النقية والوطنية الأصيلة، سيظل مساراً نيّراً وواضحاً في تاريخ الوعي القومي لكوردستان.

فلتسترح روحه الطاهرة بسلام وسيظل اسمه حياً نابضاً في قلوب أصدقائه الأوفياء وفي جرح الوطن الحبيب.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك