لم تعد شخصية" روبن هود" في أحدث معالجاتها السينمائية ذلك البطل الخفيف الذي يقفز بين الأشجار ويواجه" شريف نوتنغهام"، الذي يمثل السلطة، بابتسامة وسهم.
في فيلم" موت روبن هود" (The Death of Robin Hood)، يقدم المخرج الأمريكي مايكل سارنوسكي، مخرج فيلمي" خنزير" و" مكان هادئ: يوم واحد"، نسخة أكثر قتامة وإنسانية من الأسطورة الإنجليزية، حيث يظهر روبن هود رجلا منهكا يواجه ماضيه العنيف والأسطورة التي تكونت حوله.
list 1 of 2من قال لا لفيلم" نعم"؟ انسحاب ناداف لابيد من مهرجان مرسيليا تحت ضغط المقاطعةlist 2 of 2كوثر بن هنية: السينما سياسة والغرب يستهلك مآسي الجنوبالفيلم الجديد، بطولة هيو جاكمان وجودي كومر وبيل سكارسغارد، يعيد الشخصية إلى أصولها الأكثر خشونة في الحكايات الشعبية والقصائد القديمة، بدلا من الصورة الهوليوودية اللامعة التي رسختها السينما خلال القرن العشرين.
وحسب الموسوعة البريطانية، ظهر اسم روبن هود ظهر في سلسلة من القصائد الإنجليزية التي يعود بعضها إلى القرن الرابع عشر على الأقل، بوصفه خارجا على القانون يتمرد على السلطة، ويواجه" شريف نوتنغهام"، ويسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء.
كما تؤكد الموسوعة أن هذه القصائد المبكرة تكشف جانبا قاسيا من الحياة في العصور الوسطى، بعيدا عن الصورة الرومانسية التي صنعتها الأفلام لاحقا.
ومن هنا تبدو نسخة سارنوسكي الجديدة محاولة للعودة إلى سؤال أساسي: ماذا يبقى من البطل الشعبي حين يُنزع عنه بريق الأسطورة؟لا تعود قوة شخصية روبن هود فقط إلى حضورها السينمائي، بل إلى الغموض التاريخي الذي أحاط بها لقرون، إذ إن الأفلام والروايات رسخت صورة الفارس النبيل الذي يسرق من الأغنياء ليمنح الفقراء، لكن مؤرخين أشاروا إلى أن الأمر لا يتعلق بشخصية واحدة، بقدر ما كانت مزيجا من حكايات وأشخاص متعددين.
وتظهر أقدم الإشارات المكتوبة إلى" روبن هود" في الأدب الإنجليزي الوسيط خلال القرن الرابع عشر، حيث ظهر أحيانا كخارج على القانون وأحيانا أخرى بطلا شعبيا يقاوم السلطة.
وربطت بعض الروايات المتأخرة الشخصية بفترة الملك ريتشارد قلب الأسد والحروب الصليبية، بينما رجحت دراسات أخرى أن الاسم كان لقبا عاما يطلق على المتمردين وقطاع الطرق في إنجلترا الوسيطة.
ومع انتشار الطباعة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ثم ظهور رواية" إيفانهو" (Ivanhoe) لوالتر سكوت في القرن التاسع عشر، بدأت ملامح البطل الذي نعرفه اليوم تتشكل تدريجيا، قبل أن تتبناها هوليوود وتحولها إلى أسطورة عالمية عن العدالة والتمرد.
ومن هنا تكتسب النسخ السينمائية المختلفة أهميتها؛ فهي لا تعيد رواية قصة واحدة ثابتة، بل تعيد تفسير شخصية ظلت موضع جدل بين التاريخ والأسطورة لأكثر من سبعة قرون.
بدأت السينما في بناء صورة روبن هود الحديثة مبكرا مع فيلم" روبن هود" عام 1922، من إخراج ألان دوان وبطولة دوغلاس فيربانكس.
كان الفيلم واحدا من أضخم إنتاجات عصر السينما الصامتة، وارتبط بصورة البطل الحركي الرشيق الذي يقفز ويبارز ويمنح الأسطورة طاقة جسدية لافتة.
ويصف دليل معهد الفيلم الأمريكي العمل بأنه كان من أوائل الإنتاجات الضخمة التي تجاوزت تكلفتها مليون دولار تقريبا، وهو ما جعله محطة مهمة في تاريخ أفلام المغامرات المبكرة.
في تلك النسخة، كان روبن هود أقرب إلى حلم بصري عن النبل والشجاعة والحركة.
كانت السينما الصامتة بحاجة إلى جسد قادر على التعبير أكثر من الكلام، ووجدت في فيربانكس بطلا مثاليا، إذ كان سريعا، ومرحا، ومعلقا دائما بين الأرض والهواء.
وهكذا بدأت الأسطورة السينمائية من فكرة رشاقة البطل وقدراته الجسدية بعيدا عن الفكرة الأخلاقية في الدراما، ثم جاءت النسخة الأكثر رسوخا في الوعي العالمي: " مغامرات روبن هود" عام 1938، من إخراج مايكل كورتيز وويليام كييلي وبطولة إيرول فلين وأوليفيا دي هافيلاند.
خصصت شركة" وارنر براذرز" ميزانية ضخمة للفيلم وتم تصويره بتقنية" التكنيكولور"، وتم تقديم روبن هود كفارس ساكسوني يقود تمردا ضد الأمير جون والنبلاء النورمانديين دفاعا عن المظلومين.
هذه النسخة هي التي منحت روبن هود مظهره الأكثر شهرة، من الرداء الأخضر والغابة كمساحة للحرية، والصداقة والمبارزات، والنهاية التي تعيد العدالة إلى مكانها.
واختير الفيلم للحفظ في السجل الوطني للأفلام بمكتبة الكونغرس الأمريكية باعتباره عملا ذا أهمية ثقافية وتاريخية وجمالية.
هنا لم يعد روبن هود مجرد شخصية فولكلورية، بل أصبح رمزا سينمائيا كاملا للبطولة المرحة والعدالة المطمئنة.
لكن السينما لم تترك الأسطورة في شبابها الأبدي، ففي عام 1976، قدم ريتشارد ليستر فيلم" روبن وماريان"، من بطولة شون كونري وأودري هيبورن وروبرت شو.
بحسب دليل معهد الفيلم الأمريكي، كتب الفيلم جيمس غولدمان، وتم تصويره في إسبانيا.
وخلال رحلة إنتاجه، حمل الفيلم في بعض مراحله عنوان: " موت روبن هود"، وهو ما يكشف مبكرا عن اهتمام السينما بفكرة موت البطل لا انتصاره فقط.
في هذا الفيلم، يعود روبن هود كبيرا في السن، مثقلا بسنوات الحروب والغياب، ليجد أن ماريان أصبحت راهبة وأن العالم الذي عرفه تغير.
لم يعد الأمر يتعلق بسرقة الأغنياء ومساعدة الفقراء، بل بالسؤال عما إذا كانت البطولة قادرة على النجاة من الزمن.
هذه النسخة فتحت بابا جديدا أمام السينما حول روبن هود كبشر يضعف ويشيخ ويواجه النهاية.
بعد أكثر من ثلاثة عقود، أعاد ريدلي سكوت تقديم الشخصية في فيلم" روبن هود" عام 2010، من بطولة راسل كرو وكيت بلانشيت.
كتب الفيلم براين هيلغلاند وإيثان ريف وسايروس فوريس، وشارك في إنتاجه ريدلي سكوت وراسل كرو وبراين غرازر.
وحمل العمل طابعا تاريخيا أكثر خشونة، وقدم روبن هود باسم روبن لونغسترايد، جنديا وراميا للسهام يعود من الحروب ليجد نفسه في قلب صراع سياسي واجتماعي أوسع.
لم يكن فيلم سكوت احتفالا بالأسطورة بقدر ما كان محاولة لوضعها داخل عالم سياسي وعسكري خشن.
اختفت الألوان المرحة تقريبا، وحضرت الدروع الثقيلة والطين والمعارك الكبرى.
انتقل روبن هود من الغابة الرومانسية إلى عالم السلطة والحرب، ومن البطل الخفيف إلى المقاتل المنهك.
ومع" موت روبن هود"، يذهب سارنوسكي أبعد من ذلك، حيث يقدم العمل هيو جاكمان في صورة روبن هود متقدم في العمر، محاطا بإرث من العنف والندم، في معالجة تقول إنها لا تريد إعادة إنتاج البطل الشعبي كما عرفناه، بل تفكيك الأسطورة نفسها.
وتشير تقارير صحفية أخرى إلى أن الفيلم صُوّر في أيرلندا الشمالية، وأنه يتجه إلى واقعية جسدية ونفسية أكثر قسوة من معظم النسخ السابقة.
لا تكمن الأهمية فقط في أن روبن هود يموت، بل في أن موته يصبح وسيلة لإعادة قراءة حياته.
فالشخصية التي قُدمت لعقود لتطرح كنموذج نبيل للعدالة الشعبية تُعاد الآن إلى منطقة أكثر التباسا، وخاصة حين تسأل عن الدم الذي سال في طريق الأسطورة؟ وماذا عن العنف الذي غطاه البريق؟ وهل يمكن للبطل أن يطلب الخلاص بعد حياة صنعتها السيوف والسهام والمطاردات؟لا يبدو فيلم سارنوسكي مجرد نسخة جديدة من حكاية قديمة، بل حلقة في مسار طويل قطعه روبن هود داخل السينما، من جسد دوغلاس فيربانكس الطائر في عشرينيات القرن الماضي، إلى ألوان إيرول فلين الزاهية في الثلاثينيات، إلى شيخوخة شون كونري في السبعينيات، ثم واقعية راسل كرو العسكرية في 2010، وصولاً إلى هيو جاكمان كرجل جريح يحاول التصالح مع إرثه.
منحت السينما روبن هود حياة أطول من حياة أي بطل عادي.
لكنها في كل مرحلة كانت تغير عقدته" الدرامية".
في البداية كانت عن كيفية تحقيق الانتصار على الأعداء؟ ثم أصبحت عنه شخصيا وكيف يكبر في السن ويشيخ، ثم وضع روبن هود داخل سياق سياسي.
أما اليوم، فقد طرحت السينما المعضلة الأكثر قسوة، إذ قررت أن" تحاسبه" على كل ما زعمته من خلال أفلامها السابقة، بينما يتحول من الأسطورة الملحمية المعروفة إلى الفناء الإنساني، وربما لهذا تبدو نسخته الجديدة مناسبة لعصر لم يعد يكتفي بالأبطال الخالدين، بل يريد أن يعرف الثمن الذي دفعه هؤلاء كي يصبحوا أساطير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك