خلال الأشهر القليلة الماضية، تحول حسان عقاد إلى رمز عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ من خلال سلسلة مقاطع فيديو، وجه عقاد انتقاداته أخيراً إلى موسى العمر المقرب من الرئاسة السورية، بعد أن تعهد موسى مثله مثل بقية الشخصيات العامة الثرية والبارزة، بتقديم تبرعات ضمن عدة حملات لإعادة الإعمار انطلقت في مختلف أنحاء البلد بعد سقوط الأسد.
وكما هي حال معظم تلك الشخصيات، لم يسدد العمر ما عليه من التزامات، ما دفع عقاد ليشدد بشكل خاص على مبلغ عشرة آلاف دولار التي تعهد بها موسى العمر لمدينة حمص ولم يقدمها حتى الآن.
نفد صبر العمر من استفزاز عقاد فحظره، فسافر الأخير إلى حمص حيث وجه من هناك نداء مباشراً إلى العمر عبر مكبر صوت من نافذة سيارته في أثناء تجواله في المدينة المدمرة، فما كان من المارة إلا أن صوروا المشهد، وبعد ذلك بقليل، نشر العمر مقطع فيديو أعلن من خلاله عن مشاريع تنموية سيقيمها في حمص بقيمة تصل إلى 40 ألف دولار، وأكد بأن ذلك ليس رداً على" حملة الابتزاز الإلكترونية"، وفي اليوم التالي، وصلت الأموال بالفعل.
مطالبة حسان عقاد لموسى العمر بدفع ما عليه من التزاماتسلسلة (أسباب لزيارة سوريا)لم يعتزم عقاد التحول إلى مشاكس ساخر يراقب أداء الحكومة، أو شخصية مشهورة تعمل على مكافحة الفساد، بل أتى كل ذلك بالتصادف، إذ عندما رجع إلى بيته بدمشق في العام الماضي، بعد 14 عاماً من الغربة، بدأ هذا الناشط والمخرج بمشاركة ملاحظاته حول وضع البلد بعد الحرب بأسلوب سخر من خلاله من الواقع السوري الجديد.
وفي أولى فيديوهاته التي حملت عنوان: (أسباب لزيارة سوريا)، مثل عقاد شخصية مؤثر متخصص بالسفر واثق من معلوماته، فأخذ ينصح من أين بوسع الزائر أن يشتري أفضل سندويشة شاورما في العاصمة، وما هو أفضل مطعم يقدم لحم الجمل، ومن هو أفضل مطهر للأولاد في البلد، ثم صار يتناول قضايا اجتماعية وبيئية، مثل القيادة المتهورة، والإفراط في رش المبيدات الحشرية، وتخريب المرافق العامة، وصار يوجه رسالة من خلال فيديوهاته يقول فيها: " طوال سنوات رأيتمونا في نشرات الأخبار ونحن نموت، والآن بوسعكم أن تأتوا لتروا كيف نعيش"، مع تشجيع على زيارة سوريا بكل ما فيها من عيوب ونواقص.
سلسلة (الإنكليزية مع حسان)وفي السلسلة الثانية من الفيديوهات التي حملت اسم (الإنكليزية مع حسان)، اعتمد عقاد على خبرته في التدريس، فسلط الضوء على معاناة البلد عبر تعليم مفردات مثل المحسوبية والزبائنية ومحاباة الأقارب باللغة الإنكليزية، إلى جانب عبارات اصطلاحية مثل لوم الضحية وحالة الاستغلال وسلطة الأمر الواقع.
وبمرور الوقت، أصبحت اللقطات التي ظهر فيها رأسه عائماً أمام شاشة كروما خضراء غريباً ومثيراً للسخرية، بينما امتزجت نكاته الذكية بشعور متزايد بالإحباط وخيبة الأمل.
ومن خلال تركيزه على ما لا يسير على ما يرام في البلاد، وتقديمه محتواه باللغة الإنجليزية بالمقام الأول، أقرّ عقاد بأنه يوجه خطابه بلغة اختصاصية قليل من يفهمها.
مقاطع فيديو نشرها المؤثر حسان عقادبداية حملة" هاتوا الفلوس اللي عليكو"ومع ذلك، لاقت تعليقاته صدى لدى المتابعين، الذين عبروا عن التشاؤم نفسه، كما أخذ كثيرون يطرحون السؤال الذي ظل يشغل السوريين منذ سقوط نظام الأسد، وهو: ما الذي تغير حقاً؟غير عقاد أسلوب منشوراته مرة أخرى عبر استخدام مصطلحات مثل العدالة مقابل الدفع، والناشطية الاستعراضية، وبدأ ينتقد الحكومة السورية حين سمحت لبعض رجال الأعمال الذين جمعوا ثروات طائلة من اقتصاد الحرب ودعموا الأسد، بشراء عودتهم إلى البلد ورضا السلطات عنهم بالمال.
وأكثر ما أثار استياءه هو أن معظم رجال الأعمال هؤلاء أعلنوا عن تعهدات بملايين الدولارات لإعادة إعمار سوريا، من دون أن يفوا بوعودهم.
ومن هنا، أطلق حملة" هاتوا الفلوس اللي عليكو".
أقيمت خلال العام الفائت فعاليات وطنية مهمة هدفها جمع الأموال من أجل إعادة الإعمار، عبر الاستعانة بمصادر محلية، بهدف تجاوز العقوبات الدولية التي كانت تثقل كاهل الاقتصاد السوري في ذلك الحين.
ولذلك أعلن عن حملات التبرع تلك في كل من حمص ودمشق ودرعا وإدلب، والتي بلغت ذروتها في الفعالية التي أقيمت بحلب وامتدت لعدة أيام، وقد نقلت تلك الفعاليات مباشرة عبر الإنترنت والتلفزيون الرسمي، اعتلى خلالها رجال أعمال موسرون المنصات وأعلنوا عن تبرعهم من أجل البلد، فحصدوا إشادات وتصفيقاً كبيراً.
جمعت حملة الوفاء لإدلب قرابة 208 ملايين دولار من السوريين في الداخل والخارج، وكان أبرز من أسهموا فيها الملياردير غسان عبود، الذي تبرع بمبلغ 55 مليون دولار، ولكن بعد بضعة أشهر، اجتاحت العواصف المنطقة، فأغرقت مخيمات النازحين، وعانى كثيرون من البرد القارص، من دون أن تحقق تلك الأموال أي أثر ملموس.
بعد مرور سنة ونصف على سقوط نظام الأسد، وفي الوقت الذي حققت الحكومة تقدماً في المجال الدولي، ما أدى لرفع العقوبات وعودة ربط سوريا بالنظام المصرفي العالمي، لم تتدفق الاستثمارات الإقليمية على سوريا كما يجب.
وفي الوقت نفسه، ما يزال أكثر من 90% من الشعب السوري تحت خط الفقر، فيما شهدت أسعار الوقود والكهرباء ارتفاعاً كبيراً، وما تزال مساحات شاسعة من البلد مدمرة بعد حرب امتدت لأربعة عشر عاماً.
وبحسب تقديرات البنك الدولي، تحتاج عملية إعادة إعمار سوريا إلى 216 مليار دولار، وفي ظل هذه الظروف، سمع السوريون الذين يعانون من وضع اقتصادي صعب عن وعود باستثمارات سعودية وخليجية، كما رأوا الرئيس الأميركي دونالد ترمب وهو يستقبل رئيسهم بحفاوة ويرش عليه العطر، ولا بد أنهم سمعوا عن تعهدات بأكثر من 14 مليار دولار لبناء مطارات جديدة في بلدهم، إلى جانب الاستثمارات في قطاع الطاقة، وإنشاء أبراج فاخرة، ومع ذلك لم يلمس أي منهم أي تحسن في حياته اليومية.
عبر الموقع الإلكتروني لصندوق التنمية السوري، ثمة سجل للمتبرعين في تلك الفعاليات، ذكر فيه بصراحة كل من لم يوف بتعهداته، وشمل ذلك تعهداً بقيمة 20 مليون دولار كحصيلة لمزاد على أسطول سيارات فارهة صودرت من قصور الأسد، وهذا ما دفع عقاد لنشر مقطع فيديو عبر إنستغرام، كتب خلاله رسالة إلكترونية مهذبة وجهها للرئيس أحمد الشرع حتى يوفي بالتزاماته المالية.
ثم أخذ عقاد يتصفح تلك القائمة، كاشفاً عشرات الأسماء وملايين الدولارات من التعهدات التي لم يجر تحصيلها من حملة واحدة فقط من تلك الفعاليات الوطنية، بما أن حملة حلب لوحدها جمعت أكثر من 426 مليون دولار، كما وأفادت مكاتب المحافظين بأن نسبة ضئيلة فقط من الالتزامات قد تم تحصيلها بالفعل.
وجه عقاد أولى فيديوهاته من سلسلة (هاتوا الفلوس اللي عليكو) لأحمد وعمرو حمشو، اللذين تعهدا بتقديم مليون دولار، وهذان هما نجلا محمد حمشو، أحد أبرز رجال الأعمال الذين عملوا لصالح آل الأسد، واشتهر بتجريده للأبنية السكنية المدمرة في ضواحي دمشق من الحديد، ومن ثم انتقلت أعماله لتشمل كل أنحاء سوريا، ما ساعده على جمع ملايين الدولارات.
أعرب أهالي جوبر عن استيائهم الشديد من نجلي حمشو، إذ اعتبروا بأن الأموال التي تعهدا بها سبق لهما أن استخرجاها من بيوتهم حرفياً على شكل حديد، وبعد كل ذلك، لم يف أي منهما بالتزاماته.
وهذا ما دفع عقاد لفضح تلك التعهدات عبر منشوراته، حيث أخذ يطالب رجال الأعمال والعشائر والمنظمات بتسديد ما عليها، كما صار يهدد تلك الجهات بأسلوب ساخر عبر نكات ومقاطع مضحكة، ترافقها موسيقى تتضمن أغاني سورية ومصرية إلى جانب الموسيقى الختامية لمسلسل Succession الشهير.
ومنذ إطلاق تلك الحملة في نيسان الماضي، استهدف عقاد عشرات الأشخاص، وبعد أسبوعين من الحملة، كانت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، أول من استجاب عبر تسديد تعهدها البالغ خمسمئة دولار.
وصف عقاد ذلك بنقطة التحول، وقال: " أصبح الناس يقولون: إن رد عليه الوزراء، فلم لا يرد الناس العاديون؟ "، ومنذ ذلك الحين انتشرت فيديوهاته انتشار النار في الهشيم، ثم تداولت نشرة الأخبار حملة عقاد، وبعد ذلك وصلته تهديدات طالبته بالابتعاد عن السياسة، لكنه ظل ينشر كل ذلك عبر حساباته على مواقع التواصل.
وبمجرد أن طلب المساعدة، تبرع المئات لدعمه، فأصبحت حملته تضم فريقاً من الصحفيين والباحثين والمصممين الذين أسسوا شركة إبداعية حملت اسم Stunning Studio.
نجحت مساعي عقاد في تحقيق مراده، إذ عندما طالب صندوق التنمية السورية بدفع المال، أخذ الناس يستجيبون بدافع الخوف من أسلوب عقاد في التشهير، كما كان للحملة تأثير على المحاسبة في دوائر الدولة، حيث حُدّثت السجلات وصُححت ونُشرت عبر الإنترنت، بما أن المواطنين صاروا يراجعون تلك المواقع ليتحققوا من المعلومات بأنفسهم.
تلقى عقاد سيلاً من رسائل الدعم والهدايا التي أرسلها له سوريون من مختلف أنحاء البلد، وعن ذلك يقول: " رأينا كيف تفكك بلدنا، فقد خضنا حرباً مريرة، ثم تحررنا، لذا فإن دعم هذه الحملة يعبر عن قدرتنا على التكاتف لدعم قضية معينة، سواء أكنا متفقين مع بعضنا أم لا".
من الواضح من خلال إعادة النشر والمشاركة والتعليقات بالآلاف بأن معظم السوريين يتفقون مع هذا الطرح، فقد نشرت معالجة نفسية سورية تدعى تسنيم مقطع فيديو حللت فيه الحملة باعتبارها شكلاً من أشكال التشافي الجماعي واستعادة القدرة على الفعل، وفيه قالت عن عقاد: " عند مشاهدته وهو يخاطب السياسيين والمشاهير بجرأة كأنهم أشخاص عاديون، كسر الخوف الموروث لدينا وأعاد بناء هويتنا الممزقة، فلم نعد مجرد ضحايا".
يمثل ذلك رحلة مكتملة بالنسبة للعقاد الذي شارك في ثورة 2011 بدمشق، حيث اعتقل وتعرض للتعذيب في سجون الأسد، ثم هرب من بلده مثل أغلب السوريين، إلى أن وصل إلى أوروبا، وعاش في مخيم للاجئين بكاليه الفرنسية، ليستقر أخيراً في لندن، حيث انصرف إلى الكتابة والإخراج وحاز على جوائز في هذا المجال.
أما عن سبب عودته إلى سوريا، فقد قال والتأثر باد عليه: " استغرقت رحلة وصولي إلى إنكلترا ثلاثة أشهر، أما رحلة عودتي إلى سوريا فقد استغرقت خمس ساعات فقط"، ويعتبر ما يقوم به اليوم واجباً تجاه المجتمع.
المحاسبة بديلاً عن التنفيسوبالتأكيد، فإن ظهور حملة كحملة عقاد أيام الأسد كفيل بقتل صاحبها، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الناس عندما يزول خوفهم من القتل بسبب ما يقولونه، يصبح لديهم الكثير ليقولوه، ومهما بلغ حجم الانتقادات الموجهة لحكومة الشرع، لا بد للمرء أن يحتفي بهذا التغيير، بما أن معظم من لم يكن بوسعهم التعبير عن رأيهم أيام الأسد، وجدوا في حملة عقاد وسيلة للمشاركة وللمطالبة بالعدالة والمحاسبة، وللتشهير الساخر بالمتربحين من الحرب، وللانتقال من موقع الضحية إلى موقع المواطن للمرة الأولى في حياتهم.
تعقيباً على ذلك يقول عقاد: " تجيب هذه الحملة على السؤال الذي يطرحه كل سوري: ما الذي تغير في البلد؟ " وهو يدرك أن ما يفعله محظور في معظم الدول العربية، لكنه لا يرغب بتجميل الواقع الجديد، بل يشير إلى استمرار الفساد والمحسوبية والزبائنية، ويؤكد في الوقت نفسه على أن كثيرين من داخل الحكومة يرغبون بإصلاح الأمور.
منذ فترة قريبة، زار عقاد وزارة الإعلام فاحتضنه أحد كبار الموظفين وقال له: " أحبك يا رجل، ونحب محتواك" ما جعل عقاد يحس بصدمة كبيرة، ليس فقط لأنه لم يشعر بأي خوف، بل لأنه أحس وكأنه دخل إلى بيته في ذلك المكتب الحكومي.
خلال عقود حكم آل الأسد، كانت سوريا تدار بمنطق التنفيس، أي تفريغ الضغط بالتدريج من دون إحداث أي انفجار، وقد برع النظام البائد بفتح صمامات الضغط الصغيرة أمام المهمشين، لخلق شعور زائف بالانفراج، عبر محتوى فكاهي توافق الدولة على بثه، وضمن هذا الإطار، قدمت أعمال تلفزيونية لاقت رواجاً كبيراً، كونها مزجت الكوميديا بالنقد الاجتماعي، وعلى رأسها أعمال ياسر العظمة في مسلسل مرايا، وأفلام دريد لحام الساخرة، ما أعطى السوريين إحساساً واهماً بقدرتهم على التعبير عن خيبتهم الناجمة عن التضخم أو الفساد، ولكن بشرط ألا يتحول ذلك إلى تهديد حقيقي للسلطة.
وهكذا أصبح الهجاء وسيلة تعبير استخدمها السوريون للحديث عن أمور خطيرة ولكن بطريقة غير مباشرة.
أما اليوم، فما يحدث هو نقيض حالة التنفيس، إذ هنالك ضغط حقيقي يتجه من الأسفل إلى الأعلى، ومن خلال وسائل التواصل والاحتجاجات الشعبية، بات بوسع الناس انتقاد المسؤولين ورجال الأعمال والمؤسسات بشكل مباشر، وفي بعض الأحيان تتحقق نتائج ملموسة بعد توجيه هذا الانتقاد.
بيد أن المعركة مستمرة بالنسبة لعقاد، فقد عزم هو وفريقه على تتبع أين تصرف تلك الأموال عند دفع كل شخص ما عليه من التزامات، كما تعهد بأن تعتمد حملته الجديدة على توثيق قد يزعج كثيرين لمشاريع إعادة الإعمار في سوريا، عبر نشر مقاطع فيديو متتابعة تراقب الأمور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك